الخرطوم-“القدس العربي”: يستعد ناشطون للبدء في إجراءات قانونية ضد الذين أطلقوا الرصاص على المحتجين في التظاهرات التي تسببت في إنهاء ثلاثين عاما من حكم العسكر في السودان، وشهدت الثورة إراقة دماء المئات، وإصابة الآلاف خلال عدة أشهر، نتيجة لاستخدام الرصاص الحي.
وطالب السودانيون بضرورة تشكيل حكومة مدنية بعد سقوط البشير من أجل القصاص للشهداء الذين قتلوا أثناء التظاهرات أو تحت وقع التعذيب. لكن المفارقة الصادمة هي أن عدد الذين قتلوا بعد الحادي عشر من نيسان/أبريل (وهو اليوم الذي أعلن فيه اقتلاع نظام الإنقاذ) وحتى الرابع من آب/أغسطس (وهو تاريخ الاتفاق على الوثيقة الدستورية) فاق قتلى بداية الحراك الأخير في كانون الأول/ديسمبر الماضي، ولم يكن الاتفاق كافيا لوقف نزيف الدم، فقد شهدت الولاية الشمالية سقوط شهيد بعد ذلك التاريخ.
وقالت اللجنة التمهيدية لأسر شهداء ثورة كانون الأول/ديسمبر إن عدد الشهداء وصل 267 بمن فيهم شهداء مجزرة الأبيض، وكان ذلك قبل سقوط أربعة ضحايا في تظاهرات طالبت بالقصاص العادل في أم درمان. وطالبت اللجنة في مؤتمر صحافي بتمثيل أسر الشهداء في لجان ومجالس الثورة، مضيفة بأنهم الآن في مرحلة الحصر وإكمال الملفات القانونية انتظارا لتقديمها لقضاء عادل بعد تكوين الحكومة المدنية.
وقال متحدث باسم أسر الشهداء إن هناك اتفاقا بينهم باختلال النظام العدلي الحالي، لذلك هم الآن في انتظار الحكومة التي استشهد من أجلها أبناؤهم “للدفع بالملفات في نظام قضائي مستقل تتم من خلاله العدالة وهو أحد شعارات الثورة، وللجميع الحق بعد ذلك في القصاص أو الدية أو العفو”.
مئات القتلى وآلاف المصابين
وحسب لجنة أطباء السودان المركزية، فإن عدد الشهداء بلغ 43 شهيدا حتى الخامس من نيسان/ابريل الماضي وهو اليوم الذي سبق اعتصام القيادة العامة، ثم استشهد23 من السادس وحتى التاسع من الشهر نفسه، وفي يوم سقوط البشير 11 نيسان/ابريل الماضي قتل 15شخصا. أما الذين قتلوا تحت حكم المجلس العسكري فقد بلغ عددهم أكثر من 250 شهيدا.
مجزرة القيادة العامة
واستمر نزيف الدم السوداني عبر 22 شهيدا بعد يوم 11نيسان/ابريل الماضي، وتضمن 6 شهداء أثناء أحداث 8 رمضان ليصل عدد الضحايا لذروته ويبلغ 127 شهيدا في مجزرة القيادة العامة (مجزرة 29 رمضان الموافق الثالث من حزيران/يونيو) وتعتبر هذه المجزرة حدا فاصلا بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير وأصيب الشعب السوداني بصدمة كبيرة.
ولم يتوقف قتل المتظاهر حيث اضيف 16 شهيدا للأرقام السابقة، وجاءت أحداث مدينة الأبيض لتشكل علامة فارقة أخرى بعد مجزرة فض الاعتصام واستشهد فيها ستة مواطنين منهم خمسة أطفال من تلاميذ المدارس، وبلغت آخر حصيلة أربع ضحايا في أم درمان قبل أن يتم الاتفاق على الوثيقة الدستورية يوم الأحد الماضي 4 اب/اغسطس.
وإلى جانب القتلى هناك عشرات المفقودين منذ يوم فض الاعتصام. وانتشرت نداءات في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الشعبي التقليدي من خلال التنبيه عبر مكبرات الصوت في المساجد ووضع صور المفقودين على المحال التجارية وأماكن التجمعات، وتم العثور على بعض المفقودين، لكن القائمة لا تزال طويلة.
وبعد إطلاق الإنترنت بعد أكثر من شهر من حادثة فض الاعتصام، انتشرت فيديوهات لاغتصابات تمت بحق فتيات وفتيان، وذلك عبر إفادات بعض الضحايا والناشطين (شهود عيان) وكذلك أفراد الأطقم الطبية، ويظل هذا الملف شائكا، نسبة لعدم رغبة الكثيرين ممن تعرضوا للاغتصاب لاتخاذ إجراءات قانونية بسبب الوصمة الاجتماعية.
ولا يزال الجدل مستمرا حول عدد الضحايا قبل وبعد سقوط البشير، واعترفت الحكومة بسقوط 19 قتيلا في الحراك قبل نيسان/ابريل، لكن جهات أخرى وناشطين، أكدت أن عدد الضحايا تجاوز ذلك. وقال حزب الأمة القومي في بيان له، إن عدد شهداء مظاهرات السودانيين المطالبة بإسقاط النظام وتنحي البشير ونظامه من السلطة وصل إلى (45) شهيدا، وإن عدد المعتقلين خلال هذه المظاهرات السلمية تجاوز الألفي معتقل في كل السودان تعرض أغلبهم للتعذيب، وأن عدد الجرحى تجاوز الألف.
ويرى البعض أن الرئيس المخلوع متهم بشكل أساسي في عمليات قتل المتظاهرين. وأثار حديث للبشير قبل سقوطه أمام قادة الشرطة جدلا واسعا ووجد تفسيرات مختلفة عندما أوضح إنهم لا يرغبون في قتل المتظاهرين لكنهم مضطرون، واستخدم الآية القرآنية (ولكم في القصاص حياة) لتبرير حديثه، مفسرا كلمة قصاص بالقتل والإعدام. ورغم سلمية التظاهرات، إلا أن البشير أوضح في أكثر من لقاء أن الذين يقومون بالتخريب مدعومون من مخابرات وسفارات أجنبية.
وقالت لجنة أطباء السودان إن جملة عدد المصابين المسجلين لديها كان 1.353 مصابا تفاصيلهم على النحو التالي: 253 قبل اعتصام القيادة العامة و400 أثناء الاعتصام و700 إصابة أثناء فض الاعتصام.
صدمة تقرير اللجنة الحكومية
وأحدث تقرير لجنة تقصي الحقائق (التي كونها المجلس العسكري) في عملية فض الاعتصام جدلا كثيفا، إذ يرى الكثيرون أن تقريرها معيب، وذكرت اللجنة أن عدد القتلى في ميدان الاعتصام كان 17 بالإضافة لإصابة 168 شخصا، 63 منهم في ساحة الاعتصام بينهم 48 حالة إصابة بطلق ناري و15 نتيجة الاختناق. وتم اتهام عدد من ضباط الدعم السريع بمخالفة الأوامر.
ولم تكن الإجراءات الحكومية ضد مطلقي الرصاص جادة، حيث ظلت البيانات الرسمية تتحدث عن وجود طرف ثالث (كتائب نظام البشير) مع الحديث عن انحراف المظاهرات عن السلمية ووجود مندسين، لكن بعد مجزرة مدينة الأبيض وقتلى مدينة أم درمان في اليوم التالي للمجزرة، اتخذ المجلس العسكري إجراءات واضحة، حيث تم فصل تسعة جنود من قوات الدعم السريع واتهامهم بإطلاق الرصاص وقتل المتظاهرين وإحالتهم للنيابة العامة لتتولى محاكمتهم.
وقالت هيئة محاميي دارفور إن “لجنة التقصي التي كونها النائب العام للتحقيق في أحداث فض الاعتصام غير صالحة شكلا ولا موضوعا، فقد تم تكوينها بصورة لا تستوفي معها شروط المهنية والاستقلالية والحياد. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فقد حلت محل هذه اللجنة تلك اللجنة المنصوص عليها في الاتفاق السياسي المبرم بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير وفق ما ورد في الفصل (الرابع) في المادة (18) منه”.
وأدان التحالف العربي من أجل السودان مقتل 11 من المدنيين العزّل بينهم 3 جثث عثرت عليها وتحمل آثار تعذيب في مدينة أم درمان، وإصابة ما لا يقل عن 185 شخصاً في تظاهر الثلاثين من حزيران/يونيو وهي أول حراك منظم بعد مجزرة القيادة في الثالث من الشهر نفسه.
وقال في بيان له “لقد شكّل يوم الثلاثين من حزيران/يونيو نقطة فارقة في تاريخ الشعب السوداني وثورته المجيدة، فقد خرجت الحشود الهادرة، وفاءً لذكرى شهداء مجزرة فض اعتصام القيادة العامة مطالبين بمدنية السلطة ومرددين هتافات وشعارات تدعو لسلمية الثورة، واجهتها ميليشيا الجنجويد وجهاز الأمن وكتائب الظل بالقمع والرصاص والغاز المسيل للدموع، فأردت 11 قتيلاً و185 من المصابين”.
وبعد التوقيع على الوثيقة الدستورية في الرابع من هذا الشهر قالت ابتسام سنهوري، عضوة اللجنة الفنية في التفاوض في قوى الحرية والتغيير في مؤتمر صحافي، إن الوثيقة نصت على تكوين لجنة مستقلة لمحاسبة مرتكبي جرائم قتل الثوار، مضيفة أن من حق هذه اللجنة طلب الدعم من الاتحاد الافريقي ولجانه الفنية، وذلك بعد تعيين رئيس القضاء من قبل مجلس القضاء العالي الذي تقرر أن يكون جهة مستقلة.
وتعتقد هيئة محاميي دارفور بوجود تخطيط مسبق واستهداف للناشطين من الثوار، وقالت إن هناك روابط مهمة توصلت إليها الهيئة من خلال تقصيها في حوادث القتل المماثلة والمشابهة ذات الصلة بالاعتصام والتي وقعت في يوم فض الاعتصام في مناطق متفرقة من ولاية الخرطوم وفي الأيام التالية والتي استهدفت شباب المقاومة الذين تمترسوا في شوارع الأحياء. وخلصت الهيئة عبر تقرير مفصل عن أحداث القتل إلى الترصد والانتقائية في ممارسة القتل، مضيفة أن القتل الانتقائي يشبه إلى حد كبير ممارسات القتل المرتبكة بواسطة كتائب ظل النظام البائد ووحداته الجهادية في الجامعات والأمن الطلابي.
قمع شديد وتظاهرات مستمرة
ورغم العنف الذي استخدم في كل التظاهرات، لكن الحراك الشعبي لم يقل، بل ظل في تزايد مع كل حادثة قتل وكانت أبرز هتافات المحتجين (الدم قصاد الدم ما بنقبل الدية ..والشعب يريد قصاص الشهيد) ويرى عبد الوهاب موسى، رئيس تحرير صحيفة “الأمة” بالإنابة، أن التظاهر حق مشروع تكفله القوانين المحلية والمواثيق الدولية، ويقول في حديثه لـ”القدس العربي” إن الثورة في السودان قامت على الحراك الجماهيري الضخم والواسع، ما أدى لاقتلاع رأس النظام السابق، مشيرا إلى أن الحراك المتواصل يهدف لإكمال أهداف الثورة.
ويضيف أن الحراك الجماهيري مزعج جدا للمجلس العسكري وثبت بالدليل القاطع تأثير الشارع على العسكر الذين حاولوا مرارا وتكرارا النكوص عن التغيير والانفراد بالسلطة. ويرى عبد الوهاب عدم وجود تعارض بين الخروج للشارع والدخول في التفاوض مع المجلس العسكري، ويشير إلى أن المسارين (التظاهر والتفاوض) مكملان لبعض، خاصة وأن التظاهرات تشتمل على ندوات ومخاطبات.
ويقول الصحافي صلاح المليح إن الشارع استمر في الحراك لأنه أيقنبوجود انتكاسة وعدم جدية من المجلس العسكري في تسليم السلطة لحكومة مدنية.
وحسب المليح فإن أفعال المجلس العسكري تتناقض مع أقواله، حيث “يعلنون أنهم انحازوا للثورة بينما يقومون بنفس ما كانت تقوم به اللجنة الأمنية لنظام البشير، بل أسوأ منها كما حدث في مدينة الأبيض حيث وجه العسكر أسلحة مضادة للدروع على صدور أطفال سلميين”.
مخططات لجر المحتجين للعنف
وراهن الثوار على سلمية ثورتهم رغم مقابلتها بالرصاص ومحاولات جرهم للعنف. واستبقت لجان الأحياء التي تنسق الخروج لتظاهرات مليونية القصاص العادل بإصدار بيان حذرت فيه من مخططات وقالت: “نما إلى علم لجنة العمل الميداني لقوى إعلان الحرية والتغيير محاولات من النظام البائد وكتائب ظله لاختراق مجموعات من الثوار وزرع بعض منتسبي النظام السابق وفلوله وسطهم. كما علمت اللجنة من مصادرها عن قيام النظام بتوزيع أسلحة نارية على بعض هذه المجموعات”.
وأضاف البيان أن هذا المخطط يأتي من النظام البائد لافتعال العنف على نطاق واسع بدفع هذه المجموعات لإطلاق الرصاص الحي على المواطنين والقوات النظامية “وهي محاولة لجر البلاد لدائرة العنف بغرض قطع الطريق أمام ثورة شعبنا العظيم من الوصول إلى أهدافها وفق إعلان الحرية والتغيير الذي تواثقت عليه جماهير شعبنا”. كما كشفت اللجنة الميدانية لقوى إعلان الحرية والتغيير أن مخطط النظام البائد يتم بتدبير وإدارة وتنسيق ومتابعة مباشرة من واحد من قيادات الجهاز سابقاً، وهو عنصر شهير بالعنف تمت إحالته للتقاعد في 2018 واتهامه في قضايا فساد مالي، وقبع في سجون النظام لفترة من الزمان قبل إطلاق سراحه في الشهور السابقة.
وشددت اللجنة على المضي قدما في التظاهر وقالت: “استمرار عملنا الثوري المقاوم والمشاركة فيه بكثافة هو صمام الأمان ضد كل مخطط حاقد غادر ومأجور، وهو طريقنا لتقديم كل الجناة للعدالة والقصاص للشهداء، وهو سبيلنا لنقل مقاليد الحكم لسلطة انتقالية مدنية تؤسس لسودان الحرية والسلام والعدالة الاجتماعية”.
وأعلنت قوى نداء السودان وهي إحدى مكونات قوى الحرية والتغيير إن “تزايُد الغضب الشعبي والاحتجاجات الاخيرة أتت كنتيجة طبيعية لعدم رؤية العدالة أو أي من متطلباتها تتحقق” مضيفة في بيان لها أن ما صدر من اللجنة التي كونها المجلس العسكري الانتقالي قبل الاتفاق السياسي للتحقيق حول أحداث فض الاعتصام فاقم من الاحتقان في الشارع. وأكدت على ضرورة “إتمام العملية السياسية الحالية وتحقيق متطلبات الاتفاق”.
ويرى ناشطون أن الثورة السودانية كسرت حاجز الخوف من العسكر والذي شيده نظام البشير بالقمع الشديد طوال الثلاثين عاما، وبينما يتخوف البعض من تعطيل حياة الناس بسبب التظاهر شبه اليومي، يرى آخرون أن ما حدث هو تمارين جيدة للديمقراطية المرتقبة، وتؤكد هذه الفئة أن تحقيق مطالب الثورة، وفي مقدمتها تقيم القتلة للعدالة، كفيل بالحد من الخروج للشارع.