كاتبة الوجع الافريقي ـ الأمريكي وداعا

حجم الخط
5

ظلت الكاتبة الأمريكية توني موريسون توصف بالكاتبة السوداء، إلى آخر لحظة في حياتها، بل حتى في نعيها ستوصف بالجمال الأسود، وبسيدة الأدب الأسود، رسولة الزنوجة، أول كاتبة سوداء تنال جائزة نوبل، وأوصاف أخرى لا تهمل صفة السواد التي تلون بشرتها. ولعلّ هذا ليس عيبا في حدّ ذاته، فالكاتبة تنتمي لجذورها الافريقية السمراء، وهي لم تتنصل منها، بل ناضلت من أجلها، ومن أجل حقوق أبناء جلدتها، وخاطبت الجماهير القارئة وغير القارئة بلغة إنسانية واحدة، لكن هل من النبل أن نقدم كاتبة باستباق لون بشرتها على محتوى أدبها؟
لا ندري إن كانت هي الطفلة التي تمنت أن تكون لها عينان زرقاوان، لكننا نعرف أن تلك الأمنية التي سردتها في قصة قصيرة، ثم طورتها بعد سنوات في رواية، ونشرتها وهي على عتبة الأربعين بعنوان «العين الأكثر زرقة»، ستتحقق أمنيتها بطريقة ما.
توني موريسون أو كلوي أرديليا ووفورد، ستعيش 39 سنة كسيدة سوداء مطلقة، تناضل من أجل حياة كريمة، لكن الأمر سيختلف بعد هذا العمر، حين تصدر هذه الرواية لتقلب حياتها رأسا على عقب، سنة 1970 تنطلق «العين الزرقاء» المباركة لتجلب لها الحظ، الذي طالما حلمت به… ولو أنها عاشت في مجتمعاتنا العربية لآمنت بأن «العين الزرقاء» أبعدت عنها سوء الطالع، ووضعتها تحت أضواء الشهرة والنجاح. لقد أخطأت شريحة كبيرة من القراء في حق الكُتّاب السود، حين وُضِعوا في قفص العبيد القديم، وجُلِدوا بلغة نقدية عنصرية، لا ترقى حتى لأسفل درجة من الإنسانية، إذ كان صعبا، رغم إنهاء العبودية في أمريكا أن تنهي العنصرية في الأدمغة والقلوب المشحونة بالسواد، سنذكر جملة موريسون الشهيرة حين قالت، إن كلينتون أول رئيس «لقد قلت ذلك لأنه كان يعامل كرجل أسود وكان… ثم صمتت قائلة على أي حال، لا أستطيع أن أقول شيئا، لم يعد للأمر أهمية» جملتها غير الكاملة هذه كانت لها أبعاد كثيرة، وحللت على أن مفهوم العنصرية أخذ مسارات جديدة، طالت حتى الرجال البيض، حسب مواقعهم الحساسة، ومواقفهم أيضا.
وإن كان هذا الأمر لا يعنينا لأنه مرتبط برجل سياسة، إلا أن موريسون لديها نظرة خاصة نحو ما يعكسه أدب البيض وأدب السود، حسب تقسيم جندري يبدو أكثر إقناعا من غيره، ففي حوار قديم ما أزال أحتفظ به، أجرته فاديا الفقير معها في عدد من سلسلة كاتبات عربيات، تقول «أعتقد أن الرجال السود والنساء البيض والرجال البيض، ولأسباب متفاوتة في اختلافها، يهتمون بالرجال البيض، إنه انجذاب طبيعي نحو النفس، النساء البيض يهتممن بالرجال البيض وذلك أمر طبيعي، فهم أزواجهن وأباؤهن، وأولادهن، و»الآخرون» أيضا، الرجال البيض يهتمون بالرجال البيض لأنهم ما هم عليه، إنه انجذاب طبيعي إلى الذات، أما الرجال السود فيهتمون بالرجال البيض لأن ذلك هو العدو الذي إما يقضي عليه أو يتفق معه، الوحيدون الذين لا يكترثون بالرجال البيض هم النساء السود، فهم ليسوا أبدا محور كتاباتهن… إنه مفهوم مركزية الجنس gender centric لكنها بالنسبة لي قد حررت الأدب».

لم تكتف بنقل حياتها فقط من القاع للسطح الأمريكي الصعب، بل حياة ملايين الأفارقة منذ 1619 إلى يومنا هذا، إنها أربعة قرون عرفت كيف تختصرها في أدبها وتصنع معجزتها الافريقية كمواطنة ومبدعة أمريكية.

فقد رأت موريسون وغيرها من الكاتبات السوداوات المجتمع الأسود متكاملا، بدون عبث اللون الأبيض به، كما رأت العنصرية بعينين مختلفتين، إنها سلوك مقيت، يحصر إنسانا بفكره وتجاربه وحسناته في خانة الكراهية، لسبب واحد فقط، كـ»سبب كلينتون» الذي نجح رجال كثر في إخفائه رغم وجوده..
لعبت موريسون دورا مهما حين حوّلت إدراكها إلى «شكل فني تنويري على نحو خاص» حتى حين خرج بمحمولات سياسية، ركز عليها البعض كعلامة سيئة في أدبها، فاجأتهم موريسون بتحويلها إلى معطى فني ذي أثر عظيم في النفوس، وإلا لما استحقت نوبل للأداب، متجاوزة تماما قمة سلم التصنيف العالمي لأدبها. لا شيء أوقف موريسون عن الكتابة غير موت ابنها سلاد، الذي توفي إثر إصابته بسرطان البنكرياس، إذ غادر باكرا وهو في الخامسة والأربعين من عمره، سنة 2010، لم تكن أي جملة مواساة تعوضها ذلك الفقدان وأثر غيابه، لقد عاشت بداياتها قبل أن تصبح كاتبة كأم مطلقة كرست حياتها لولديها، ولم تتجاوز أمومتها المحمومة تلك، حتى حين كبر ولداها، وصنعا حياتيهما المستقلتين، وإن كان سلاد ظل مرتبطا بأمه، فقد كتبا معا قصصا للأطفال، قام برسم رسوماتها، كان رقيقا في ميولاته الفنية وعشقه للموسيقى وللكتابة، وقد حفر بغيابه الجرح الذي لا يمكن تطبيبه، خاصة أنه لم يتزوج ليترك أحفادا يغطون بحضورهم مساحة غيابه.
قصة توني موريسون، مثل قصص العظماء جميعهم، فيها من البؤس ما يكفي لملء المحيط، وفيها من النجاح ما يردم ذاك المحيط، لقد كانت سيدة قوية، لمست ذلك في الرواية الوحيدة التي قرأتها لها «جاز» وها أنا أشعر بالألم والحسرة، لأنني لم أقرأ لها غيرها، رغم أنني قرأت عنها الكثير. في «جاز» انتصرت موريسون للموسيقى، للجاز تحديدا، الموسيقى التي ترجمت أنين العبيد الأفارقة إلى صيغته الفنية، والموسيقى التي أمدّتهم بالقوة حين خارت قواهم من شدّة الظلم.
قيل إنها كتبت قصّة واحدة على مراحل، ما كوّن مجموع أدبها، وهي لا تنكر ذلك، قالت كثيرا إن «الثيمة» التي اشتغلت عليها، احتاجت لكل ذلك الاجتهاد لتتمكن من قول ما يحتبس في حلقها من كلام، كانت بحاجة لكل تلك الإضاءات لتقدم الصورة كاملة لأجيال بأكملها، هي أجيال أجدادها وأبنائهم وصولا إلى جيلها والأجيال التي تلتها، كان من غير الممكن أن تترك الحكاية من دون تدوين النهايات التي تراءت لها عبر قراءتها المتنوعة للوضع، آثرت أن تستمر في تسجيل رؤاها باللغة التي فضلتها دائما عن غيرها من اللغات، لغة الحياة بامتياز.
لقد تربعت موريسون على عرش الأدب ليس لأنها نالت بوليتزر، أو نوبل أو غيرها من الجوائز والتكريمات، لقد تربعت على قلوب شارفت على النهاية، وعادت للخلف لتسلك دربا أخرى نحو الحياة. همست كثيرا في آذان فاقدي الأمل بالتعويذة السحرية التي أبعدت لعنة الموت عنهم، نفثت بأنفاسها اللغوية الجميلة ما أنقذ الكثيرين من نوبات الاكتئاب وضغوطات المدن، تحوّلت إلى أيقونة مضيئة للسود وللبيض معا، وظل أدبها متأنقا وجميلا رغم عباءته النضالية.
ثمان وثمانون سنة من الخطى الوئيدة في مواجهة المظالم التي تعج بها أمريكا ضد السود، ومواجهة الأقدار السيئة، ككاتبة كان يجب أن تسلك طريقا أطول وأصعب من طريق نجوم التلفزيون والسينما والأغنية والموسيقى، وقد سلكتها كما تتطلب الحكمة، لم «تسلق» أربعين رواية لتتسلق سلم النجاح، فقد اكتفت بإحدى عشرة رواية، كتبت للأطفال، مقالات ومحاضرات، كلها أعمال نبعت من أعماق بيئتها الافريقية الخام، إذ لم تكتف بنقل حياتها فقط من القاع للسطح الأمريكي الصعب، بل حياة ملايين الأفارقة منذ 1619 إلى يومنا هذا، إنها أربعة قرون عرفت كيف تختصرها في أدبها وتصنع معجزتها الافريقية كمواطنة ومبدعة أمريكية.

*شاعرة وإعلامية من البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية