بكل ما تحمله من خصوصية ضاربة في جذور الذاكرة الجمعية، تواجه الثقافات المحلية انساقا إيديولوجية فرضتها ماكنة العولمة مهددة استمرارها وفاعليتها، وإذا ما أردنا ان نرصد انعكاس هذه القضية على المثقف في المنطقة العربية، سنقف عند حزمة من الأسئلة: ما الذي يمكن أن نقرأه في خطابه الثقافي، هل يحمل حساسية عالية ازاء تحدياتها، هل تشكلت لديه رؤية واضحة في التعامل معها، أين يمكن أن يكون حضوره في هذا الصراع الثقافي، هل يستحضر التاريخ ويستعين به لتأكيد خصوصية ملامحه أم يتحرك في مساحة من الانفتاح يخضع فيها مورثه الثقافي إلى رياح التغيير مستجيبا بذلك إلى خطاب العولمة الشمولي؟ من هنا لجأنا إلى تلخيص هذه الهواجس بسؤال واحد طرحناه على نخبة من المثقفين العراقيين: كيف تَقرأون الهوية الثقافية في زمن العولمة؟
هويّات متسرِّبة
الروائي حميد الربيعي بدا متشككا في مآلات العولمة، حتى أنه شبهها ببالوعة كبيرة تشفط كل شيء يتحرك في الشوارع والأزقة من دون أن تستطيع إعادة تدويره ثانية. وضمن مفهوم التدرج التاريخي في المسيرة الإنسانية فإن العولمة لن تكون المحصلة النهائية وإلا سنقرأ سلام الختام على البشرية وذلك بالعودة مرة ثانية إلى قانون الغاب الأولي. ويضيف الربيعي بأن العولمة لم تأت من فراغ، إنما فرضتها إرادات اقتصادية دولية وتدرجت من السوق المفتوحة إلى التجارة الحرة لتحويل العالم إلى قرية صغيرة عبر وسائل وأساليب كثيرة. ويصل في استنتاجه إلى ان الهويات ستكون متسربة في ثنايا هذه القرية الكبرى ولن يكون لها وجود من خلال تلاشي مفاهيم الأطر للثقافات المحلية كاللغة والتراث والتاريخ والجنس، لأن الاختلاط الذي تطلبه العولمة يقضي على هذه المفاهيم كما يحاصر الذات الإنسانية، فضلا عن ان انتشار ثقافة العولمة سيقودنا إلى عدم التمييز ما بين الثقافات المحلية بين هؤلاء وأولئك من المجاميع البشرية، بالتالي يتحول البشر إلى قوالب معبأة بمفاهيم جاهزة بدون أن تكون هناك خلفية تساعد على المقاربة أو المقارنة بثقافة أخرى، والنتيجة تعني إلغاء كل ما هو ذاتي أو محلي.
هويّات لا تسعى للطيران
يرى الشاعر بولص آدم أن الإساءة للهوية الثقافية في هذه المسألة تتمثل بالحصار الرجعي عليها، بحجة مقاومة الذوبان، وقبل أن يصل إلى هذه النتيجة يتساءل: هل هناك تكافؤ فرص وعدالة في توزيع هذه الفرص في الشرنقة الثقافية لتكتسي الحواضر بالحرير؟ ويجيب على تساؤله قائلا: إن خالق الوجه الثقافي له منجز يقصد الوصول والصول بصوته المعلن لحضوره واستعداده للتفاعل في كل العالم، فليكن من كان قد أعلن عن مشروع متجسد في عمل ثقافي فكري إنساني فهو أول من تمرد على الحواجز والتحكم. ويضيف أن فكرة الفني والتقني طموحة ومسافرة بل عاشقة للتماهي والتبادل بينها وبين الآخر البعيد قبل القريب. ثم يحاول آدم مرة أخرى أن يعيد قراءة الهوية الثقافية في إطار ما طرحناه من سؤال وذلك بطرحه عدة أسئلة: كيف للهوية الثقافية ان تنتعش وتتجدد وهي لا تسعى للطيران والتحليق بعيدا؟ هل القدرية عند بتهوفن ناتجة عن هوية تفهم القدر وتسميه تجريديا بصيغة مطابقة لسماتها وتوقعاتها الإنسانية فقط؟ في معرض إجابته على الأسئلة التي طرحها نجده يضمنها أسئلة أخرى إذ يقول: لنركز على شكل هوية أحوال مثقف مثلا، ألم تتغير تلك التي كانت قبل نصف قرن عنها الآن؟ شكل الورق والطبع والصورة الشخصية تغير، غير أننا نستطيع تمييزه رغم شكل هوية أحواله الجديدة فسماته ومميزاته حوفظ عليها. نحن نخشى ان يكون للحفاظ كنية حسنة ان تقابل بمكافئة رديئة من قبل الطرف المتصدي للعولمة بغية إشباع رغبات التحكم والسلطة والنفوذ بأشكالها الشاذة والغبية، فالانغلاق نتيجة لذلك والخوف عنوان تلك الهوية الثقافية. ثم يصل إلى نتيجة واضحة حول مفهوم الهوية الثقافية عندما يقر بأن مدنية اليوم دليل وعي وعمل حثيث على هوية ثقافية متجددة تساير العصر وتقرر ما تنتمي ولا تنتمي إليه بحس استقلالي شفاف وليس استغلالي كذاب. أعطني فرصةً فاذا لم أحصل عليها فساكون أول من يشك في كل شيء. لدي هوية ثقافية تعدَّنت بالصهر مع كل استقبال إيجابي تأسيسا على معدن الأرض التي أنجبتني، غدا ستكون عندي هوية جديدة جرى عليها تحسين طفيف وهكذا.
يوتوبيا المستقبَل
الناقد المسرحي عصمان فارس يجد في اعتناق العولمة الثقافية كظاهرة عالمية أمرا صعبا للغاية. لأننا نتحدث كثيرا عن التعددية الثقافية على المستوى الملموس والمحلي، وهو مفهوم قريب ولكن ليس متطابقًا بالشكل الذي تتطرق إليه العديد من النصوص في هذه القضية. ربما يمكن القول إن التعددية الثقافية هي المظهر الوطني للحركة الثقافية العالمية. ولأن متحدثنا يعيش منذ مدة طويلة لاجئا في السويد يتطرق إلى موضوع التعددية الثقافية في الدول الاسكندنافية، مفترضا أن ثقافة الأغلبية المحلية هي بطريقة ما سياق العولمة الثقافية. وفي ضوء ذلك، يرى أن التعددية الثقافية ليست مفهوما إشكاليا، بينما يتم استخدامه كمثال، فإنه يميل إلى التركيز على الآخر المهاجر. فإن العولمة الثقافية شيء يشعر المرء بسهولة بالتناقض تجاهه. من ناحية، يعد شكل من أشكال المجتمع الثقافي العالمي شرطا أساسيا وفرصة للقرية العالمية التي وعدت بها يوتوبيا للمستقبل، ومن ناحية أخرى فإن حنين الروح ينخرط، والشعور بأن هناك كنوزا تضيع إلى الأبد، واللغات التي تموت، والذكريات الجماعية والخبرات التي تتلاشى. الثقافة شيء يُحدِث الموت المستمر والولادة، لذلك فإن حدود البلد هو موطن الثقافة.
طائفيّة الثقافة
ويشير الروائي نوزت شمدين في إجابته إلى عمق التفتت الحاصل في الوعي الثقافي الجمعي لدى العراقيين حتى انه شبه العراق مثل مركب تتقاذفه أمواج الأزمات، لذا فلا شيء مستقر فيه وركَّابه الذين توزعوا مجموعاتٍ طائفية وقومية، راضين أو مرغمين، يحاول بعضهم وباستماتة مسك المساحة التي حصلوا عليها وعدم الرجوع ولا حتى خطوة واحدة إلى الوراء. بينما آخرون همهم الوحيد المحافظة على ما تبقى لديهم. هذا هو المشهد العام. ويعبر شمدين عن أسفه لأنه وجد الحال يتفاقم في بعض الأحيان عندما يلعب فيه المظلوم سابقاً دور الظالم حالياً وقد يتجاوزه بمراحل. قلة قليلة هم المؤمنون حقاً بالعراق بيتاً ومستقبلاً للجميع ويظهر ذلك جلياً في أقوالهم وأفعالهم، وإلا فأن الأغلبية تحمله شعاراً فقط، سرعان ما يلقون به أرضاً ويهرعون لتلبية نداء الطائفة او القومية، ويظهر ذلك جلياً في الانتخابات والكوارث الوطنية المتلاحقة. ويضيف معلقا على ما وصل إليه حال الثقافة في العراق فيقول، إن العراق هو البلد الوحيد في هذا الكوكب الذي ليس فيه عيد وطني يحتفل فيه الجميع وهذا يكفي لندرك حجم المأساة. وبالنسبة له فان الثقافة الوطنية حتى تحقق حضورها الفاعل فإنها تحتاج إلى إجماع حتى تسود لتغلب على الانتماءات والولاءات الضيقة التي تقاسم الساسة على أساسها كل شيء تقريباً في بلادنا بدءاً من الإنسان. يجب أن نفهم جيداً أننا بلا عراق مجرد نتف بشرية لا قيمة لنا في أي مكان آخر وأن متانة سقفه فوق رؤوسنا تعتمد علينا وعلى سعينا الدائم للبحث عن معززاتٍ لوحدتنا. وهذا الفهم العام يتطلب فضلاً عن الجهد الجمعي الشعبي اضطلاع مؤسسات الدولة لترسيخه فعلاً يومياً في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية. وفرصة ذلك قائمة إن قررنا فعلاً أننا أبناء وطن واحد.
الهويّة متغيّرة
من وجهة نظره يعلق المخرج المسرحي د. علي عبد الحسين إزاء الهوية الثقافية ويجدها متغيرة بالضرورة لأي شعب، كما انها لا تعرف الثبات ما ظل تاريخها يمر بمراحل من التحول والتغير اللذين ينتجان عن عوامل محلية وعالمية في آن. والهوية ليست كياناً ثابتاً مغلقاً على نفسه، وإنما هي كيان فعال، فاعل ومنفعل، وتتكون من عناصر ثابتة عميقة الجذور ضاربة في العمق التاريخي للأمة، وأخرى متغيرة لأنها مشروطة بالتأريخ المتحول بكل عملياته، أي العمليات التي تأتي من الخارج، متفاعلة مع العناصر الثابتة. ويضيف علي عبد الحسين أن الهوية لا يمكن أن توجد بمفردها من دون ثلة من النقائض والنوافي والأضداد. وان البعد الثقافي للعولمة لا يعدو أن يكون محاولة لوضع شعوب العالم في قوالب فكرية موحّدة. ويصل في رؤيته حول أهداف العولمة إزاء الهوية الثقافية فيجدها تسعى إلى سلخ الشعوب عن ثقافتها وموروثها الحضاري وبالتالي سلخ هويتها الثقافية، لأنها في قناعته ليست سوى نظام يقفز فوق حدود الدولة والأمة والوطن يعمل على إفراغ الهوية الجماعيّة للأمة من أي محتوى، ويدفع بها إلى التفتيت والتشتيت، وليربط الناس بعالم اللاوطن واللاأمة واللادولة. وبذلك تصبح العولمة فعل اغتصاب ثقافي وعدوان رمزي على سائر الهويات، أنها رديف الاختراق الذي يجري بالعنف المسلح بالتقانة- فيهدر سيادة الثقافة في سائر المجتمعات التي تبلغها عملية العولمة.
سؤال شائك
الشاعر محمود جمعة اعتبر السؤال شائكا، والإجابةُ عنه تتطلّب إحاطةً بجوانب كثيرة، من التاريخ والسياسة والدّين والأنثروبولوجيا. لكنْه يستدرك ويجد ان بالامكان الرجوعُ إلى مصطلح (العولمة) الذي بموجبه أصبحَ العالمُ قريةً صغيرةً، وهذا أثّر على العقل العربيّ بصورةٍ مُباشرةٍ، فجعله يتنازلُ عن قناعاته الشخصيّة المتعلّقةِ بالتصاقه بالأرض، والأمرُ الأهمّ من ذلك بالنسبة لجمعة ان الحديث عن ثقافةٍ وطنيّة بات غيرَ ممكن مع شيوع محوُ فكرة الوطن، وإبدالُها بمفهوم الطائفة، لا سيما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، فانبرتِ الطوائفُ مُحاوِلةً انتزاعَ التاريخ من سياقاته المعرفيّة بما يعزّز أحقيّتها في السلطة، فضلاً عن ذلك فإنّ الدول العربية محكومٌة بحُكّامٍ، لم يحافظوا على أوطانهم سواء التي هي أفكار في الأذهان، أو حقائق جغرافيّة على التراب.
ثقافة نكوصيّة
الناقد الاكاديمي د. قيس عمر وضع مسؤولية ما آلت إليه حال الثقافة على عاتق الثقافة الإبدالية بعناوينها الطائفية والقومية، لأنها عملت على تشكيل ثقافة نكوصية/تاريخية- أسطورية، وإذا ما حاولنا البحث عن الثقافة الوطنية التي تسعى لها الأيديولوجيات السياسية المنعتقة من الخطاب الطائفي أو القبلي سنجد تجربة الحزب الشيوعي- عربيا- مثلا لا تختلف كثيرا عن الثقافة السائدة، فمحاولة الهيمنة على المنابر الثقافية والإعلامية وتكريس ثقافة تاريخية ثبت فشلها التاريخي أمام الرأسمالية لا يمكن عده إلا في هذا السياق. وأضاف أن التحالف الهش بين هذه المكونات الإبدالية قد عمل على ضرب لحظة التنوير. فبعد احتلال العراق تغول الخطاب الطائفي، وفتح الباب أمام مشروع نكوصي جديد أطاح بمفهوم “الدولة الوطنية” لتتبعها مفاهيم “الثقافة الوطنية” وإذا ما أردنا تشكيل ثقافة وطنية ينبغي ترصين دعامات الفكر الحر، وأن يكون الهرم فيها هو الأيمان بالمواطنة القطرية ومن ثم الكونية العابرة للجغرافيا والتي تؤمن بالتجربة الإنسانية.