الدخول الثقافي

حجم الخط
1

اعتاد الصحافيون في مثل هذا الوقت من السنة طرح أسئلتهم على بعض المثقفين حول . لكنهم توقفوا عن ذلك بعد أن تبين لهم من خلال الإجابات التي كانوا يتلقونها مدموغة بما يشهده الواقع الملموس ألا وجود لشيء اسمه « » في عاداتنا وتقاليدنا. وأن مجاراة فرنسا، وغيرها، في الحديث عن هو ضرب من العبث لا طائل وراءه.
إن دخولا آخر في هذا الشهر يمكننا الحديث عنه هو «الدخول المدرسي». وحتى هذا الدخول يمكننا أن نسلب عنه هذه السمة، لأنه بالأحرى «رجوع» إلى مدرسة ظلت على حالها، ولم يتغير فيها شيء. إن «الدخول» بالمعنى الذي أعطي للثقافي يعني الجدة والتطور. لكننا نجد الجدة والتطور لدى أصحاب الدخول الحقيقي، وهو «الدخول المالي» الذي يترافق مع الرجوع المدرسي.
فالمكتبات وبعض أروقة المساحات التجارية الكبرى، لا تقدم سوى الدفاتر والمطبوعات المدرسية التي تفرغت لها المطابع الكبرى قبل نهاية الموسم الدراسي مغلقة الباب أمام طبع أي منشور أو كتاب لا علاقة له بالرجوع المدرسي.
والمدارس الخاصة من الروض إلى الأقسام التحضيرية، هي التي تمارس الدخول بامتياز: فسياراتها تجوب الشوارع، ومنشورات الإعلان تتقاذفها الأيادي، أو توضع في صناديق الرسائل، أو تحت الأبواب…
وأمام المكتبات عليك أن تتحمل الازدحام، وأي مبلغ تصدره لك الآلة الحاسبة، عليك أن تدفعه بفرح لأنك نجحت في الحصول على الدفاتر والكتب. وقل الشيء نفسه عن المدرسة الخاصة: فإذا أفلحت في التسجيل فهذا مكسب صار بعيد المنال. ولا شك أنك دفعت قبل التسجيل رسوم «المقابلة» و»الانتقاء» وأن عليك الآن دفع رسوم التأمين، والتسجيل، واستحقاقات الشهر
ليس عندنا من دخول غير الدخول المالي، متصلا بالرجوع المدرسي. أما الدول المتقدمة فالدخول المدرسي لديها مترابط مع . ولذلك نجد هذا الشهر مناسبة ثقافية يحس فيها الجميع بأنه أمام حدث يُنتظر: . فدور النشر تعرض جديد الكتب لديها، ووسائط الإعلام تتابع الفعاليات والأنشطة التي تقام بالمناسبة: ندوات، ملتقيات، عروض مسرحية وموسيقية، وتوازي الدخول المدرسي والجامعي مع يعني أن العلاقات متينة بين المدرسة والثقافة، وأن كل واحدة منهما في خدمة الأخرى.
عندما يتوازى «الرجوع المدرسي» مع «الدخول المالي» لأرباب المطابع والمكتبات وأصحاب المدارس الخاصة، ويغيب « »، ماذا ينتظر من المدرسة أن تكون؟ ومن الثقافة أن تصير؟
مع ذلك يمكننا الحديث عن الثقافة وعن في تقاليدنا، لكن في زمان غير الزمان الذي يقرن به في الغرب. سنسمي الزمان الذي «ندخل» فيه إلى الثقافة و»نمارسها»، بـ «ثقافة الرمضاء»، ويمكن تحديدها في لحظتين: «ثقافة رمضان» و»ثقافة الصيف». تتصل الرمضاء بشدة الحر. ومنها جاء المعنى الأصلي لرمضان، ثم صار له معنى رمزي مع الصيام، وزمان الصيف.
في رمضان تنشط الفضائيات، وتقدم لنا حصيلة ما أنتجته من برامج ومسلسلات، تغطي الشهر يوميا. وتقدم الجرائد أبوابا وحلقات تليق بالشهر الفضيل. ويمكن قول الشيء نفسه عن ثقافة الصيف التي تقدم فيها بعض الجرائد مواد تغطي الصيف كله من خلال عرض كتب، أو أبواب خاصة… هذا بالإضافة إلى المهرجانات والمواسم التي تنفرد بها بعض المدن أو القرى، والتي لا تعقد إلا في الصيف، مع رجوع المهاجرين، وتنشيطا للسياحة.
ما تشترك فيه ثقافة الرمضاء، سواء في رمضان أو الصيف، هو أنها ثقافة السمر والسهر، والليل طويل؟ إنها ثقافة الترفيه وتزجية الوقت. إنها ثقافة «القصارة»، ومعناها «تقصير» الزمان حتى لا نحس بوطأته. إنها ثقافة «مقاومة الزمن». ولذلك لا نجد لهذه الثقافة أي أثر في تحول المجتمع أو تطوره. فلا مجال فيها للحوار ولا للتفاعل أو لممارسة النقد والنقد الذاتي. إنها إنتاج أي شيء، ما دام هناك اعتقاد لدى من يسهم في هذا الإنتاج «الثقافي والفني» أن هذا سيرضي الجمهور. ورضا الجمهور، هو قياس نجاح الفن والثقافة. وما يرضي الجمهور هو ما يتصل بالضحك والفكاهة. إنها ثقافة الهزل.
ليس الهزل عيبا أو نقيصة بل هو ضروري ومفيد. لكن حين تهيمن ثقافة الهزل، وتقل ثقافة الجد، هنا يبدو النقصان، ويصبح ما قد يبدو مفيدا غير مفيد، لأنه سيبين أن ذلك لم يكن سوى ضياع للوقت ولا يمكن أن تكون له أي مردودية على متلقي هذا الإنتاج، ولا داعي للحديث عن المردودية المالية لصاحب الإنتاج
إن ثقافة الرمضاء مهمة على مستويات. لكن حين لا تواكبها ثقافة أخرى يمكن أن «ندخل» إليها من باب الجد، وتكون ليس للهروب من الزمن، ولكن من أجل الفعل فيه. وتكون، تبعا لذلك، مرتبطة بالمدرسة والجامعة وبالإنسان والمستقبل، فتلك بداية التحول ليكون عندنا «دخول ثقافي» يؤسس لتقاليد ثقافية جديدة ذات بعد حضاري وإنساني. وإذا لم يحصل ذلك، ولم يتم التفكير فيه، سيكون لنا أبدا، في مثل هذا الشهر، رجوع مدرسي، يوازيه دخول مالي، ولكن بدون أي مضمون ثقافي، وتلك هي الرمضاء الكبرى.

سعيد يقطين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية