لكَ ذكرى في هذا اليوم لا دليل عليها سوى حضورك في مكانين، فلتنزل عن نخيلك معنا نحو أرضك المسكونة بالنداء والمسكونة بجرار غدك الشخصي الذي خرج من ماضيك ليسكن ذاكرة الجميع». لك ذكرى في هذا اليوم المعلق فوق وداع يدفع الماضي ليتقدم بخجل ليفتح غرف المديح على كل الجهات التي أتيت منها. وبهاجس البحث عن أسباب الحياة سألت في زيارتك الأخيرة ابن أخيك عن أسباب التقاطه للصور الكثيرة، كأنك مستعدٌ لوداع لا لقاء بعده، وكأنك تجمع ما لديك من حنين شخصي لمواجهة موتك المراوغ بنصب فخاخه في كلامك الذي لم تقلهُ عن موعد أجلتهُ وأجلك مع الموت. وبعيون رفضت التلفت نحو عتبات البيت، وبأقدام ثابتة اتجهت نحو السيارة التي ستعلن بحركتها انتقالك من أرضك الوثنية نحو مدينة هيوستن، حيث سماؤك المدربة لاحتضان ألفة الموت باستحياء يلعن انكسار الواقع أمام حتمية الرحيل.
ولتسمح لي أن أرثيك بدون أن أراك حاضراً في مكانين، مكان دربت فيه اللغة على انتشال التجربة من أرض النكبة ومكان أبيض الصفات ترشد فيه الغزالة نحو أهلها، وبما يليق بك أفتح أقاليم القلب كلها لاستقبال غزوات الفتن التي دربتها بنفسك على تذكر ما نسي حاملو الجرار من صوتهم حول ينابيع أرضك الأولى، وما نسي الزيتون من ظل قرب بئر بيتك القديم قبل رحيل أهلك. وكأن سماءك تمطر الآن بتواطؤ يوحي بامتنان قادر على تهذيبنا في غيابك، وقادر على استعلاء ضروري أمام هاوية نسبنا إليها عجزنا بالوصول إليك. فأنتَ الحاضر والغائب في الوقت ذاته، وأنت رمز التضادّ بين العودة والرحيل، كأنك واحدٌ منا وعلينا، تفتح من أمامنا تاريخ فلسطين وتأخذنا من أيدينا نحو أول البحر.
وها أنا أعبر عن حسرتي في كلامك الذي لم تقلهُ حول أيدٍ تلوّح في الريح وتبشر بارتفاع نشوة الجرح لمرتبة التقديس، وأبكي لأن حياة الخيبة التي دربتها على امتصاص الألم تستحق البكاء، وتستحق منا جميعاً أن نتعلم كيف حولت الهزيمة إلى شاعرية تغري المنتصر بالتسلل نحو خيامنا المستسلمة لنشوة العزاء، وأبكي بكل ما في البكاء من صفات عندما فرحت بجمهور دمشق لأنهُ أغلبهُ من الشباب، واليوم درّبتْهُ الحرب على كل الحرمان فبعضهُ مات وبعضهُ مفقود وبعضهُ مُعلّقٌ في المعتقلات.
في جسدك آثار حرب وحولك ألف حصار وفيكَ ألف مدينة ونكبة، ومازلت قادراً على النهوض بقصيدة لتصف موتنا المعلق على حبال الغسيل في المخيمات.
فكيف لم تطِل خطابك المحمول شرق جهتك التي أجبرك العدو فيها على الرحيل، فآثرت معنا الوقوف فوق سفوح صدقنا أنها مرتفعة فقط لأنك أطلت النظر نحوها في فيلم تلفزيوني لتصف أرض قصيدتك بعبارات مستعدة لتفتُّح وردةٍ أخرى.
والآن وعلى عتبات بياضٍ يرميه الموت على عجل، تحضر قهوتك الشخصية وتتمدد على عشب أزلي لتختبر سلامة البصيرة بعد هذا الموت، عارياً من الاستعارة والتشبيه، ولا تكتب لنا رسائلك المبنية على سؤال الوجود، فمنذ أن دربت الخلود على مهنة انتظار العائدين من الحياة وأنت تسكن ماضيك المتروك حول حيفا ورام الله والبروة والجليل. في جسدك آثار حرب وحولك ألف حصار وفيكَ ألف مدينة ونكبة، ومازلت قادراً على النهوض بقصيدة لتصف موتنا المعلق على حبال الغسيل في المخيمات.
ولا أدري بأي الأسماء تنادى الآن، ولكنني واثق من شغف حماية غدك الشخصي من الخداع، ومن فقه الوليد الذي اعتليت به عرش تجربتك الشعرية عندما امتلأت بهوس المهجر لدخول قصر الأميرة المحصنة بالحراس المتدربين على اليقظة، ولا أدري أي الكتب تقرأ الآن فمنذ أن دربت الكلمة على انتعال لغة الملاحم وعلى حماية ورد ساحات المعارك وأنت تبحث عن الهندي الأحمر فينا وتأخذ من طروادة صفاتها لتجد شاعرها. والآن.. لا أعلم إن كنت بيننا أم ما زلت على دروب أريحا تمزج الحناء برائحتها لتحفظ الكلام من السقوط الشهي في الادعاء، وكأنك تنوي أن تعيد للحرف مكانه الجغرافي قرب تلة تعطي الغافي صفة النسيان حينما عرفتَ أنت والمسيح إغواء الشيطان لتنجوا معاً وتعودا إلينا أنبياء، ولو كنتُ أكتب قصيدة لقلت أنت مضارع العشاق الذي يحضر دائماً وأنت وطأة الخرافة على حساب الغياب الضروري، كأنك بيننا تقول لنا ما يجب وتكرّر لنا ما كان، وتحذرنا جميعاً بالابتعاد عن حفلة الخطأ التي تقودنا للنسيان، في أكثر من موعد وأكثر من مكان .