جنان مكي: “فصول الهجرة اللامتناهية” نهاية لقصة سردتها على مراحل بالحديد والبرونز والخشب

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”:  أفرغت الفنانة جنان مكي باشو شحنة الألم التي تراكمت في داخلها تباعاً منذ نكبة فلسطين في معرض حمل عنوان “فصول الهجرة اللامتناهية”. تنفست الصعداء عندما وضعت شخوصها المحملين بالجراح والحقائب والبقج أمام الجمهور، ونامت بعمق. تركت شخوصها المصنوعة من خردة السيارات، مع أطفالهم وحقائبهم وانكسارات مناكبهم يوزعون مرارة الزمن العربي على الجمهور، لترتاح وتبدأ البحث عن موضوع جديد.

في غاليري “أجيال” يستمر معرض جنان مكي إلى 31 الجاري، ويتألف من هجرة محفورة على الخشب، أو مصبوبة بالبرونز، ومن تماثيل صغيرة صممت من خردة السيارات المرمية، شكلت قافلة المهاجرين قصراً. أما قافلة الأغنام التي يقودها من الأمام، الوسط والخلف رجال دين وسياسة فكانت ختام العمل وهي من البرونز. أغنام تسير من دون اعتراض، إلاّ واحدة أدارت وجهها في الإتجاه المعاكس.

مع الفنانة هذا الحوار:

*يقول معرض “فصول الهجرة اللامتناهية” أن الفن مرآة المجتمع. هل حفر الواقع بعمق في نفسك؟

**بالطبع. هذا المعرض هو تكملة للمعرض الذي سبقه سنة 2016 والذي حمل عنوان “حضارة”. شعرت وكأنني حيال رواية من فصلين أكتب فيها أفكاري وأجسد الواقع. بدأت الأفكار تتراكم مع تزايد أعداد اللاجئين عبر البواخر في البحر المتوسط، وتعرضهم للغرق والموت. كذلك ما تعرض له الناس في المناطق التي سيطر عليها “داعش”. لم يخطر في بالي يوماً أننا في القرن الـ21 سنتعرض مجدداً للغزو. لا أعرف أي غزو هو تتري، صليبي أم مغولي. الموضوع مؤلم ومرير. المقربون مني قالوا لي “شو بدِك بها الشغل يكفي أننا نعيشه فلماذا تخلدين ممارسات شنيعة بحق الإنسانية”؟ نحن نتألم مما نعيشه. نتألم من أفكار ظلامية سيطرت على مناطق كبيرة من بلادنا العربية، ودور الفنان أن يجسد ما يؤلمه. لهذا أخذ معرضي السابق عنوان “حضارة” التهكمي في المضمون.

*هل هذا ما رأيتيه من الوطن العربي؟ أليس في الأفق فسحة أمل؟

**للأسف نعم هذا ما رأيته. في صغري شهدت تهجير الشعب الفلسطيني من وطنه. وخلال الحرب الأهلية في لبنان عشنا هجرات كثيرة. حملت أطفالي الأربعة خلال الحرب من مكان لآخر حتى وصلنا إلى فرنسا. عندما استقرّ الوضع نسبياً عدنا، ولكن العائلة بأجمعها الآن في الولايات المتحدة. لم يخطر في بالي أن الوضع سيكون أسوأ، ويتحول إلى كارثي مع الربيع العربي. مع هذا الربيع جاءت الخيبة. وتسألينني عن فسحة الأمل؟

*تشعرينها خيبة شخصية؟

**بل عامة. نوايا دولية مبيتة ومجرمة تُعد لبلداننا وشعوبنا، وما من أحد يقف لها بالمرصاد.

*البشر هم موضوع المعرض مراراتهم ظهرت على مناكبهم المثقلة وشعرنا بها. انتقال المرارة إلى الجمهور يعني النجاح؟

**أنا إنسان يعيش ويشعر مع الناس. شخصياً آلمتني الحياة بقسوتها على البشر. كفنانة جرّبت تجسيد ما نعيشه من مرارة للأجيال المقبلة، وكذلك للناس الذين لا يهتمون بما يدور حولهم من خراب، بل بعضهم يتعامل مع الأعداء لتدمير الوطن العربي.

*هل من نقطة مفصلية في حياتك كإنسانة أفضت إلى هذا التعبير الفني؟

**هو الغزو الصهيوني للبنان وبيروت تحديداً. خلاله دُمّر منزلي الذي لم أعرفه حين زرته بعد هزيمة المحتلين وانسحابهم. جلت فيه وكان خراباً، وحدها شظايا القذائف الصهيونية كانت تلمع تحت ضوء الشمس لفتتني. عدت إلى المنزل مرات متعددة، ورحت ألملم تلك الشظايا. ومن حينها بدأت عملي الفني مع الحديد. وكنت دائماً أتساءل عن تلك الأسلحة الفتاكة. أردت القول إن الأدوات الفتاكة التي استهدفت قتلنا وتدمير مجتمعنا مكنتني من استعمالها واستخدامها بغاية أخرى.

*وماذا صنعت من تلك الشظايا؟

**كان ذلك سنة 1983 بعد جمع الشظايا من المنزل، ومساعدة آخرين في جمع بعض ما خلفها العدوان الصهيوني على بيروت، بدأت التلحيم. تحديت في عملي هذا آلة الموت، ووجدت نفسي أنتصر على العدو بأسلوبي الخاص. وصنعت منه شجيرات أرز.

*هل كان التعامل مع الحديد والبرونز اختياراً؟

**أبداً. هم من جاؤوا حتى بابي. الحديد بارد ويمثل الموت، لكني أعطيته حياة أخرى في تعاملي معه. عندما تعاملت مع شظايا الاجتياح الصهيوني وحين كنت أجمعها بعضها للآخر لتحقيق فكرتي، كانت النار تتصاعد من آلة التلحيم، وكان يخالجني شعور بأني أكوي وأشوي أعدائي. نفسي الفني قصصي. القصة خُتمت عندي مع معرض “فصول الهجرة اللامتناهية”. الآن أشعر بالراحة بعد عذاب لخمس سنوات. تألمت كثيراً جسدياً، فكرياً وذهنياً. كنت في بحث عن كيفية تجسيد أفكاري ومدها بالإحساس. فالإحساس هو الذي يميز العمل الفني.

*هل ينتهي الألم عندما يصبح العمل الفني ملكاً للجمهور؟

**صراحة ختمت ألمي مع نهاية آخر خروف في سيرة قافلة الطوائف. الأغنام تمثل الشعب ومعها رجال السياسة الديكتاتوريين ورجال الدين.

*ألم تخشي من شكوى قضائية ضدك خاصة من رجال الدين؟

**أبداً مع أني أنظر لما حصل مؤخراً في لبنان بشأن فرقة فنية موسيقية وكأننا حيال حكم صليبي.

*لماذا خرج فرد من القطيع في الإتجاه المعاكس؟

**خروف يمثلني. هو أنا المتمردة. والهدف الحث على التمرد خاصة الأجيال الصاعدة. المطلوب متابعة الرسالة من قبل آخرين. واقعنا الطائفي بشع وحقيقته مرّة، لهذا جسدته بهذا الشكل علنا نعي ضرورة التمرد على هذا الواقع بحثاً عن مستقبل مشرق. هل هو منطقي أن أعاصر العائلات السياسية نفسها، مضافاً إليها الصهر وابن الأخت وهلم جراً؟

*لماذا اللون البرتقالي؟ ولماذا الألوان على لوحات الخشب؟

**أجمع الحديد من محلات الخردة وأجد أكثره ملوناً بألوان السيارات المحطمة من أزرق، برتقالي، أحمر وغيره. اختار الملون كي لا يكون الحديد بارداً بدون لون. لدى التلحيم يذوب اللون إما كلياً أو جزئياً. وبفعل الحرارة تتحول الألوان، قد يصبح الفضي ذهبيا أو رماديا. إذاً الصدفة لعبت دورها في الألوان الموجودة في المعرض. وعندما كنت بصدد العمل على الخشب كنت أحتاج لألوان الماء للحفاظ على لون الخشب. بدأت بتلوين الحقائب لإظهار الرحيل والهجرة بوضوح. خطر لي تلوين الأطفال، لكن وجود بعضهم على الأكتاف أو على الأذرع، أو يمشون ممسكين بيد الأهل حال دون تنفيذ الفكرة، واستعضت عنها بتلوين الحقائب. ولونت قليلاً الأشخاص بهدف كسر برودة الحديد، وبحيث يعطي اللون حتى وإن اختلف عن الآخر الإيحاء نفسه. فالهاربون من جحيم الحروب لن تكوني ملابسهم مبهرجة الألوان، بل باهتة ومشابهة لما بقي على الحديد بعد أثر الحرارة.  فكرتي الأساسية أن تكون الخشبيات جدارية، وكذلك البرونز، لكن غاليري “أجيال” اعتمد عرضها متفرقة.

*هل الرمل الظاهر في لوحات الخشب يعود للصحراء أم للبحر الذي يبتلع الكثير من المهاجرين؟

**أترك للجمهور قراءته الخاصة لكل عمل في المعرض. قد يكون الرمل كثباناً في الصحراء، أو أخاديد تركتها الأمواج على رمل البحر. وقد تكونا ندوباً من جراح البشر. التأويل في الفن يعود لفكر ونظر كل شخص منفرداً عن الآخر. تركت قراءة تلك اللوحات مفتوحة وكأنها أمواج أو رمال، نتوءات أو جراح.

*خلال العمل هل تختلف مشاعرك حيال الخشب أو البرونز؟

**رغبت في وجود لوحات برونزية على الجدران إلى جانب وجوده في بعض التماثيل. لكن التفاعل الأساسي يبقى مع الخشب. هو عمل يحتاج لحفر ونفس طويل.

*لماذا يشعرنا الرحيل على لوحة الخشب بوجع أقل منه على لوحة البرونز؟

**صحيح. الحديد قاس، ولا يزال الخشب أسلس وأنعم وأكثر قرباً منا. الحديد فتّاك. رغبت في تجسيد الهجرة والرحيل بالمواد كافة، مما يمنح الموضوع أبعاداً وغنى بين خشب، برونز وحديد. العمل بالحديد يؤدي لتعب كبير، لكنه يزيدني قوة، ويتركني أكتسب مهارات ومرارة معاً.

*ماذا عن أشجار الأرز التي صنعتها من بقايا العدوان الصهيوني؟

**صنعت الكثير منها وجميعها كانت مطلوبة من قبل مقتنين وراغبين في مثل تلك الأعمال.

*في رأيك إلى متى تستمر مواسم الهجرة في بلادنا والبشر الذين يولون ظهورهم للوطن؟

**مواسم الهجرة قائمة من قبل التاريخ. لكنها تنامت بقوة في بلداننا العربية في القرنين الماضيين. للهجرة أثرها سواء في أماكن الترك أو اللجوء. مثلاً المهاجرون إلى الولايات المتحدة الأمريكية هم من ساهموا في ازدهارها وثرائها.

*ما هو مشروعك المقبل؟

**حين قدمت معرض “حضارة” طُرح السؤال عليَ، كنت أعرف أنني بصدد إكمال المشروع نفسه أي الرحيل. بعد إ.نجاز الأغنام تركت خروفاً معاكساً كفسحة أمل. لكن بيني وبينك يئست من هذا الخطاب العربي، والخطاب اللبناني تحديداً. في السنوات الأخيرة زرت مصر والكثير من الدول العربية غير الخليج الذي هو عالم آخر، قلبي يحترق على سوريا والعراق اللذان يحفران في وجداني، وأعرفهما مدينة مدينة وزرت كافة المتاحف. لا يُصدق عقلي ما حدث للموصل، ومتحف بغداد ودمار سوريا بكاملها. ولهذا اعتمدت في معرضي سنة 2016 عنوان “حضارة”. فهل الحضارة دمار وخراب؟ لهذا لا أعرف مشروعي المقبل.

*أخيراً؟

**أتمنى لو يتم استيعاب فكرة المعرض، وبخاصة من قبل الشباب رغم تشاؤمي منهم عرباً أو لبنانيين. أراهم أكثر اهتماماً بالرقص والسهر من الاهتمام بمستقبلهم، والجميع راغب في الرحيل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية