من تحت الظلال

حجم الخط
2

حتى في الغرب تعتقد المرأة أن بدايات النساء الكاتبات ليست بالأمر المهم، وأن المرأة لم تبلغ مرتبة مهمة في ممارسة الكتابة وإعطاء شرعية لنصوصها إلا في أواخر القرن الماضي، تحديدا منذ منتصف السبعينيات، حيث قاتلت النّسويات بشراسة لأخذ أماكنهن بين الصفوف الذكورية.
وإن عدنا لكثير من الدراسات التي تناولت الموضوع من بابه الأكاديمي سنكتشف بسهولة أن نتاج المرأة لاقى الكثير من التّعثر قبل أن يبلغ المرحلة التي بلغها اليوم، مرحلة الاحتفاء بنصوص نسائية (وليس نسوية) واعتبارهن جزءا لا يتجزأ من النتاج الأدبي بدون تمييزه عن النتاج المكتوب من طرف الرجال. نكتشف من خلال الحديث عن أدب النساء الجريمة التي ارتكبت ضدهن بحرمانهن من التعليم، فكل نتاج أدبي تسبقه بالضرورة نهضة تعليمية حقيقية، لهذا ارتبطت الثقافات الكتابية كلها بها.
لقد كانت المرأة الكائن الذي يهتم بالأعمال المنزلية، إلى أن قلبت الحروب الاتزان الطبيعي للمجتمعات، فأصبح لزاما على المـــــرأة أن تعــــيل نفسها بعـــد أن فقدت المعيـــل الأساسي لها (أبا أو أخا أو زوجا) وكان اقتحام الحياة العملـــية حرب أخرى ستخوضها المرأة أمام أرباب العــــمل الجشعين، ستضطر لتعلم القراءة والكتابة والحساب، وتعلم النصوص القانونية التي تحفظ لها حقوقها، وممارسة أعمال لم تخطر على بال نساء الأجيال السابقة.. كان لزاما عليها أن تتقاسم تجربتها مع نساء أخريات، من أجل النهوض لا كنساء مستقلات فقط، بل كأمهات وسيدات مسؤولات عن عائلات بأكملها. هكذا تجبرنا العودة لتاريخ الأدب النسائي إلى قراءة مرحلة مهمة من تاريخ الإنسان، إذ ليس سهلا فهم الصعوبات التي واجهتها النساء الكاتبات، والنجاحات التي حققنها بدون التمعن العادل في التاريخ المشترك للمرأة والرجل خلال مفاصل مهمة من التاريخ البشري.
مرحلة الخروج من تحت الظلال كانت ربما أكبر مرحلة شهدها تطور الأقلام النسائية، فقد استمر خمسة قرون على الأقل، منذ بدأ صراع أرامل الحروب مع الزوجات المحميات من طرف أزواجهن، يأخذ صبغة أخرى غير الاقتتال على زوج تشترك فيه عدة نساء من أجل ضمان حقهن في العيش، وممارسة الجنس، بدون ملاحقات اجتماعية مغلفة بأكثر من صبغة. فإلى فترة قريبة من القرن العشرين كان الحصول على زوج هو كل ما يلزم المرأة لتحقيق ذاتها. نتحدث هنا عن المجتمع الأوروبي وليس عن مجتمعاتنا العربية، ولنقس تلك الفترة الطويلة والثقيلة على صفحات التاريخ، وهي تفرد تجربة مهمة لكاتبة نسيها العالم اليوم تماما هي، ماري دي غورناي، التي عاشت أواسط القرن السادس عشر، إلى سلمى لاغرلوف أول امرأة نالت جائزة نوبل للأدب، إلى توني موريسون أول كاتبة سوداء تنال الجائزة نفسها، لنكتشف هول وضخامة تلك الفترة، إنها مهولة بحجمها الزمني، ونسبة النساء اللواتي عشن فيها تحت الظلال، بدون أن يطالهن ضوء العالم المرئي.
لم يكن المشهد الأدبي الأوروبي يعج بالنساء، كما قد نتخيل، فالنصوص الأدبية تكشف نوعية الحياة في القصور والطبقات البورجوازية الفخمة، والفروق الصارخة بينها وبين نساء الطبقات الفقيرة اللاتي يعملن بدون هوادة لتلبية حاجات أزواجهن المقهورين المسحوقين وأولادهن، بما تحمله تلك الفروق المرعبة من هوة إنسانية، بين طبقة تتسلى بالنمائم وقتل الوقت بحبك القصص حول بعضها بعضا، وطبقة تكتفي بالبقاء على قيد الحياة في ظروف صعبة. حتى صورة المرأة الملهمة لم تشفع لها لتأخذ مكانة محترمة بين أفراد المجتمع، إنها المرأة التي تعيش تحت الظلال أيضا، بعيدا عن أضواء تحرقها وتحرق مفعولها على الكاتب الذي يستمد منها قوته.

بعد استرجاع دور القارئ لم تعد مسألة الكتابة في المؤنث موجهة للمرأة، ولم يعد النص يطرح نفسه كمعطى مؤنث أو مذكر، بل كفعل ناقد استكشافي للغة والمعنى، بشكل يتساوى تماما في التعاطي بين النصوص.

يجعلنا هذا الأمر نأخذ مسارا آخر في حديثنا، بتناول عقدة «الجندر» في المشهد الأدبي العالمي، فالإحصائيات الغربية في بلدان كثيرة تعطي رقما يقترب من الـ30% من النتاج الأدبي النسائي من مجمل ما ينتجه الكتاب. ومسألة الأرقام هذه تبقى نسبية، لكنها لا تبلغ مستوى التساوي بين الجنسين، من خلال الموجود الآن، بل إنها لا تبلغ الـ25% في مجالي المسرح والسينما بما أن كليهما يقوم على قاعدة النص المكتوب.
علينا بعد هذا العرض المقتضب لوضع عشناه ونعيشه، أن نتذكر أن أغلب التاريخ كان مادة شفهية، تناقلتها الأجيال، بدون أن تصمد أمام المؤثرات القوية على الذاكرة العامة، بالتالي فإن ما هو خارج الكتب أكثر بكثير مما أخبرتنا به.. إنّ الذي يحدث عادة بعد دخول ساحة الضوء الأدبية، بعد أن تصبح المرأة عنصرا فيه، هو فرض المتاهة القديمة لقوانينها عليها، وأول قاعدة إيجاد راع لها، وهو ما يقابله في منظومة القرون الغابرة (الزوج). فإمّا أن تحظى بناشر جيد، أو إعلامي من موقع مهم يدعمها أو كاتب يطويها تحت جناحيه، أو تمشي الطريق بكل فخاخه بحذر وصبر كبيرين، قبل أن تحقق ذاتها في مرحلة متأخرة من عمرها، ومن يقول غير ذلك فإنما لمجرّد التمويه. فنحن نعرف جيدا أن عالم الكتاب والشعراء ورجال الثقافة عالم ذكوري بامتياز، ولا تزال قوانين الذكورة تسيره، بشكله البدائي رغم الغطاء البرّاق الذي يستعرض به نفسه.
وإن كان هذا الموضوع حساسا جدا، ويبقى من الموضوعات الشفهية التي لا تدخل الكتب خاصة العربية منها، فإنه حتما متداول في السر، وما فضيحة «تحرش نوبل» التي دوّت في العالم كله منذ سنة، سوى القطرة التي أفاضت الكأس، والتي أزاحت الغطاء عن قمة الهرم «المحترم»، وليست بالحادثة الاستثنائية بين أهــل الأدب والشعر والثقـــافة عموما.. يبقى أن ننظر إلى النص الذي تكتبه المرأة من منظـــور نظــرية القـــراءة، ونضـــعه في ميزان القارئ خـــارج أســوار النقد الكلاســـيكي، الذي قلل من حجمه في فترات سابقة، وعلينا بكثير من الامتنان أن نعيد قراءة نصوص سابقة صدرت حين كان القارئ بلا وزن أمام جهابذة النقد الأكاديمي الخارج من القلاع الجامعية بشرعية ناسفة لأي رأي آخر.
بعد استرجاع دور القارئ لم تعد مسألة الكتابة في المؤنث موجهة للمرأة، ولم يعد النص يطرح نفسه كمعطى مؤنث أو مذكر، بل كفعل ناقد استكشافي للغة والمعنى، بشكل يتساوى تماما في التعاطي بين النصوص.
وقد مثلت هذه الإزاحة بالذات الفائدة الأكثر قيمة لنصوص النساء، باعتبارها أولا وأخيرا «حقلا معرفيا» لا جدال فيه، مع الإشارة إلى أنه لم يسقط عنها الأنوثة كجوهر، لكنه أزاح «علامة المؤنث» أو علامة «الجنس» واحتفظ بتأثيرات الكلام واللغة من خلال إشكالية النص، وليس من خلال البحث عن المرأة فيه. هذه الإزاحة المهمة أنتجت أيضا كاتبات وكتّابا من نمط آخر، أعتبرهم أكثر فئة حداثية اليوم، وهي التي ستكون سيدة المشهد المقبل، بتجريد النص من شوائب أخرى علقت بالنتاج الأدبي طويلا، وبالأخذ بمفهوم الكتابة الأنثوية التي لها قيمة معرفية، وبالمرأة والرجل ككائِنَين نصِّيْين يقدمان عملا ذا مغزى.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية