عجيب هو الإعلام في الجزائر والتليفزيون خصوصا، فرغم أن القنوات الفضائية في جميع دول العالم تنهل برامجها وأخبارها الرئيسية من واقعها، إلا أن هذه القاعدة لا تمر من هنا. ففي الوقت الذي نحتاج فيه لقانون يحمي البشر وحقوقهم وحريتهم وحقهم في العيش الكريم تزداد الجرائم البشعة عشية وأيام عيد الأضحى، جرائم توضح إلى أي مدى يفقد الإنسان آدميته وأنسه بالبشر الآخرين ومحاورتهم والعيش بالقرب من سابع جار، الذي كاد أن يورث.
في وقت أصبح الذبح طيعا للخرفان البشرية الصغيرة الغضة المريضة، بعد خبر كهل أعالي العاصمة، الذي انقض على الطفل ريان المصاب بالسرطان وأزهق روحه بكل وحشية. وفي وقت تغتصب الفتاة المعوقة من طرف سبعيني أو ستيني بكل دم بارد حاقد.
في هذا الوقت تُقتل مراهقة قاصر وتذبح وتقطع وتشوى، ولا يستطيع أهلها جمع أشلائها. في كل هذه الأوقات العصيبة يصمت القضاء ويغيب الإعلام السلطة الرابعة. ويحاول المجتمع إيجاد حيل للخروج من هذه التراجيديا وليغتسل من دماء كل هؤلاء، بالتنديد قليلا وبالترحم كثيرا!
أمام مد الجريمة في مجتمعنا، ها هي أصوات ترتفع بين مندّدة بما حدث للفهد الأصفر النادر في الجزائر والمهدد بالانقراض، على خلفية ما وقع في مدينة تقرت، فعندما يطلع عليك نمر أو أسد أو أي حيوان مفترس، في ظروف الناس القاهرة، هل تطبطب عليه، حتى تصل المصالح المعنية بالإبرة المخدرة، لتعيده إلى الحظيرة “المحمية”؟ وسيارة إسعاف المرضى لا تصل في وقتها ومصالح الحماية المدنية توكل لها كل المهام، التي أثقلت كاهلها لتصل وإن متأخرة لكنها تصل.
فكان لا بد من محاصرة النمر واخذه “بحنية” بعد تخديره والرفق به. لكن وماذا عن الرعب، الذي حتما كان سيثيره وماذا لو خلف خسائر بشرية؟
إذا لم نتمكن من إسعاف من لدغته عقرب واخراج من وقع في حفرة أو في بئر أو أي “داهية”. فكيف المطالبة بإسعاف نمر. قد تكون هذه الملابسات صعبة حتى على بريجيت باردو! إسعاف البشر أولا ثم الحيوانات. نرتقي بالإنسان ليرتقي هو بدوره بمحيطه النباتي والحيواني!
رحيل المعلمة المضحية
أحيانا وخارج متابعة الفساتين الشفافة لهذه وتلك يصوب الإعلام، تحت وقع حملات الفيسبوك على مواضيع اجتماعية مهمة وملحة مثل موضوع المعلمة التونسية، التي منحت كليتها لزوجها بعدما رافقتها حملة فيسبوكية للدعاء لها بالشفاء. لكن لم تتمكن ايناس معروفي، من منطقة القصرين، العيش بكلية واحدة فتوفيت في مستشفى “سهلول” في سوسة، بعد بضعة أسابيع عن عملية الزرع، حسب ما تناقلته الصحف والمواقع الالكترونية، تاركة وراءها ثلاثة أبناء صغار وزوجا ينعم بالصحة.
تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي صورة لها براقة جميلة بألوان باستيل واللون الفستقي، الذي انعكس على عيونها العسلية. وابتسامة ملائكية مشعة تظهرها في أحسن حال وكأن التضحية زادت من نور وجهها، لكن لا أحد ذكر أنها كانت ترقد في المستشفى تعاني بعد تعقيدات عملية نزع الكلية. كما نقلت صورها مع زوجها على الشاطئ وأحد أبنائها لإعلان وفاتها شامخة دوما! أو هكذا أريد لسيدة ماتت ببطء؟! والوفاة لم تكن ناتجة عن عملية نزع الكلية، التي كانت ناجحة، حسب تصريحات الأطباء والمسؤولين في المستشفى. لكن المشكل في الدماغ. هذا القلب الثاني النابض المحصن بالجمجمة لم يحتمل تضحية كهذه قد تكون عواقبها وخيمة.
موضوع دسم بالروحانيات الأسرية، وبما يجب أن تكون عليه المرأة. كما يبدو الأمر محيرا، ففي بلد كالجزائر يرفض أن يمنح أحد الزوجين كليته، خوفا من هكذا نهاية ومن ترك الأبناء الصغار لمصيرهم. هل ذلك من باب الرأفة الاجتماعية ومن تعاليم الطب الإنسانية أم هو قانون ساري المفعول في عدة بلدان؟
في نهاية المطاف غادرت إيناس، لكن لم تكن بأريحية الصورة، التي انتشرت لها على الصحف والمواقع. رحمها الله. يا ليت زوجها يدرك حجم التضحية ويضحي من أجل أولاده ويضعهم في قلبه وعينيه، كما كانت تفعل أمهم.
مرام بعد العتاب
تخرج عن صمتها
قبل أن تخرج عن صمتها، علقت الممثلة وعارضة الأزياء التونسية مرام بن عزيزة عما تناقلته المواقع الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي بشأن تحايل زوجها عليها بمبلغ أربعمئة مليون دينار ومغادرته البلاد، واعتبرت ذلك حياة شخصية، لا تهم أحدا، وليس من حق أي كان أن يسألها عليها، وإلا فإنها ستحظر السائل وتعمل له “بلوك”. وكانت راقية بقولها: “إذا توفيت علاقتك بأي شخص، مهما كانت الأسباب ادفن أسراره الخايبة والباهية في مقبرة النسيان، فالنهايات أخلاق. والمستقبل أجمل بكثير”.
هذا التواضع والموعظة لم يدوما طويلا، بعدما تبين الوجع، حيث تناقلت وسائل الإعلام تغريدتها المؤثرة على الانستغرام، حيث عبرت عن سعادتها بالرسائل التي وصلتها وما زالت لمساندتها، وأنها بكت ليس مما حدث لها من غدر وخيانة وتحايل، لكنها بكت من الفرحة لأن الجميع وقف معها، من يعرفها ومن لا يعرفها، وبأنها لم تكن تتصور أنها محبوبة لهذه الدرجة وهذه نعمة إلهية. وتؤكد لمحبيها أنها ما زالت موجودة مرة تبكي ومرة تضحك، وأن ما تعرضت له ابتلاء من الله، لأنه يحبها. هي من تساعد الآخرين. وما حدث لها سيقويها. مستمدة قوتها من المبادئ التي ربتها والدتها عليها. والحياة مستمرة.
الجزائر وموريتانيا تحت رحمة الطبيعة
لا يمكن أن يمر العيد بسلام، وهذا منذ عدة سنوات، إذ تباشر مؤسسة تصفية المياه السيال بقطع المياه عن العديد من المدن والأحياء، هذا بالرغم من وعودها أن الأعياد ستمر بأمان بوجود المياه في الحنفيات. لكنها تخلف وعودها بعنف يوم عيد الأضحى، العيد الذي تكثر فيه الأضاحي وتسيل الدماء. هكذا تترك السيال البيوت والشوارع متسخة والروائح تنبعث منها دون اكتراث. مما أثار حفيظة العديد من المناطق، ولعل ما حدث في منطقة الأخضرية في ولاية البويرة من احتجاجات أيام وبعد العيد وغلق الطرقات بالعجلات خير دليل على أن السيال غلقت الأبواب والحنفيات بإحكام. بينما نسيت العديد من الأحياء لذة العيد و”بنّته” وهاه ي تتفرق في كل الاتجاهات لإحضار المياه لغسل الدوارة والبوزلوف وتنظيف أماكن الذبح.
بدأت سلوكيات السيال الفرنسية لتسيير المياه والشركة الجزائرية للمياه تتغير تجاه المستهلكين وتتصرف بنوع من الانتقام تجاه المواطن، الذي لم يعد يرى المياه في الحنفية، وهذا في إحدى عشرة ولاية. مما جعل الأصوات ترتفع لفسخ العقد مع الفرنسية للمياه، والتي يعتقد أنها تحالفت مع الجزائرية للمياه لصالح عصابة ولزعزعة المواطنين واستقرارهم في أكثر المواسم، التي يحتاجون فيها للراحة والسكينة.
الكل شارك ويشارك في إلحاق الأذى بالمواطن البسيط، لأن الأحياء الراقية والتي فيها مساكن علية العصابة محصنة وآمنة من مخاوف العطش والذباب وأمراض القاذورات.
لم يكف انقطاع المياه، فها هي “سونلغاز” تقوم بطقوسها المعتادة في قطع التيار الكهربائي عن العديد من أحياء العاصمة وغيرها مما أفسد الأضاحي، وجعل المواطن يقصر “بسهولة” المرغم على رمي أطنان من اللحوم التي فسدت لأسباب وأهمها الكهرباء.
إلى متى يتم التلاعب بحاجات المواطن الضرورية ومواسمه وأعياده التي تفرض على كل القطاعات احترام فرحته. أم يريدون ادخالنا في مشاكل وأحزان لا تنتهي وهم يتفرجون على “يتنحاوا ڤاع” بينما الخفافيش تقوم بعملها ليل نهار ليخلد الفساد وتصبح المسيرات ذرا لمخدر مؤقت في العقول والعيون.
بعيدا عن مؤامرات البشر وخططهم، تنتظر موريتانيا رحمة السماء. وإن فصل تأخر المطر في القدوم، وأن معظم مناطق موريتانيا لم تصلها بوادره، وأنها لم تمطر بما فيه الكفاية في موسم المطر، هذا الذي كانت بداياته شحيحة. وهذا نتيجة التغيرات المناخية، التي سببت لخبطة في المواسم والفصول. ولم تعد أي الرزنامات تعبر عن ما يحدث في مواسمها وفصولها ومنازلها. ولا صلاة الاستسقاء تأتي بأكلها. فكل المعتقدات يمكنها أن تربط ما يحدث بما يقوم به الإنسان من انتهاكات للطبيعة وتلويثها ماديا ومعنويا وبما يقترفه من آثام في حق نفسه والبشر والمحيط.
ندعو أن يستجيب الله لأصحاب القلوب النظيفة وتنزل الأمطار ويكسو الاخضرار موريتانيا وينعم الجميع بسنة خصبة. آمين.
كاتبة من الجزائر