سلسلة العمليات الأخيرة ليست خاصة في تميزها عن موجات الإرهاب الإجرامية التي سبقتها. يدور الحديث مرة أخرى عن منفذي عمليات من النوع المسمى “الأفراد” أو “غير المنتمين تنظيمياً”، ممن يعملون في معظم الحالات حيال ضحايا يقعون بالصدفة ودون تخطيط مسبق. يشخص جهاز الأمن جيداً صورة منفذي تلك العمليات، ويعرف كيف يتصدى للتحديد المسبق والعثور على الغالبية السائدة منهم.
الخاصية المركزية لعموم منفذي العمليات هي الإلهام من أحداث أو عمليات سابقة. التوتر حول الحرم يعد محفزاً مركزياً لتحريك الشبان والشابات للخروج في حملات الطعن والدهس، وكان لأولئك المخربين أفكار سابقة في هذا الشأن. وهي بشكل عام: عقب مشاكل شخصية ترتبط بالحب الخائب، والمصاعب الاقتصادية، والقيمة الذاتية المتدنية، والإخفاقات، والمكانة الاجتماعية المتدنية، والنبذ، وغيرها.
كما أن نشاط كثير من الشبان في الشبكات الاجتماعية، بما في ذلك المشاركة والمشاهدة الفورية للصور، والأصوات وأشرطة لسيارة داهس أو طعن شرطة عند الخروج من الحرم، إلى جانب أشرطة التحريض.. كلها تخلق إلهاماً لمن كانت في رأسهم نية أو فكرة مشابهة. هذه هي قوة الشبكة، وهذه هي القاعدة للإلهام والتأثير. فالشبكة تنتج الرغبة في الاقتداء، وتعزز الثقة لدى الشباب والشابات بأنهم بأفعال سيحظون بشرف عالم الآخرة. الأسباب ليست دينية دوماً، بل هناك أسباب اجتماعية.. ففي موتهم يعتبر منفذو العمليات شهداء، بينما في حياتهم، ومرات عديدة، تكون مكانتهم في المجتمع متدنية للغاية.
لقد وجد الشاباك وجهاز الأمن سبلاً عديدة ومتنوعة للعثور على تلك الظواهر. والتكامل الخاص للاستخبارات الشخصية إلى جانب السايبر، والنشاط في الشبكات الاجتماعية، والمعرفة المتراكمة عن التقاليد، والمحيط والدين، كل ذلك رفع الشاباك إلى نتائج مثيرة للانطباع، وقلص الظاهرة إلى أعداد قليلة. مفهوم أنه مطلوب خطوات ردع إضافية، ولا سيما حيال المحيط والعائلة، مثل: هدم المنازل، وسحب التصاريح، وكذا فحص إمكانية الإبعاد إلى قطاع غزة، وهذه تخلق ردعاً ناجعاً بالأساس لمحيط منفذ العملية، الذي يلاحظ في أحيان قريبة تغييراً في السلوك أو تطرفاً، بل ويبلغ غير مرة الشرطة أو غيرها من الجهات المختصة عن اختفائه أو تصريحات شاذة له.
كرجل استخبارات، واضح لي أن “السور الواقي” لسكان إسرائيل في غوش عصيون والخليل والقدس وتل ابيب يتشكل من نساء الخدمة ومن رجال الخدمة العاملين بلا كلل وبلا انقطاع على تفعيل القدرات والتفكير الإبداعي لمنع العملية التالية، ولكن من جهة أخرى، لا ينبغي أيضاً تجاهل الحاجة إلى النشاط الدفاعي.
غوش عصيون كحالة خاصة هي إحدى المناطق الأكثر حساسية والتي يعتبرها الإرهاب المؤطر وغير المؤطر كمنطقة مريحة للنشاط. ومفترق الغوش هو منطقة ضرورية لعبور الإسرائيليين والفلسطينيين من القدس إلى جنوب جبل الخليل؛ منطقة تعج بالحياة حيث تختلط الفئات السكانية المختلفة.
ينبغي أن نرى في غوش عصيون منطقة أوسع من مجرد منطقة عبور إلى مفترق الغوش، وأن نبلور مفهوماً أمنياً عاماً لمستوطنات الغوش، وليس لكل مستوطنة على حده. بطبيعة الأحوال، مطلوب تعزيز للردع من خلال إضافة وسائل للرقابة، إنارة وتواجد متزايد لقوات الأمن، ولا سيما في الأيام التي تكثر فيها العمليات أو محاولات العمليات.
الأخوان نوعا وناحوم نبيس أصيبا بجروح خطيرة جراء عملية الدهس التي جرت يوم الجمعة الماضية، ليس لانهما خرجا عن تعليمات الأمن. فهما ببساطة لم يتمكنا من الوصول إلى المنطقة المحمية التي أقيمت حول المحطة. من هنا، فإنه يجب فحص إمكانية توسيع العناصر الأمنية في الأماكن الحساسة، مع التشديد على محاور الخروج من المستوطنات الإسرائيلية.
نحن ملزمون بمواصلة الخروج والتنزه للترفيه ولنكون أحراراً، ولكن ملزمون أيضاً بأن نكون يقظين: أن نتجول مع الخلوي أو مع شخص آخر، ونفهم بأن الحساسية تكون أكبر في فترات معينة، أما خليط المعلومات الاستخبارية والنوعية من “الشاباك” و”أمان” فهو الردع بواسطة العقوبات ضد محيط منفذي العمليات، وعناصر دفاعية في المفترقات الحساسة، ومفهوم أمني لوائي، تلك هي العناصر المركزية في التصدي لمنفذي عمليات الإرهاب المختلفة.
بقلم: أريك بربنج (“الريس”) رئيس لواء القدس والضفة في الشاباك
إسرائيل اليوم 20/8/2019