أمجد ناصر: مراس التفعيلة وأصالة قصيدة النثر

حجم الخط
5

يندر أنني تناولت شعر أمجد ناصر إلا وتوقفت، على نحو أو آخر، عند طور أوّل وأبكر في تجربته الشعرية؛ أعني مرحلة شكل التفعيلة، الذي كان خيار قصائد مبكرة ولامعة مثل «الجبل» و«الشافعي» و«عمّال النسيج» و«صحراء عودة أبو تايه» و«الشجر». وتلك نصوص شغلت مجموعة ناصر الأولى، «مديح لمقهى آخر»، 1979، وكانت كاشفة بقوّة عن صوت خاصّ، منفرد لا تخفى نزوعاته نحو التفرّد، ولا تتخفى أدواته المباغتة خلف موالاة منكشفة لهذا الشكل الرائج، أو تلك السلالة المكرّسة؛ خاصة في تلك الأزمنة، الحافلة بالصخب والعنف والتعصب تارة، أو الهدوء والأصالة والاتزان طوراً. وهكذا بدأ ناصر لافتاً بين مجايليه شعراء السبعينيات الشباب، وأرسل إشارات استباقية جلية حول مقدار ما ستنطوي عليه مجموعاته المقبلة من جسارة التجريب، ووعي الحداثة، واستشراف النبرة الشخصية، وتطوير البصمة التي سوف يكون عسيراً خلطها مع سواها أو نسبها إلى غير صاحبها.
ذلك لأنّ عناصر المباغتة في تلك النصوص كانت عديدة من حيث مضامينها، لجهة موضوعات المكان والزمان، والمعطى البيئي والخلفية الشعورية، وحسّ التسجيل وتمويه الموضوع السياسي ــ الاجتماعي الصارخ. وكانت متغايرة، أيضاً، من حيث تحصين تلك المضامين عبر أشكال خادمة وملبيّة وطيّعة، ولكنها، في الآن ذاته، مغامِرة ومجرِّبة وباحثة ولاهية، بذلك فإنها باغتت ــ ولا تزال اليوم أيضاً ــ في مستوى نضجها الفنيّ، وهدوء نبرتها الإيقاعية، وذكاء استكشافها للطاقات الموسيقية الكامنة في عدد من التشكيلات التفعيلية، وبراعة تملُّصها من تبعات الشكل الأخرى (أنظمة التقفية، على سبيل المثال).
وفي «الشافعي»، وهي قصيدة فاتنة، متعددة المقاطع، يقول ناصر:
واحدٌ،
ليس أكثر من رجلٍ واحدٍ،
ولكنه عالياً كان
منتشراً كالجبال التي حدّرته إلى السهلِ،
كان عصيّاً ومحتدماً مثل صخر الجنوب.
جموحاً ومنبسطاً مثل خيل الجنوب.
إنه الشافعيُّ.
«راكين» هبّت على فرعه
مثل غصنٍ من النار
نادته «نسوانها» الحاملاتُ
ملابسَهُ الدامية.
يا عريسْ
أنت زين الشبابٍ،
عُلّية الدار
يا قمرْ ما غابْ عن بير الكرمْ
ولا خلا الحجارْ.
الآن تأتي مثقلاً بالثلج والنوار.
فيتضح، كثيراً في الواقع، ذلك المزيج البارع من الفصحى الحارّة والعامية البدوية، والحسّ الرثائي على خلفية غنائية، واشتباك ضمائر المتكلم والمخاطَب بالمفرد أو بالجمع؛ وسوى هذا أو ذاك من العناصر التي صنعت الفضيلة الإجمالية لتلك البدايات، وما أتاحته من تدرّب مبكّر على خفايا موسيقى الشعر، واكتساب دربة إيقاعية هادئة لكنها لا تفتقد السيولة، وحسّ يقظ بالشكل، وتَنبُّهٍ إلى مواطن القوّة (وهي، أيضاً، مواطن الجمال) في تصميم الأبنية الإيقاعية في القصيدة. وغنيّ عن القول إنّ هذه العوامل، في مجموعها، وفي تكاملها أو حتى تنافرها أحياناً، مكّنت ناصر من أن ينتقل بخطى ثابتة، وبأمان ملموس، نحو شكل قصيدة النثر الذي طبع كتابته الشعرية منذ عام 1979، ذاته وضمن المجموعة إياها أيضاً، وحتى اليوم.
وليس تفصيلاً غير مفهوم، لأنه تطوّر طبيعي في الواقع، أنّ أولى المرجعيات الشعرية التي تحاور ناصر مع تراثها لم تكن تلك التي كرّسها أمثال يوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج وتوفيق صايغ، كما للمرء أن ينتظر من شاعر شابّ مثله يتطلع إلى حداثة ثائرة فائرة، على غرار ما كانت تفعله قصيدة النثر وتنظيرات مجلة «شعر» في المثال الأبرز؛ بل كانت أعمق حواراته قد توجهت إلى أمثال بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر ويوسف الصايغ، كما سيسرد بنفسه. كذلك فإنه، بعد رحيله عن عمّان وإقامته في بيروت، موئل الحداثة والتحديث، سوف يلاقي «في شارع واحد أو شارعين نزار قباني وأدونيس ومحمود درويش وخليل حاوي ومعين بسيسو وسعدي يوسف وشوقي أبو شقرا وبول شاؤول وعباس بيضون وكمال خير بك»، كما أوضح في شهادة شعرية؛ فضلاً عن «حضور الشعرية الغربية بصفتها مصدراً أساسياً للكتابة، أو في الأقلّ، شعرية مقارنة»، يقول ناصر، ويعدّد أسماء مثل ت. س. إليوت، سان ــ جون بيرس، رامبو، رينيه شار، ريتسوس، كفافي…

في يقيني أنّ طور اختيار شكل التفعيلة أسفر عن انحياز ناصر، بحماس وإدراك وقرار واعٍ، إلى تقاليد «القصيدة العراقية»، بصفة عامة، وإذا جاز الحديث هنا عن تقاليد مترابطة متميزة على نحو كافٍ، ثمّ إلى قصيدة سعدي يوسف بصفة خاصة.

وفي يقيني أنّ طور اختيار شكل التفعيلة أسفر عن انحياز ناصر، بحماس وإدراك وقرار واعٍ، إلى تقاليد «القصيدة العراقية»، بصفة عامة، وإذا جاز الحديث هنا عن تقاليد مترابطة متميزة على نحو كافٍ، ثمّ إلى قصيدة سعدي يوسف بصفة خاصة، وفي مستويات شتى لعلّ أبرزها أنّ سعدي كان «أقرب الشعراء العرب الكبار إلى قصيدة النثر، من حيث التخفف من ثقل الإيقاع النظامي وسيولة مادته التعبيرية، وقربها من اليومي»، كما سيكتب ناصر. ولهذا الانحياز أهمية بالغة في يقيني، لأنه من جهة أولى مَدَّ نماذج قصيدة النثر العربية الشابة (جيل أواسط السبعينيات وأواخرها) بروحيّة كتابة أكثر أصالة واقتراباً من موروث التجديد الشعري العربي، منذ العقود الأولى من القرن، مروراً بفصاحة الجواهري وبدوي الجبل، وليس انتهاءً بالشعر الحرّ، كما كتبه أمثال السيّاب وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل؛ كما أكسبها، من جهة ثانية، واستطراداً، حيوية خاصة في العلاقة مع ذائقة القراءة الأوسع، وهي العلاقة التي بدا وكأنّ «القصيدة اللبنانية»، عند أمثال وديع سعادة وبول شاول وعباس بيضون لا تراهن عليها أوّلاً، أو لا تعبأ بها كثيراً.
ومنذ عام 1979، أي منذ أولى قصائد النثر التي أخذ ناصر يكتبها، يمكن العثور على هاتين السمتَين الفارقتَين: الأصالة والحيوية؛ فيدرك المرء، من دون كبير عناء، ولكن ببهجة خاصة، أنّ أبناء ذلك الجيل (والمرء يعدّ سليم بركات، سركون بولص، قاسم حداد، وليد خازندار، زهير أبو شايب، بسام حجار، نوري الجراح، غسان زقطان، حلمي سالم، إبراهيم الجرادي، سيف الرحبي، ميسون صقر، منصف الوهايبي، هاشم شفيق، طاهر رياض، حسن النجمي، باسم المرعبي، فطمة قنديل، وسواهم، على اختلاف انتماءاتهم زمنياً إلى حساسية السبعينيات، وتنوّع أصواتهم)؛ يقبضون لتوّهم على عدد من المفاتيح المختلفة في الكتابة الشعرية، وينشقّون ويجرّبون ويجدّدون؛ ولكن من دون إدارة الظهر تماماً لموروث القصيدة العربية الحديثة، وللمكتسبات التي حققتها على جبهات أخرى غير «الجبهة اللبنانية».
وهكذا فإنّ توليفة ناصر الناجحة جمعت بين التحصين اللغوي والبلاغي والتعبيري والإيقاعي، الذي منحته مهاد التفعيلة والتمكّن من شكلها والتمرّس فيه؛ وبين الرصانة، المبكرة أيضاً وفي مستوى العناصر السالفة إياها، التي اختطها ناصر لشكل قصيدة النثر، كما شاء ناصر الاستقرار عليه، بمنأى عن الشطط والمزاج والتجريب العشوائي والاستهتار بالذائقة العريضة. ورغم أنّ ناصر استهلّ مجموعته الثانية، «منذ جلعاد كان يصعد الجبل»، 1981، باقتباس من أنسي الحاج وآخر من راينر ماريا ريلكه، فإنّ لغة قصائدها كانت في حال مختلفة تماماً عن تلك التي يمكن أن توحي بها لغة هذَين الشاعريَن. كذلك كانت الموضوعات (الأرض بما تضجّ به من تواريخ وعشائر وعناصر، المشهدية البدوية، البورتريهات البشرية، المناخات الكابوسية، الرثاء، البدايات الإيروسية…) تشدّ اللغة إلى نطاق تعبيري آخر، وإلى رؤية شعرية أكثر احتشاداً وملحمية. خذوا هذا المثال من «أيتها الهوادج»، القصيدة القصيرة البديعة التي يندر أن يفرّ من إغواء اقتباسها أيّ دارس لشعر ناصر:

أيتها الهوادجُ
أيتها الهوادجُ
يا أجراس الصحراءِ
من هنا مرّ الأردنيون
حفاةَ السيوفِ والأقدامِ
في أرواحهم يقدح حجر الصوّانِ
وفي لحاهم المغبرّةِ
تعوي الذئابُ.
أيتها الهوادجُ
أيتها الهوادجُ
من هنا مرّ شعبي
عارياً وضامراً يسحب خلفه
نهراً يابساً
وصقوراً كهلة.
وضمن سياقات التوليفة ذاتها، وتحديداً في مجموعته السادسة «مرتقى الأنفاس»، 1979؛ نقل ناصر قصيدة النثر العربية إلى منطقة تحدٍ شاقة، نادرة أو غير شائعة على الأقلّ، هي مقاربة الموضوعة التاريخية، ولكن من موقع ملحمي إنشادي. وهذا خيار كفيل بممارسة أشدّ الضغوط على الشكل أوّلاً، وعلى عمارات الإيقاع ــ التي لا تقوم في قصيدة النثر على أيّ عتاد عروضي يسهّل تحقيق الإنشاد ــ ثمّ على النثر ذاته، وسيط الكتابة الشعرية، بسبب طبيعته العصيّة على الانتظام في وحدات إنشادية.
وكان ممّا يبهج في هذا الصدد أن ناصر نجح في تحقيق درجة رفيعة من امتزاج الملحمي بالغنائي، حتى ليبدو أنّ صوت الشجن العالي، الذي تعكسه اليوم أحدث مجموعاته «مملكة آدم»، 2019، إنما بُحّ واخشوشن وتكثّف بسبب من ارتقاء أنفاس القصيدة درجَين في آن معاً: غناء الذات، وملحمة الجماعة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية