حامل الوشم

حجم الخط
0

لا يمكن الاقتراب من أمجد ناصر في الأحوال كلها، بدون قراءة تذكارية حتى ونحن نلتمُّ هنا لنقول له: قمْ ولا تخذلنا.. وعدْ إلينا راعياً للعزلة ومقتفياً أثر العابر. وها أنا أستمد جزء العنوان الأول من مقالة لأمجد ناصر أواخر عام 2006 حين خطف الإرهابيون ولدي عدي غرب العراق، وهو في طريقه إلى عمّان. كتب أمجد في «القدس العربي» مقاله (محنة حاتم) بعد أن اتصل بي بعد الخطف بأيام قليلة، مستفسراً عن التفاصيل بوده المعروف وعاطفته الغامرة.. وبعد أيام كتب المقالة ظانًّا أن ذلك سيسهم في تحرير عدي. حشدَ أمجد ما يمكن أن يبرر الإفراج عنه، ومسترسلاً في مواساتي بما ترك في نفسي أثراً لا يوصف.. اليوم أستدير لأتأمل محنته.. منذ بدء مرضه حتى اليوم.. كيف لقلب هذا الشاعر الذي يرقى حتى بالنثر لشعرية مميزة تجمع الفكرة بالأسلوب المشرق ببلاغة ليست تنفجاً أو استعراضاً لغوياً، أن يتحمل المحن الكثيرة عبر فضاء الغربة، التي ظللت كيانه الشخصي والفكري والشعري منذ عقود؟ كيف لفتى البوادي والأقاصي أن يسير في بيروت ومنافي أخرى ليقف في لندن مسلحاً بالبراءة ذاتها والصراحة والشاعرية؟ كيف سنبصر الأمكنة التي انصرف لقراءة تاريخها وأزمنتها وناسها وحياته فيها، وهو لا يصلها كغربائه الذين تحدث عنهم في إحدى قصائده؟ كيف؟ بسعادة كبيرة حتماً؛ لأنه يتنفس هواءها شعرياً، ويختزلها إلى إشارات وصوىً وعلامات لن تندثر، وبألم ممضٍّ أيضاً عبّر عنه في كتبه المتأخرة: شعراً وسرداً ورحلات وتذكارات.
سرَّ من رآكَ أمجد: هكذا كنت أبدأ مراسلاتي معه منذ تعارفنا وعبر لقاءاتنا في اليمن وعمّان والقاهرة والخليج… محوّراً عنوان ديوانه الذي يخاطب أنثى غائبة، متناصاً مع الرنين التاريخي العذب لسامراء المعروفة تاريخياً باسمها ذاك. هنا أستحضر ضحكاته المتطايرة في فضاءات الأمكنة التي يحضرها شاعراً أو إعلامياً، ويملأ جلساتنا بقصص لا يمل سردها، منتزعاً انتباهنا ودهشتنا ومحبتنا. لكن وراء ذلك كله حزناً خفياً يتأرجح كدمعة واقفة بين العين والعالم.. لا تتوقف ولا تنزل.

كأني بأمجد يتحدث عن كِسَر من سيرته الشعرية.. رغم أنه لم يكن يرتاح لتأويلاتنا عبر القراءة النقدية لأعماله، لاسيما روايته «هنا الوردة» بكونها تشظيات سيرية.

«حامل الوشم وصل
بأكباشه
وأجراسه
تتبعه النيازك
عبَر قبورا بيضاء
وداس عشبا صامتا بين التماثيل»
كأني بأمجد يتحدث عن كِسَر من سيرته الشعرية.. رغم أنه لم يكن يرتاح لتأويلاتنا عبر القراءة النقدية لأعماله، لاسيما روايته «هنا الوردة» بكونها تشظيات سيرية.. وكان يقول لي إن يونس الخطاط لا يعني أنه هو الكائن الواقعي.. فهمت أنه يريد موضع كائن سيري وموقعه فحسب في الرواية، رغم عشرات الإشارات إليه شخصاً في الرواية، بإحالات المكان والأسرة والزمان والوقائع. هو يريد الكائن لا الشخص… وهذا انعكاس آخر لقناعته بأنّ عمله يقدم نفسه بدون تحديدات وتنميطات وقوالب. سيكون لحامل الوشم هذا مستقَرٌّ في لندن التي لها بين عواصم هجراته مكانة خاصة، لا لأنه أقام فيها نهائيا، ولكن منظور الصدام بين الغرب والشرق، يبدو واضحا في أشعار تلك المرحلة. فرغم أن أمجد اختار قصيدة النثر بعد ديوان وزني واحد «مديح لمقهى آخر» 1979 يبدو مهتما بتطوير تجربة الكتابة بقصيدة النثر، والخروج بها من مأزق التقليد أيضاً، ومن التناظر في موضوعاتها وأساليبها. واتجه لتجسيد ذلك إلى حقلين ليس فيهما إنجاز كبير، وواضح لشعراء الحداثة، وهما: الماضي كذاكرة تشتغل في ثنايا الوعي، والمرأة كوجود إنساني شخصي وحميم، فصار يستعيد من مخزون ذاكرته مشاهدات بصرية وأحداثا ومواقف ربطته بماضيه الذي تمرد عليه كمصير، وهجره إلى مدن كثيرة، لكنه في إعادة حساب له سيصالح ذلك الماضي ويقدم جزئيات دالة منه، وسيكرس كتابا كاملا له هو «حياة كسرد متقطع» 2005 مسهما في تأكيد إمكان وجود السيرة الشعرية. كما ستتجسد لاحقاً بعمله السردي «هنا الوردة» 2017.
أثق، ولي مبرراتي، أن أمجد لن تطول محنته، إنه طراز خاص من المثقفين المتنورين بلا شعارات فضفاضة، بحرية واحتفاظ بالذات مركزاَ للاختبار والتجربة. سيختار أمجد العودة إلى قصيدته: بيته الذي اختار، ورفضَ وتمردَ وتجاوزَ قناعاته ومسلماته ليصل إليها. ونحن له لمنتظرون.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية