اليوم، عليْنا النظر إلى الشِّعر بغير العين التي ألِفْنا بها قراءة ما اعْتَبَرْناه شعراً حديثاً، أو مُعاصِراً بالأحرى. تَسْمِيَّةُ هذا الشِّعْر بالقصيدة، هو اخْتِزالٌ لِأُفُقٍ في نَمَطٍ، لِسَماء في قَفَص، وهذا خَلَلُ قَبُولِنا بالمفهوم والتَّسْمِيَّة بدون مراجعَتِهما، وبدون العودة إلى سياقهما الجمالي والتاريخي. فالشِّعْر أوسَع وأشمل من «القصيدة»، التي هي نوع من أنواع الشِّعر، وتدخل تحت مفهومه الأوسع، باعتباره جامِعَ أنواعٍ، لأنه، لا هو مفرد، في لُغَتِه، ولا هو جَمْع، و «القصيدة» ليست مفرد الشِّعر مُطْلَقاً.
في هذه العلاقة بالذَّات، يمكن اسْتِشْفاف فرادة الشِّعر المُعاصر، كـكِتَابَةٍ، شعر لا يُخْتَزَل، لا في القصيدة، ولا في النثر، فالمسافة بينما لا تقبل المزج والجمع، أو وضع واحد منهما صفة أو تسميةً للآخر، لأنهما من حَقليْن مُتبايِنَيْن، وهنا، يبدو عنصر التدمير، والقابلية للتَّفَكُّك والتَّفَسُّخ بين النظم والنثر.
في ما سُمِّيَ بـ«قصيدة النثر»، قليلون من نَجَوْا مُمارَسَةً من فخّ التَّفَسُّخ أو التَّدْمِير هذا، وكانت تجربتُهم الشِّعْرِيَّة، تنتمي إلى الشِّعْر، وتَسْتَعْصِي أن ننسبها إلى القصيدة، بمُجْمَل خواصِّها اللِّسانِيّة، وبما تَحْتَمِلُه من مُكوِّنات، الشاعرِيُّون القُدامَى كانوا حَدَّدُوا إطارها، بصورة حاسمة، وابن خلدون، اعتِماداً على ابْن رشيق، عرَّف «القصيدة»، وحدَّدَها بشعريتها المُغْلَقَة التي لا تقبل الانفتاح، رَغْم أنَّ ابن رشيق، كان في بعض مفاصل كتابه «العُمْدَة»، رأى في الشِّعْر، ضَرُورة الانْشِراح والقابلية للتَّغَيُّر، بدون توسيع معنى الصيرورة هذا.
أمجد ناصر، واحد من الشُّعراء الذين يَسْتَعْصِي اعتقالُهم في زُجاجة، أي وضعه داخل نمطية «قصيدة النثر» نفسها، التي هي اليوم، تكرار واجترار لصيغ التعبير نفسها، وللجمل والإيقاعات وطريقة النَّظَر، وحتَّى للموضوعات. فهو أذهب نحو الكِتابَةِ، نحو النص Texte وأسَّسَ، في تجربته، لأفق شِعريٍّ قابل للصَّيْرُورَة والتَّجدُّد، لأنَّ أمجد، هو مُنْصِتٌ جَيِّدٌ لإيقاعات الأزْمِنَة التي يعيش ويحيا فيها، بما في ذلك الفراغات والبياضات، ولحظات الصَّمْت، مثلما في رُؤيَة «الطَّاوْ» التي هي إدراك لِفَداحَةِ الصَّخَب في الصَّمْت.
فَوَضْعُ أمجد ناصر في قفص «قصيدة النثر»، هو شبيه باعتقال فراشة في زجاجة مُغْلَقَة، أهمّ ما يأْخُذُنا فيها هو شفافَةُ القارُورة، لا ما تتعرَّضُ له الفراشَة من اخْتِناق، وتلاشي غبارها في هذه الشفافة التي هي شفافة خادعَة ومُخاتِلَة.
انعكس هذا الوعْي الشِّعْرِيّ الجمالي على تجربة أمجد، ما جعله يكتب في نصوصه الأخيرة، النص المُكثَّف المفتوح، الَّذِي يحرص على البِناء كشرط لشعريتِه، وهذا ما ينقص الكثير ممن يَكْتَفُون بالنَّثْرِيَّة في الكتابة الشِّعْرِيَّة، وهُم لا يُدْرِكُون أنَّ أهمَّ ما ميَّزَ الشِّعر المُعاصِر هو تَفْكِيك النَّظْم، أي تَحْوِيل مسار الموسيقى في النص الشِّعري، من الوزن، وهو، فقط، مكون من مكونات الموسيقى في الشِّعر، إلى الإيقاع، ليس باعتباره الدَّال الأكبر، كما توهَّم هنري ميشونيك ومن ساروا خلْفَه، بدون مراجعته وانْتِقادِه، بل باعتباره دالا، لا يمكن أن تتحقَّق شِعْرِيَّتَه إلا بالصورة والخيال، أي أن شعرية النص الشِّعريّ تتأسَّس، في هذا السياق، على دالَّتيْن كُبْرَيَيْن، هما الصورة والإيقاع، لا الإيقاع وحده، وإلا عُدْنا إلى اعْتِبار «الموسيقى مِضْمَار الشِّعر»، كما أكَّد قُدماء العرب، من النقاد والشَّاعريين، على ذلك.
حين نتأمّل تجربة أمجد ناصر الشِّعريّة، سنجدها إشْكاليّةً في تصوُّرِها لمعنى الشِّعر، رغم أنَّ أمجد لم يكن، نظرياً، مشغولاً بهذا التصوُّر، لكنه كان واعياً، بشكل جيِّد به، وكان عارفاً أن لا شَكْل قادر على استيعاب مفهومه للشِّعر، أو الرؤية التي بها كان يُؤَجِّجُ تجربته الشِّعرية، وأن الشِّعر أكبر من الوزن، كما أنه أكبر من النثر. فَوَضْعُ أمجد ناصر في قفص «قصيدة النثر»، هو شبيه باعتقال فراشة في زجاجة مُغْلَقَة، أهمّ ما يأْخُذُنا فيها هو شفافَةُ القارُورة، لا ما تتعرَّضُ له الفراشَة من اخْتِناق، وتلاشي غبارها في هذه الشفافة التي هي شفافة خادعَة ومُخاتِلَة.
نحتاج، اليوم، أن نُعِيد قراءة تجربة أمجد ناصر في ضوء هذا الوعي الشِّعْرِيّ النَّظَرِيّ، الذي هو وعْيٌ يُعِيدُ، في حقيقة الأمر، وضع التجربة في سياقها الكِتابي، أو ما أُسَمِّيه بـ«حداثة الكتابة»، التي بات فيها النص مُسْتَعْصياً على الغِنائيَّة الصِّرْفَةِ والصوت المفرد الوحيد، وعلى البناء الشِّعري الذي يمتح بعض شظاياه من «القصيدة»، التي هي بناء مَسْكُون ومُمْتَلِئ ومُسبق، وليس فضاء قابلاً للتَّشْكُّل والتَّخَلُّق، أي أن يتَّخِذَ شَكْلاً مفتوحاً يَحْدُثُ إبَّان لحظة الكتابة لا قبلها، البياضات والفراغات فيه، هي عناصر بناء، وهي دوالٌّ في النص، تُساوِقُ الدَّوال المكتوبة، التي كانت هي وَحْدَها ما ذهب إليها النقد الشِّعريّ المُعاصر، ولم ينتبه إلى أنَّ الفراغات والبياضات، والأشكال الكتابية المختلفة التي قد تَرِد في النص، هي أحْد عناصر ومُكوِّنات النص، أي أن هذه القراءات، بقيت ناقصة، لأنها تعوَّدَتْ على قراءة المَسْكُون والمُمْتَلِئ، ولم تستطع إدْراك الوعي الشِّعري الجمالي الذي انْزاح بالشِّعر إلى كتابة أخرى، أبْعَدَتْها عن النَّمَط، وجعلَتْها أُفُقاً وسماءً، وهنا، بالذَّات تَكْمُن أهمية تجربة أمجد ناصر، وغيره من الشُّعراء، ممن ذَهَبُوا في طَرِيق الشِّعر، وفَتَحُوا سياقات شعرية جمالية، تحتاج أن نقرأها خارج ما كان قبله من كتاباتٍ وتجارب.