قد تبدو ثنائية الموت والحياة واضحة في كثير من قصائد الشاعر أمجد ناصر، إذ هي مقابل تعويضي لثنائية الغياب والحضور، والقبح والجمال في دلالته الفلسفية، لكنها تتبدى أكثر في ثنائية الاغتراب والوجود، وهذا ما يجعل أفقه الشعري أكثر استغراقا بالعلامات التي تحيله إلى مرجعيات تلك الثنائيات، في سياقها النفسي، أو في سياقها اللغوي، حيث الشغف الاستعاري بالبحث عن الغائب وأثره في تلك العلامات/ الأمكنة، أو البحث عن المهمل وأثره في اليوميات، أو في استيهامات الشاعر ذاته.
في كتابه الشعري المُستعاد «حياةٌ كسرد متقطع» بطبعته الجديدة الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة/ القاهرة 2018 تبدو لعبة الثنائيات مثيرة ومفارقة، إذ هي جهدٌ يخصّ نُضج تجربته الشعرية والمعرفية وتحولاتها، مثلما هي هاجس تعبيري للاقتراب من هاجس النثر، والإفادة من فضاءاته المفتوحة، فضلا عن نزوعه الشخصي للتمرد على الشكل، وعلى فكرة القارئ السهل، فقصائده (الجديدة) تحوز نزعة استيهامية تفترضُ قارئا غائبا، مثلما تهجسٍ بحياةٍ تُلاحِق اكتمالا ما، وحتى المقدمة التي كتبها أمجد ناصر لكتابه توحي بكلِّ تلك الهواجس، على مستوى رؤيته للعالم، الحب، المكان، الموت، أو على مستوى مقاربته لـ(ثنائية قصيدة النثر والشعر الحر) بحثا عن طعمٍ لمغامرته الشعرية، أو إحساسه بالفرادة، أو ربما توقا لفكِّ بعض الالتباس الإجناسي، أو ملامسة سحر المغايرة والدهشة، الذي اصطنعت مجلة «الشعر» بعض ملامحه، عبر أنموذجها الصادم للعقل الشعري العربي، أو لبعض ما أثارته بعض أسئلة الناقدتين نازك الملائكة وخالدة سعيد.
أسئلة الشعر هي أسئلة الوجود والوعي، هذا ما افترضه أمجد ناصر وهو يستعيدها شعريا، فهوية القصيدة فخٌ توصيفي قد يدفع إلى أوهام عديدة، وأخطرها وهم التاريخ، والعبث بصياناته القارّة، حدّ ما يندفع الشاعر عبرها نحو حدْسٍ يتعلق بإجناسية تلك القصيدة في النمط والسياق، أو برؤيته لها وهي تنفرُ لممارسة نوعٍ من التمرد والمغايرة على ذلك النمط، والتوهّم الماكر بالاقتراب من النثر والتشكيل والموسيقى..
عنوان «الكتاب الشعري» ليس بعيدا عن تلك الأسئلة، ولا عن إحالته إلى لعبة التقطيع والتكثيف، حيث تبدو مقاربة السرد هي لحظة اشتباك جادحة في وعي الشعر أو في وعي النثر، فالمغامرة توحي بالتوهج، والوعي بأطروحات الجدّة في الشعر، على مستوى تمثّله للحــــياة كوجود وقيمة شعرية عميقة، أو كزمنٍ يحتشد باليومي والهامشي والقهري، أو على مستوى تمثّله للسرد كفعلٍ واعٍ يدرك الشاعر أهميته وفاعليته في التجاوز وفي خياره الشعري الجديد.
رهان الشاعر على كتابة (اللاشكل) هو خيار وجودي وجمالي، ورغبة حميمة في مقاربة العالم عبر اكتشاف ما يضمره من معانٍ خبيئة، معانٍ تضخها القصيدة بالاستعارات، والمجازات، لكي تجعلها الأقرب إلى ما يهجس به الشاعر من توقٍ للخلاص، أو من رغبة لمواجهة (سأم المدينة) ليس على الطريقة البودليرية، لكن على طريقة من يرى العالم موحشا، ومُهددا بالموت والغياب، وحتى نزوعه إلى ما يمكن تسميته بـ(القصيدة العائلية) حيث تحضر الأم والجدّة والشقيقات والأشقاء والأب هو تمثّل نكوصيي لاستعادة تلك الحياة الغائبة، كما في قصيدتي «عد عكسي» و«استعداد للطيران» أو في قصيدة «طريقة أردنية» حيث يحضر البدوي لحظته الوجودية، يستفزه أو يُثيره، أو يقطع عليه الطريق للنسيان بمعناه الهيدغري.
على طريقة من يرى العالم موحشا، ومُهددا بالموت والغياب، وحتى نزوعه إلى ما يمكن تسميته بـ(القصيدة العائلية) حيث تحضر الأم والجدّة والشقيقات والأشقاء والأب هو تمثّل نكوصيي لاستعادة تلك الحياة الغائبة.
تقانة (اللاتجنيس) هي رغبة أكثر مما هي واقع، وهي مراودة يفترضها الشاعر لشبق الحرية، أو لوعيٍ صاخب لم يعد يطمئن كثيرا للنمط، ولا للمعنى الذي قد يقتله التأويل، ويدفعه إلى عتبات لا وضوح لها، عتبات للاستعارة النافرة، أو للرؤية التي لا تحبسها الذاكرة، وللذات الرائية التي تتوهم مراقبة العالم عبر التفاصيل، ففي قصيدة «نجوم لندن» نرصد لعبة المراقبة وكأنها مراقبة سيميائية، يجهد الشاعر في أنْ يمنحها طاقة الكشف والاستعادة، والمخاتلة، وعبر رؤية بصرية تتوالى صورها، لتبدو وكأنها تماهيات مع صوره الشخصية.
(نفساً وراء نفَسٍ تدفعني الأيامُ لكن عيني ظلتا ورائي تبحثان عن علامة تراءت وأنا مستلق ذات ليلة على سطح بيتنا في المفرق، أعد النجوم وأخطئ ثم أعدها غير مبال بالثآليل التي تطلع في يدي وتنطفئ. العلامة التي تطاردها عيناي مذ ذاك تدل على ساقية تؤدي إلى نبع ونبع يقود إلى سفح، حيث غصن وأفعى وتحت الغصن مفتاح، المفتاح للغرفة التي نهيتُ عن فتحها، الغرفة مظلمة، في الغرفة المظلمة صندوقٌ به صدفة، في الصدفة ورقة مكتوب عليها: لا تلمسني في المثل أو الشبه فكل من هو مثلي ليس أنا وكل من يشبهني هو غيري، لست بعيدة ولا قريبة، علامتي أقرب إليك من حبل الوريد».
هذا البناء السطري فيه كثيرٌ من القصدية، فرغم ما تحوزه القصيدة من غنائية عميقة، إلّا أنّ بنيتها النسقية تؤشر لمدى اهتمام الشاعر بالتركيب والتوالي، وهي تقانات سردية، آثر الشاعر توظيفها كإشارة لرهانه على الترسيمة المفتوحة، وعلى علاقة هذه الترسيمة فنيا بوعي الشاعر للمغايرة والتجاوز ولكسر النمط، وفي إثراء التجربة بحساسية شعرية لها تأثيرها على اللغة، وعلى وحداتها التوصيفية والعلاماتية، فثيمة (المقهى) في قصيدة «فتاة في مقهى كوستا» تأخذ في شعرية أمجد بعدا فضائيا، تتبدى عبره حساسية الشاعر العالية بالمكان، وبفكرة الحرية، وبالتفاصيل اليومية، حيث الشارع والقهوة والكلام والأصدقاء والدخان، وحيث الأنثى التي تؤنسن ذلك الفضاء، عبر اشتباكها مع شيفرات وجودية وأيروسية، وعبر توتير فكرة الكتابة/ الاستيهام لتكون الأقرب إلى فكرة القصيدة الشخصية، قصيدة الرؤية واللذة، وحتى قصيدة الوهم، فالأشياء بحضور الأنثى تتغير، أو هكذا تبدو سائلة، مسكونة بالشغف والشبق والهذيان أحيانا، والأفكار تنزع عن قشرتها المباشرة، لتبدو أكثر اقترابا من استعارةٍ كبرى، استعارة تختصر الوجود في لحظتها، وتترك الشاعر نهبا للقلق والانتظار، واللذائد المُتخيلة.
«بلوزتها الزرقاء نصف الكمّ التي تكشف عن زنديها المبرومين، وكتفيها اللذين تنطّ منهما فهود صغيرة، وبقدمها التي تتحرك تحت الطاولة على شكل مروحة، كانت تشبه فتاة القصيدة، كلّ الإشارات تدلّ عليها، كان وزن الهواء وحركته يتغيران تحت الطاولة، أوقعت قلمي كما لو سقط عرضا على الأرض لأرى ما الذي يجري، وما أن التقطته ورفعت رأسي حتى اختفت الفتاة، كان على الحائط ملصق إعلاني كبير لفتاة تجلس وحيدة تدخن وتحتسي قهوة وتنظر بزاوية منحرفة من عينيها في مقهى يشبه هذا المقهى».
هذه الكتلة البصرية المبنية بتقانة الرؤية والرؤيا، تُعيدنا إلى ثنائية الاغتراب والوجود، فالأنثى تحضر وتغيب عبر الواقع في المقهى، أو عبر السيمياء في الإعلان، وكلاهما يكشفان عن روح الشاعر المتوثبة، القلقة لاستدعاء هذه الأنثى التي تكشف عن روح المكان/ المدينة، وعن روح اللغة الباحثة عن إشباعات استعارية أو سيميائية، مثلما يكشفان عن هوس الشاعر بكتابة قصيدة «المشهد» في بنيتها السردية وفي إحالاتها الشعرية.