أمجد ناصر في كرصور

حجم الخط
0

وجدتُ، حين كنت أقرأ مجلة عربية، قراءة في ديوان «رعاة العزلة» للشاعر الأردني أمجد ناصر، ومع المقال أُرفقت صورةُ الغلاف، وقد بدا لي الغلاف جميلا ولافتا للنظر، وعليه صورة للشاعر بملامح بدوية، وثمة حزن بعيد في العينين. في نهاية المقال كانت هناك عدة قصائد من الديوان منها قصيدة منفى :
«منفى
أرأيتِ؟
نحن لم نتغير كثيراً
وربما لم نتغير أبداً:
الألفاظ المشبعة
النبرة البدوية
العناق الطويل
السؤال عن الأهل والمواشي
الضحكة المجلجلة
رائحة الحطب القديم
الحطب المخزن في الحظائر
ما تزال تعبق في ثيابنا
أرأيت؟
نحن لم نتغير كثيرا
وربما لم نتغير أبدا:
جلسات القرفصاء
الغسيل المحتشد أمام البيوت
الأولاد المعفرون بالتراب
الشاي المنعنع في المساء
النميمة المنعشة
الرضى بالقليل
الأخذ بالثأر
والدم الذي لا يصير ماء
كل ذلك
كأننا ما نزال في المفرق أو السلط
في الكرك أو الرمثا
كأننا ما اجتزنا حدود الشمال
إلى المدن الكبرى
والسواحل
حيث تهدر الحرب
ويهدر البحر
ويمسك الغرباء بعضهم بعضا
من الياقات
أو يطلقون الرصاص
من شرفاتهم
على حبال الغسيل».
يا الله، قلتُ حينها، ما هذه الرقة وهذا البذخ والشوق والحنين الهائل لكل شيء تركه الشاعر خلفه: البيوت والأبواب والبراري والرعاة. وهذا هو ما دفعني للبحث عن الشاعر وعن دواوينه في مكتبات حلب والشام والقامشلي .
وبعد أن فشلت في الحصول على «رعاة العزلة»، هذا الديوان الآسر، ركبت سيارة أجرة إلى بيروت، وهناك وجدت دواوين «رعاة العزلة» و»مديح لمقهى آخر» و»منذ جلعاد كان يصعد الجبل «. ولم أكتف بما حصلت عليه، فبحثتُ في أرشيف الجامعة الأمريكية في بيروت عن كل ما يتعلق بأمجد ناصر.. ووجدت بعض القصائد القليلة، وحوارا معه واحدا كان قصيرا وسريعا .ثم حصلت بعد ذلك على ما كان يكتبه بعد أن توطدت الصداقة بيننا، وكان يرسل لي كل ما كان يكتبه أو يصدره من كتب وروايات.
من يتابع تجربة أمجد ناصر الشعرية يرى الانتقال الجمالي الكبير من ديوان إلى آخر، حيث أتاحت له لندن بعد أن أقام فيها (بعد إقامته في بيروت وقبرص)، وعمله هناك في الإشراف على الصفحة الثقافية في «القدس العربي»، فرصة متابعة كل الأصوات الشعرية الجديدة التي كانت تحرص على النشر في «القدس العربي» لأن أمجد سيقرأ قصائدهم. لم يشغل أمجد ناصر نفسه بالتجريب مثل غيره من شعراء قصيدة النثر، ولا بكل ما قيل ويقال عن قصيدة النثر، سواء أكان معها أم ضدها، وإنّما راح يتابع تجربته الشعرية التي تُعَدُّ واحدة من أنضج وأفضل ما يمثل قصيدة النثر العربية، بل هو كتب قصيدة نثر جديدة لقارئ يعرف الشعر ويعرف الطريق إليه .
لقد أدار صاحب «الحياة كسرد متقطع» ظهره للتنظير، ومضى نحو قصيدته المتفردة التي يمكن معرفة صاحبها حتى في غياب اسمه، وذلك من خلال لغته الشعريّة ونماء عوالمها، ومن خلال بنائه الجمالي لها، إضافة إلى حضور المكان فيها حضورًا قويًّا وآسِرًا وباذخَ الدَّلالة، ناهيك عن أن كل ديوان جديد له إنّما هو إضافة متميّزة وكبيرة للمنجز الشعري العربيّ وليس لمنجز قصيدة النثر فقط، ومن هنا كان هذا الحضور المدهش لأمجد ناصر وانتظار جديده دائما. في كتابه «طريق الشعر والسفر» يكتب أمجد ناصر عن التجريب ما يلي: «لطالما سمعت عن التجريب في العمل الإبداعي، ولكنني لم أعرف تماما ماذا يعني ذلك .أكثر من ناقد أشار إلى التجريب عندي أو ميلي الغالب إليه، غير أني بكل صراحة، لا أعرف ما الذي فعلته بالضبط لأكون تجريبيا. لا يعني ذلك استنكاري للتجريب، ولا التقليل من وجاهة النقد الذي يرى في بعض أعمالي نزعة تجريبية لا تستقر على حال، تغادر ما أن تصل، ثم تدير ظهرا لما وصلت إليه… أكثر من مرة قادني الانحراف أو الخطأ إلى طريق لم تكن واضحة لي قبلا فسلكتها. فضيلتي التي أعتز بها أنني لا أخشى الانحراف عن المسار، أو الخطأ في الكتابة، فليس لديّ أصلا ما أخسره .المنجز عبء، الإرث قيد، وليس لي منجز أو إرث يقيدانني».
حين عدت إلى قريتي «كرصور» بعد عقدين، بحثتُ عن كتابين في مكتبتي الصغيرة التي تركتها خلفي وهما «فقط لو يدك» لبسام حجار و»رعاة العزلة» لأمجد ناصر .وقتها كتبتُ لصديق مشترك مع صورة للديوان: «أمجد ناصر في كرصور». وهذا الديوان تحديدا لعب دورا كبيرا في تجربتي الشعرية، وفتح لي آفاقا كبيرة في ترتيب علاقتي بقصيدة النثر، كنص شعري يتجاوز ويضيف أيضا. وساهمت علاقتي بأمجد ناصر صديقًا وشاعرًا، وإرساله لي رواياته الأخيرة ودواوينه، على متابعة تجربته الشعرية التي تعد ـ بحق- من أهم تجارب قصيدة النثر لشعراء جيل الثمانينيات في المشهد الشعري العربي، وترك أثرا كبيرا على الكثير من التجارب الشعرية الشابة في لبنان وسوريا وفلسطين ومصر. لم يتوقف صاحب «الحياة كسرد متقطع» بعد أربعة عقود من الكتابة عن البحث عن قصيدته ومن ثم تجاوزها، ولم يكتف بما أنجزه خلال مسيرته الشعرية منذ «مديح لمقهى آخر» وحتى «مملكة آدم» ديوانه الجديد الذي صدر قبل أسابيع قليلة فقط، وهناك ديوان آخر له سيصدر قريبا عن منشورات المتوسط، بالإضافة إلى كُتبٍ له أخرى. إنّ قصيدة النثر التي يكتبها أمجد ناصر تجيب على الأسئلة الكثيرة التي تقلق القارئ والناقد معًا حول مصير ومستقبل قصيدة النثر العربية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية