جمهورية الحراك واستعاراتها

الحراك مستمر؟ الحراك مصاب بالتعب؟ كلمات تسمعها هنا وهناك داخل المظاهرات وخارجها كل يوم جمعة. الحراك أثقله الصيف قليلاً لكنه مستمر، على الرغم من الحرارة غير المعتادة التي تجاوزت الأربعين درجة في الأسابيع الأخيرة. وجوه يغسلها العرق، لكنها لم تفقد ألقها وبشاشتها، ترتوي من الماء الذي يبيعه الأطفال على حواف شوارع العاصمة، الذين وجدوا في بيع الماء المثلج مهنة عابرة، لكنها مهنة. أو حتى من خلال مجموعات متطوعة تضع الماء تحت تصرف الناس في شكل تضامني، في كثير من الزوايا، ولا أحد يعرف من وضعها هناك. أو من مرشات الشباب المحمولة.
وعلى الرغم من الإرهاق، لم تكن للحرارة أي سلطة قامعة على الأجساد الحية. يبدو الآباء وهم يحملون أطفالهم على رقابهم كأنهم في عطلة، لا يمكن أن يمر الزوجان الطاعنان في السن يسندان بعضهما، ويصرخان ولا يهم إن ظل صوتاهما خافتين: الجزائر حرة ديمقراطية. شعار يذكر بالمسيرة العظيمة التي قادها الدا آيت أحمد، بعد صدمة الجبهة الإسلامية للإنقاذ. بعض الأمهات يرفعن أصواتهن بصعوبة، ويبحثن عن بعض الظل لأطفالهن. ولا ندري ماذا يدور في رؤوس الجميع ليتحملوا تلك الحرارة القاسية سوى الإيمان العميق بشيء يرتسم في الأفق، ويتمنون أن يتحقق يوماً. ثم فجأة، ظهر شاب في مرتفعات شارع ديدوش مراد، يتحلق حوله بشر كثيرون كأننا في إحدى حلقات الأسواق الشعبية التي استقى منها المسرحي الشهيد علولة مسرح الحلقة. كان يحيط نفسه بالورود والكتب وبعض أدوات التسلية الصيفية، وكتب على لافتة وضعها أمامه بحيث يراها الجميع: أنا في عطلة في أحلى مكان. ابتسموا، أنتم في الحراك. يقوم مثلما يفعل رجال الحلقة: لنا هنا كل ما يريحكم. أحلام مفروشة بالياسمين. مفتوحون اليوم كله بلا توقف. لا نأخذ ولا مليماً مقابل خدماتنا لكم، نحتاج منكم ابتسامة لا أكثر. وعندما تغادرون المكان باتجاه بيــــوتكم، تنتظــــرون بفارغ الصبر الجمعة القادمة للعودة. لا أحد يظلم في جمهورية الحراك السلمي. كل طرق النور الخمس التي ترونها في مخططي، تؤدي إليكم في النهاية. كلها مستقيمة. طريق العدالة ينطلق من مركز الحراك وينتهي في اللانهاية. طويل وليس من الضروري أن نقطعه كله في يوم واحد. طريق الدستور الذي لا يمكن لأحد أن يغمض عينيه على اختراقه، لأنه سيكون مسؤولاً على الحفر التي حفرت على مرأى من عينيه، ويمكن أن تكون سبباً في خرابه. طريق المواطنة، بدأ الجزائريون في شقه منذ استقلالهم لكنهم لم يفلحوا في إنهائه. كانت رؤاهم دوماً ضيقة، قومية، عرقية، جهوية، فتعددت الطرق المتفرعة لدرجة تغييب الطريق الصحيح. اليوم، تغير كل شيء، وأصبح طريقاً مستقيماً ومنوراً. طريق المدنية، هو طريق مدني مكفول للسيارات والدراجات والمشاة، وتمنع فيه الدبابات لأنها تحفر الطرقات، وإذا أرادت أن تمر فيه يجب أن تكون محمولة على شاحنات مدنية. طريق العقل، الطريق الوحيد الذي يقبل أن تكون فيه منعرجات وتعدد المطبات، لكنه في النهاية يؤدي إلى الساحات الكبرى التي يلتقي فيها الجميع من أجل خير البلاد.
الشاب في شروحه لم يكن يختلف عن القوالين سوى كونه طالباً في الحقوق، تخصص قانون مدني. العالم المختزل الذي صنعه ذلك الشاب الحقوقي، وكلف نفسه بشرحه للمارة، لم يكن عبثاً. كان البعض يقف ويتحمل أشعة الشمس العمودية وهو يرى الطرقات المرسومة في شكل نجمة تذكر بساحة ليتوال L›Etoile الفرنسية التي تتفرع فيها كل الشوارع الخمسة باتجاهات مختلفة، لكن مركزها واحد. قد لا يعرف كثيرون ممن يشتركون في الحراك، والذين يعدون بالآلاف، وربما بالملايين، من غير المهيكلين سلفاً وجاؤوا ليرددوا شعارات صنعت في المخابر الحزبية، قد لا يعرفون معنى جمهورية المواطنة الحقة، لكنهم يعرفون أنهم مثلهم مثل الآخرين في النهاية، ويرفضون التفرقة العنصرية أو الطبقية، يحلمون بعمل وسكن وحياة هادئة. قد لا يعرفون معنى الدولة المدينة وليس العسكرية، لكنهم يتمنون ملء قلوبهم ألا يتحسسوا آلياً أوراقهم الثبوتية كلما مرت بجانبهم سيارة عسكرية أو أمنية. قد لا يعرفون العدالة بكل قوانينها، لكنهم يرفضون الظلم، ويتمنون أن يكونوا مواطنين، في بلاد عادلة في أحكامها، لا يتساوى فيها الظالم مع المظلوم. لقد تعذبوا كثيراً ويتمنون لأبنائهم مجتمعاً تتساوى فيه الفرص في العمل والصحة والحماية الاجتماعية. أن تستعاد قيمة الإنسان المهدورة وألا يضطر أبناؤهم للتحول إلى رماد أو طعام لأسماك المتوسط، أو أن يدفنوا في قبور جماعية بلا علامات ولا أسماء. لهذا لا يريدون للحراك أن يتحزب حتى لا يعيد إنتاج أسوأ الأنظمة البائدة.
الكل يعرف أن في الحراك قوتين، قوة طبيعية، شعبية، ترفض أن يصبح الحراك صغيراً معبراً عن فئة صغيرة مصلحية وليس عن مطمح عام، وقوة متحزبة دوافعها وتحالفاتها أصبحت اليوم شبه معلنة، لا هدف لها إلا إجهاض الحراك من محتواه المطلبي والاستراتيجي باتجاه جمهورية ثانية لا تبنى على الدم.
بدأت هذه القوة المتقاطعة مصلحياً مع العصابة تميل نحو فكرة الأرض المحروقة والفوضى العامة Le grand chao. ما يحدث هذه الأيام من حرق للغابات والمستشفيات والبنوك والبلديات ومحطات الغاز ليس بعيداً عن استراتيجيتها القادمة لإخفاء كل الأدلة التي تدينها في نهبها لأموال الشعب، ولا غرابة في أن يشتعل أرشيف الولايات والمؤسسات المالية والاقتصادية وبث المعلومات الخاطئة التي تدفع بالناس إلى الرعب والقلق. الهدف، إدخال البلاد في فوضى الحرب الأهلية، فتصبح العصابة وامتداداتها من جديد سيدة الوضع، مع تجار السلاح والمخدرات وأمراء الحروب. الحراك قوة شعبية ضاغطة ومندفعة إلى الأمام. حتى لو توقف اليوم، ولن يتوقف، ستكون هذه القوة النبيلة قد حققت ما لا يمكن تخيله قبل أقل من سنة: فقد أسقطت نظاماً عفناً ترأسته عصابة من القتلة والمأجورين، جر البلاد نحو الهلاك. أسقطت رئيساً أصبح يثير الشفقة أكثر من الغضب. أسقطت، بمساعدة المؤسسة العسكرية التي لم تطلق رصاصة واحدة على المواطنين، بارونات المافيا والمخدرات، الذين حولوا البلاد إلى مرتع للضباع. أسقطت أسوأ الحكومات ووضعت رؤساءها في السجون. أزاحت الغطاء عن أشباه رجال الأعمال والعمالة… الفساد في النهاية، ليس قدراً محتوماً، لكنه ممارسة أنانية يمكن إيقافها، لكن الثمن سيكون غالياً، لأن أسلحة العصابة كثيرة، ولن تستسلم بسهولة. لا قوة تواجهها إلا الحراك في قوته الداخلية وثباته.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية