بعد روايات «أرق النجوم» و»شارع العمالقة» و»لعنة إدغار» و»الإعدام العادي»، و»سيقتلون روبرت كينيدي» (جائزة جوزيف كيسيل 2018)، أصدر الروائي الفرنسي مارك دوغين رواية جديدة بعنوان «شفافيّة» (غاليمار 2019)، وهي رواية فيها من الإثارة والعمق والغرابة ما به يجوز تصنيفها في خانة روايات الخيال العلمي، وإنْ كانت خلفيةُ أحداثها واقعيّةً تلامس هموم الإنسانية جمعاء، وهي تعيش طفرة رقميّة بقدر ما ساعدت الفرد منها على تنويع مصادر معرفته، ويسّرت له التواصل مع الآخر، ملأت قلبه شكوكًا حول غاياتها الخفيّة، ومخاطرها المحتمَلة على غرار استغلال بياناته الشخصية من قبل الشركات المالية الكبرى، ومراكز البحوث الاستراتيجية، وهو ما كان قد اعترف به مؤسِّس فيسبوك ذاته.
«شفافية» هي رواية استباقيّة وتحذيريّة في آنٍ، وتدور أحداثها في عام 2060، حيث تُلقي شرطة آيسلندا القبض على «كاسندرا نامارا»، وهي فرنسية تدير شركة إعلامية في إحدى المناطق البريّة النائية، بسبب دهسها مواطنةً محليّةً جرّاء إفراطها في سرعة سيّارتها، حيث كانت ترغب في الانتحار تجريبا لمشروعها البحثيّ. وخلال استجوابها من قبل أعوان الأمن تعترف «كاسندرا نامارا»، وهي راوية أحداث هذه الرواية، بأنّها أسّست شركة كمبيوتر اسمها «شفافيّة»، غايتها ابتزاز المراكز المالية الكبرى والسيطرة على عمالقة شبكة الإنترنت، إضافة إلى استغلال البيانات الشخصية لمستخدمي الإنترنت، بما يسمح لأيّ شخص أو مؤسّسة بالحصول على الكثير من المعلومات متناهية الدِقّة، حول أيّ فرد آخر موجود على الأرض من حيث حالتُه النفسيّة وتاريخُه الوراثيُّ وحياتُه الجنسيّة وعلاقاتُه الاجتماعية وأحلامُه وأزماتُه وحتّى أمراضُه. كما ذكرت بأنّ شركتها بصدد تصميم برنامج اسمه «الخلود» يُمكّن من إعادة استنساخ كيان ماديّ حيّ لأيّ شخص متوفّى، انطلاقا من بياناته الشخصيّة المُرَقمنة (وهو ما كانت ترغب في تجريبه على ذاتها خلال محاولة الانتحار) حيث نسمعها تقول في اعترافها أنها تُدير منذ 25 عاما، وبشكل سريٍّ، برنامجَ «الخلود»، وهو برنامج يعلن عن انتهاء عصر الموت، ويشتغل على تصميمات لإنسان ما بعد الإنسانيّة (ترانس هيومانيسم). ولأنّ الإنسان مخلوقٌ من مادة مقدّر لها أن تتحلل تدريجيا، وبما أن هذا التحلّل يُفسد في النهاية كل ما هو جميل في الكائن البشريّ ويَؤول به إلى الفناء، وخاصة منه فكره وعاطفته وذكاؤه الفائق، فقد ارتأى برنامجها ضرورة الاستفادة من كل تلك الخصال مهما كانت غير كاملة، وذلك عبر وضعها، بعد موت صاحبها، في شخصيّة ماديّة أكثر نُبْلا وصفاءً وقدرةً وخلودًا، أي في مغلَّف جسمي اصطناعي. ومن ثمّ وقع التخلّي عن الجسد البشري الفاني وانعقدت الغاية حول تصنيع جسد رقميّ خالد، وكان الهدف هو أن تكون تلك الشخصية الرقمية محاكية بدقّة عالية صورةَ إنسانها الأوّل الذي كان حيًّا. ومن ثمّة يتمّ تخليص الإنسان من مكوّناته العضوية والحفاظ فيه على وعيِه وروحه فقط. وبالتالي فإنّ النسخة الجديدة منه لن تحتاج إلى الطعام والأوكسجين والنوم والتزاوج والعلاج والدراسة، وهو ما سيحافظ على موارد الطبيعة. وتؤكّد البطلة كاسندرا مسألةَ أنّ الثورة الرقمية قد أدت إلى ظهور عدد قليل من الديكتاتوريات، ولكنها شهدت ظهور ديمقراطيات استبدادية منتخبة من قبل مستخدمي الإنترنت، الذي تمّ التلاعب بهم بدون أن يشعروا بذلك. وفي أثناء ذاك الاستجواب، لم يغفل الكاتب عن تذكيرنا بقضايا معيشنا الشائكة التي تحتاج منّا إلى يقظة فكريّة على غرار اضطراب المناخ، والاكتظاظ السكاني، والذكاء الاصطناعي، وتغوّل الرأسمالية، والبطالة، والهجرة غير الشرعيّة، والهندسة الوراثيّة.
وفي حواره مع مُحرّر دار غاليمار، تحدّث مارك دوغين عن كونه دفع في رواية «شفافية» بفرضيته حول الطريقة التي يمكن أن يتطور وَفْقَها العالم والجنس البشري، انطلاقا من الثورة الرقمية إلى أقصى حدودِها، وذلك ضمن مطلب «الترانس هيومانيسم» الذي أضحى أساسيا بالنسبة إلى عمالقة العالم الرقمي، بما أن الأمر منعقد فيه حول الرغبة في التغلّب على الموت والتخلّص من وضعيّة الوُجود المؤقّت للإنسان. والرواية تتساءل عن الروابط بين الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي وما بعد الإنسانية، وهو تساؤل فلسفي حقيقي بالنسبة لعالم الغد. ويضيف قوله إنه اختار الرواية الاستباقيّة من جهة أنّ الاستباق يمكّن من التفكير في الحاضر بشكل أفضل، حيث نلاحظ فجوة متفاقمة بين التكنولوجيا ومستوى وعي الجنس البشري. فهذه التقنية الرقمية التي صنعتها أقلية هي لا ترغب في غزونا فقط، وإنّما هي تعمل بموافقة تامّة من أغلبية لا ترى فيها إلا الإيجابيات. والواقع أنها تمثّل ثورة تؤسس لديكتاتورية ناعمة وتوافقية ستغيّر علاقاتنا الاقتصادية والاجتماعية وحتى علاقتنا بالفضاء وبالعالم. وعن تفكير بطلة روايته في مسألة الخلود يقول مارك دوغين إنه لا يؤمن بإمكانية جعل الجسد البشري خالدا. ولئن كان بعض دعاة ما بعد الإنسانية يتخيلون الكائن الخالد في شكل روبوت يتمتع بذكاء اصطناعي، فإنّهم يتناسون حقيقة أن ذلك سيكون نهاية البشرية. وربّما تكون فرضية «كاسندرا نامارا»، بطلة الرواية، حول إنسان ما بعد الإنسانية مقبولة نوعًا مّا من جهة قولها بإمكانية تحويل العقل إلى شريحة رقمية يمكن زرعها في جسد اصطناعي، وهي فرضية تبدو أكثر معقولية، ولها صلة بالمستوى الفلسفي والفكري والروائي الذي يشغله.
إن مسألة الخلود رغبة محورية في التاريخ الإنساني. والموت هو الحدث الوحيد العادل بين جميع البشر، ولذلك فإنه ما إن تمتلك بطلة الرواية مفاتيح الخلود حتى تفعل ما كانت فعلته كل الأديان قبلها أي تأمين الحياة الخالدة لكل من «أحسنوا عملا» ومعاقبة الآخرين برميهم في العدم والجحيم. إنها تؤكد أنها تعمل لصالح البشرية في حين هي تستحوذ على سلطة مخيفة كانت حتى ذلك الحين مقصورة على الآلهة. ويختم مارك دوغين حواره بالقول: «نظرا إلى أن حكاية الرواية محتملة الحدوث وخيالية في الوقت نفسه، فإن ذلك يجعلها تقع في خانة الخرافة، هل يتعلق الأمر، حقا، باكتشاف تكنولوجيا الخلود أم هو خدعة واحتيال من أجل الترغيب في شراء برامج رقمية لعمالقة الواب؟ على كل قارئ أن يصنع لنفسه وجهة نظر خاصة به».
٭ كاتب تونسي