الرسالة الأقوى التي أرادت طهران إيصالها إلى العالم من خلال جولة وزير الخارجية محمد جواد ظريف في عدد من الدول الإقليمية والأوروبية، هي أن العقوبات التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصياً على ظريف فاشلة ولَم يلتزم بها أقرب حلفاء واشنطن.
زار ظريف الدول الاسكندنافية فنلندا والنرويج والسويد ثم زار فرنسا قبل يوم واحد فقط من قمة الدول الصناعية السبع بمشاركة الرئيس الأمريكي ترامب، وحرص على لقاء الجالية الإيرانية في هذه البلدان وتنظيم ندوات مفتوحة لهم وألقى محاضرات في مراكز بحوث مشهورة وكرر ما قاله سابقاً أنه دعي للقاء ترامب في البيت الأبيض بواشنطن وذلك أثناء تواجده في نيويورك الشهر قبل الماضي، وأعلن مجدداً في باريس أن إيران ترفض التفاوض حول الاتفاق النووي مؤكداً في الوقت نفسه بعد لقائه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وجود توافق بين البلدين بشأن الموقف من الاتفاق النووي.
المقترح بالمقترح
اعتبرت طهران أنها حققت انتصاراً على الولايات المتحدة ولَم تلتزم الدول التي زارها ظريف بالعقوبات عليه وهو كان قد مهد لجولته الأوروبية بزيارات قادته إلى حلفاء وأصدقاء واشنطن في المنطقة عندما زار سلطنة عمان وقطر والكويت ليقول إن العقوبات عليه ليست فقط فاشلة، بل إن أزمة الاتفاق النووي كلما طالت فهي ستزيد من الانقسامات بين دول مجلس التعاون الخليجي حول إيران، وتدفع بالدول الأوروبية أيضاً إلى الابتعاد عن الولايات المتحدة أكثر فأكثر، وهذا يحصل لأول مرة منذ عقود ومنذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية.
وبعد أن فشلت واشنطن التي كانت وراء احتجاز ناقلة النفط الإيرانية غريس1 في عرقلة الإفراج عنها، سجلت طهران انتصاراً جديداً شجع ظريف على إطلاق تصريح لافت بأن على الولايات المتحدة إذا لم تتراجع عن العقوبات الأحادية على بلاده أن تختار: بين التفاوض معه باعتباره رئيساً للدبلوماسية في بلاده، أو مع الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الذي كان شكل غرفة عمليات في منطقة مضيق هرمز عندما تصاعدت أزمة الناقلات وقبل أن تغير إيران اسم ناقلتها التي أبحرت نحو هدفها إلى “أدريان دريا” ولترفع فوقها العلم الإيراني وتغادر مضيق جبل طارق في نفس الْيوم الذي أسقطت فيه المخابرات الأمريكية والبريطانية حكومة رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق العام 1953 وهو ما اعتبره الإيرانيون انتصاراً على (الإمبريالية) .
ولفت ظريف عندما كان في الكويت ولَم يلتق أميرها بسبب وعكة صحية ألمت بالشيخ صباح الأحمد، أنه عاد مجدداً إلى طهران وتباحث فيها قبل البدء بجولته الأوروبية، مع الرئيس حسن روحاني حول ما وصفها بردود إيجابية حصل عليها من الكويت حول مقترحه لإبرام معاهدة عدم اعتداء إقليمية تعزز من بناء الثقة وتبعد المنطقة عن التدخلات الأجنبية.
وقدم ظريف في باريس أيضاً مقترحات بهذا الشأن لتأمين الملاحة البحرية ولتعضيد موقف فرنسا الرافضة مع ألمانيا الانضمام إلى تحالف دعت له الولايات المتحدة وبريطانيا لحماية الملاحة في مضيق هرمز، كما قدم مقترحات من شأنها الإبقاء على الاتفاق النووي بدون أن يرفض بالمطلق فكرة الجلوس وجهاً لوجه مع الولايات المتحدة سواء في اجتماع على مستوى الوزراء يضم إيران والدول التي أبرمت صفقة الاتفاق النووي بضمنها الولايات المتحدة، أو مع أمريكا وحدها إذا عادت إلى القرار الدولي رقم 2231 ورفعت العقوبات.
تنازلات
وبينما اتفق الجانبان على مواصلة الاتصالات بين الرئيسين روحاني وماكرون الذي لديه دعوة مفتوحة لزيارتها، تنتظر طهران الآن نتائج المبادرة الفرنسية وتعول عليها كثيراً لسحب أوروبا نهائياً عن الموقف الأمريكي (غير المتوقع) كما عبر وزير الخارجية الإيراني الذي قال إن بلاده ستلجأ هي أيضاً إلى نفس السياسة وتجعل مواقفها (غير متوقعة) كما يفعل ترامب، ومن هنا فهي لن تتخذ حالياً خطوات قد توصف بالتصعيدية ما لم تتعرض سفنها للعرقلة خاصة التي تنقل النفط إلى المشترين الأوروبيين على وجه الخصوص. فأوروبا كانت تستورد 20 في المئة من النفط الإيراني المصدر وعليها كما قال ظريف أن تفعل ذلك من جديد وتقوم بتفعيل نظام المقايضة “إنيستكس” الذي تم الاتفاق عليه لتأمين حصول إيران على العملة الصعبة مقابل الاستمرار بتصدير نفطها.
وتسرب طهران أن لندن قدمت تنازلات للإفراج عن ناقلتها المحتجزة في بندر عباس منها القبول (مبدئياً) بدفع تعويضات لإيران جراء توقيف الناقلة في جبل طارق. وإذا سارت الأمور كما تشتهي السفن فقد تستقبل لندن ظريف في وقت لاحق والذي قال إنه ربما يزور كوريا الشمالية بعد جولة تقوده إلى اليابان والصين لتعزيز تحالف بلاده مع الثانية يشكل خاص إذ ترغب بكين بشراء كل النفط الإيراني مرة واحدة في عقد طويل الأجل وفق آلية ترفضها الحكومة الإيرانية (حالياً) لكنها وهي ستعزز موقفها المقاوم للعقوبات وهي تنفذ تعليمات صارمة من المرشد الأعلى خامنئي بأن يُدار الاقتصاد الإيراني بدون الاعتماد على فلس واحد من عائدات النفط.
بموازاة ذلك وبعد رفض وزير الخارجية العراقية مشاركة إسرائيل في أي تحالف لحفظ الأمن في المياه الخليجية، تعرضت معسكرات تابعة للحشد الشعبي لاعتداءات يقال إن إسرائيل نفذتها، ما دفع إلى عقد اجتماع طارئ للرئاسات الثلاث في العراق وصدور بيان أكد على النأي بالبلد عن أن يكون منطلقاً للاعتداء على أي من دول الجوار والمنطقة بما يعزز من دور العراق كوسيط كان شارك بفاعلية في إنهاء أزمة الناقلات، وأسست إيران مقترحاتها التي قدمها ظريف لماكرون لحل الأزمة النووية على مبادرة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي محورها أن ترفع واشنطن العقوبات عن إيران أو تجمدها وتعود للاتفاق النووي، وتبدأ مفاوضات جديدة مع إيران يجري ضم النتائج كملحق إلى الاتفاق النووي الأصلي.
وما بين المبادرتين الفرنسية والعراقية قدم ظريف مجدداً عندما كان في الكويت عرضاً لإجراء حوار مباشر مع السعودية بعد أيام فقط من تعيين جماعة أنصار الله في اليمن سفيراً لصنعاء في طهران، في رسالة لها أكثر من مغزى ترافق مع استهداف الجماعة حقل الشيبة النفطي على الحدود مع الإمارات، بينما كانت وزارة الخارجية الإيرانية تستضيف اجتماعاً ضم وفد أنصار الله برئاسة المتحدث باسمها محمد عبد السلام وسفراء بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، لترسل من خلالها طهران رسالتها أن الأزمات في المنطقة قابلة للحل بالتفاهم مع الحكومة أو بانتظار “أم الحروب” والتفاهم حينها على طريقة قاسم سليماني.