بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس: أخطاء وخطايا

■ دعنا نتفق على مجموعة مسلمات لا تختلف عليها الغالبية الساحقة من الشعب الفلسطيني والعربي. أولها أن عدالة القضية الفلسطينية لا جدال فيها، وأن تضحيات الشعب الفلسطيني لم تتوقف منذ وطئت أقدام المستوطنين الصهاينة أرض فلسطين بنيـّة إقامة دولة يهودية على حساب الشعب العربي الفلسطيني. نتفق على أن هناك مؤامرة دولية قادتها بريطانيا من أجل زرع هذا الكيان في قلب الأمة العربية، وما كان للمؤامرة أن تنجح لولا تخاذل الأنظمة العربية وخيانة بعضها، ونتفق أن الولايات المتحدة أكملت دور بريطانيا في حماية الكيان وتمكينه، وما زال النظام العربي يلعب الدور نفسه. نتفق على أن الشعب الفلسطيني بغالبيته لن يتنازل عن حقوقه الأساسية والتاريخية في فلسطين وطنه ووطن آبائه وأجداده منذ فجر التاريخ مهما تقادم الاحتلال، إذ ان كافة الاحتلالات التي مرت على فلسطين عبر التاريخ انتهت إلى زوال وبقيت فلسطين عامرة بأهلها، وكان يمكن لو تركت لمصيرها أن تصبح جوهرة بلاد العرب قاطبة لما تحوية من معالم تاريخية ومقدسات وتنوع جغرافي وأرض غنية «تدر لبنا وعسلا»، وموقع فريد ومناخ رائع وحيوية شعب حضاري متسامح يتعايش فيه الناس بدون تمييز على أساس ديني أو عرقي أو طائفي أو ثقافي. وعندما أحس الشعب الفلسطيني بمؤامرة بريطانيا الممثلة في وعد بلفور وصك الانتداب، امتشق السلاح ونهض بمسؤولياته الوطنية والقومية منذ قرن من الزمان ولغاية هذه اللحظة.
ونتفق على أن أحد مشاكل الشعب الفلسطيني في قياداته التي لم ترتق يوما إلى مستوى التضحيات، وأن الشعب الفلسطيني متقدم على قيادته، وأن القيادات المتعاقبة لم تراكم الإنجازات لتتناسب طرديا مع مستوى التضحيات. وهذا يندرج على مسلكية القيادتين الحاليتين، حركة حماس والسلطة الفلسطينية خلال حرب الواحد وخمسين يوما وما بعدها، لنرصد مجموعة من الأخطاء والخطايا تسيء في مجملها للشعب الفلسطيني وشهدائه وأبطال المقاومة وأسرى الحرية، وتعطي أعداء القضية الفلسطينية من صهاينة أجانب وصهاينة عرب مادة دسمة للإساءة إلى قدسية القضية، واستهانة بتضحيات الشعب العظيمة وتشويه الصورة الراقية التي عكستها الوحدة الميدانية الرائعة أثناء الحرب ووحدة الوفد المفاوض الذي ظل متماسكا إلى أن تم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار يوم 26 آب/أغسطس، ثم انفرط العقد بعد ذلك وبدأت جولات الردح. نتمنى أن تتسع الصدور ونحن نستعرض ملاحظاتنا على مسلكية القيادتين خلال الحرب وما بعدها.
حركة حماس ـ مصلحة الشعب والقضية فوق كل اعتبار
ثلاثة أخطاء نسجلها لحركة حماس أساءت للقضية والشعب والنضال الفلسطيني. نسرد هذه الأخطاء من موقع الحرص وبهدف التصحيح وتجنب ما يسيء للحركة والمقاومة والشعب الفلسطيني بشكل عام.

أولا: الإعدامات الميدانية

قامت حماس أثناء الحرب بإعدام 18 شخصا وقيل 24 وجهت لهم تهم التخابر مع إسرائيل. وجاء في بيان حماس:»نفذت الحركة صباح الجمعة 22/8 حكم القصاص رميا بالرصاص في حق 18 متخابرا مع الاحتلال، في منتزة جامعة الأزهر وأمام المسجد العمري بمدينة غزة، بعد استيفاء الإجراءات والشروط القضائية في حق المتهمين». ممارسة مهينة تحط من قدر المنفذ، حيث تم استغلال حالة التضامن العالي مع المقاومين من أبناء حماس والفصائل الأخرى ليتم تنفيذ الحكم بهذه الطريقة الممجوجة التي لا تليق بشعب حضاري يعتبر حكم الإعدام أمرا عظيما، حتى ضد العملاء، ولا ينفذ إلا بعد تدقيقات ومراجعات وجلسات دفاع مفتوحة لكل فرد من المتهمين، واستئناف وصدور الحكم عن المحكمة العليا أمام مجلس محلفين ومحامين وشهود وتوقيع أعلى مسؤول في السلطة التنفيذية. وقد قامت الحركة بالممارسة نفسها أثناء عملية عامود السحاب، حيث أعدمت سبعة مشبوهين بالعمالة يوم 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2012 وسحلت أحدهم (ربحي بدوي) في شوارع غزة في كوكبة من الدراجات. وقد نشرت مقالا عندئذ بعنوان «الإعدام سحلا – ممارسة طالبانية لا تليق بغزة»، لكن الأخطاء تتكرر لأن هناك من يضع روح الانتقام فوق كل اعتبار، بما في ذلك مصلحة القضية. إن هذه الممارسات الرعناء لا تمثل الشعب الفلسطيني الذي يفتخر أمام العالم بمستوى التعليم فيه، والذي يبزّ دولة مثل إسبانيا. شعب حضاري يعرفه العالم من خلال أطفال الحجارة وناشطيه وكتابه وشعرائه ومثقفيه وأساتذته وفنانيه، ثم تأتي مثل هذه الممارسة لتعطي فرصة لجريدة «الشرق الأوسط» وبي بي سي والحرة وفرنسا 24 وغيرها الكثير، لتبرز خبر الإعدام الجماعي وتدوره لتغطي على المجازر التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني.

ثانيا: الاعتراف بخطف
المستوطنين الثلاثة بعد الإنكار

لقد اقتنع العالم كله، بما فيه أوساط إسرائيلية وأمريكية والأمم المتحدة، بأن الإسرائيليين الثلاثة الذين اختطفوا يوم 13 حزيران/يونيو الماضي لا علاقة لحماس بخطفهم، بعد النفي المتكرر من الحركة، لدرجة أن العالم عاد وصدق الرواية، إلى أن قام السيد صالح العاروري أحد قيادات حماس في تركيا بالاعتراف بالعملية عندما قال يوم 21 أغسطس، «وكان الحراك الجماهيري قد اتسع ليشمل كل الأرض المحتلة ووصل ذروته في العملية البطولية التي قامت بها كتائب القسام في أسر المستوطنين الثلاثة في الخليل». ولا أعرف لماذا هذا الاعتراف الذي جاء في وقت خاطئ وبدون مبرر وبدون مردود، ليدفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا من دمه وأرضه ومؤسساته وسمعته وتضامن العالم معه. ما الفائدة التي جنتها حماس من هذا الاعتراف المتأخر؟ قد يقول قائل وهل إسرائيل بحاجة إلى هذا الاعتراف لتبرر مصادرتها للأرض وتدمير البيوت وشن الحروب واعتقال المئات؟ والجواب طبعا لا، لكن مثل هذا الاعتراف يتم تسويقه للعالم كمبرر لتلك الجرائم وذلك الدمار ومصادرة الأرض. لقد شنت إسرائيل الحرب تحت حجة خطف المستوطنين الثلاثة، لكن أحدا لم يقتنع بمبررات إسرائيل إلى أن جاء هذا الاعتراف المجاني ليضع سيناريو للعدوان الإسرائيلي يسهل تسويقه عالميا.

ثالثا: الاحتفال بالنصر بإطلاق الرصاص

تتقن إسرائيل دائما عقلية الضحية مع أنها المعتدي والغاصب للحقوق والقوة التدميرية التي تنتهك كل قواعد الحرب والقانون الإنساني الدولي واتفاقيات جنيف الرابعة. وقد تكون حرب الواحد وخمسين يوما من أكثر حروب العصر الحديث بشاعة، من حيث انتهاكات حقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خاصة في استهداف المدنيين والمدارس والجامعات والمستشفيات وسيارات الاسعاف والطواقم الطبية وغير ذلك الكثير. ومع كل هذا تتباكي أمام العالم على أطفالها الذين لا ينامون ومدارسها المعطلة ومقتل الطفل دانيل تراغرمان المسكين الذي كان يلعب مع أخته الصغيرة عندما قتل. لقد أتقنوا هذا التباكي وتقمص شخصية الضحية، بالضبط كما وصفهم محمود درويش: «الباكي على شيء يحيرنا. سرقت دموعنا يا ذئب، تقتلني وتسرق جثـتي وتبيعها».
هل كانت هناك ضرورة للاحتفال بالنصر بإطلاق النار في الهواء، مما أدى إلى مزيد من القتلى، قيل إن عدد الضحايا سبعة وقيل أقل أو أكثر. ليس مهما العدد. ألا يكفي ما سقط في غزة من شهداء؟ كان الأولى أن يتقن الجميع عرض الخراب والدمار والجرائم التي ارتكبتها إسرائيل بدون حاجة للاحتفال بإطلاق النار. كان يمكن أن تقام مسيرات منظمة سلمية حضارية بدون إطلاق النار تؤكد على الصمود وعدم الاستسلام ورفض الخنوع فقط، والاستعداد لمواصلة النضال جيلا وراء جيل. أما إطلاق النار في الهواء فهو غير مبرر وغير منطقي وإهدار لكميات من الذخيرة قد يحتاجها المقاومون في المستقبل القريب. نعم كان هناك صمود بطولي وتضحيات عظيمة أذلت كبرياء العدو وشجاعة تنحني أمامها الهامات، لكن الخسائر البشرية كانت عالية جدا، خاصة بين الأطفال والنساء، وحجم الدمار كان كبيرا وتدمير البنى التحتية أكبر. هذا ما يوجب توثيقه في الأيام الأولى كي لا تضيع قطعة واحدة من حيثيات جرائم الحرب.

السلطة الفلسطينية
عادت حليمة لعادتها القديمة

اما السلطة الفلسطينية فقد تصرفت في بداية الحرب بطريقة باردة لا تدل على أن هناك حكومة توافق وطني، وكأن ما يجري في غزة لا يعني سلطة رام الله. ولكن عندما تبين حجم المجازر التي ترتكبها إسرائيل وبدأت الأمور تغلي في الضفة الغربية والقدس وكادت تفلت من يد القيادة، وكنت شاهد عيان على هذه الأوضاع، عادت القيادة وركبت الموجة ورفعت من سقف الموقف يومي 21 و 22 تموز/يوليو. لقد رحب الشعب الفلسطيني بخطاب أبي مازن وقالت حركة حماس إنه خطاب جيد والمهم أن يترجم إلى أفعال. بعد توقف العدوان يوم 26 أغسطس، بدل أن يطير عباس وحكومة التوافق برئاسة رامي الحمد الله فورا إلى قطاع غزة ليقفا على كمية الدمار ويتواصلا مع الناس ويثبتا أن هناك قيادة واحدة وجرحا واحدا وشعبا واحدا، بدأ عباس يهاجم حماس ويردح لها بطريقة قاسية من جهة ويسوق لمفاجأة ستقلب الطاولة على رؤوس الإسرائيليين، كما وعد. هاجم عباس حركة حماس واتهمها بتدبير انقلاب على قيادته، ومصدره للمعلومات الشاباك الإسرائيلي. ويكفي أن نعرف المصدر لنتأكد أن هناك رائحة كريهة من إشاعة تدبير الانقلاب، ولا نعرف من هو الذي يسعى ويقبل أن يكون رئيسا لسلطة لا سلطة لها وقيادة لا تقود ودولة بلا سيادة وأجهزة أمنية تنسق مع العدو أكثر من العمل على حماية شعبها في الدولة الموحدة.
إن خطاب عباس أمام مجلس الجامعة أصاب الشعب الفلسطيني بصدمة كبيرة والكل يسأل «أهذا هو وقت مناسب للهجوم على حماس؟ لمن يوجه عباس هذه الرسالة؟ أيحاول أن يرضي الحكومة المصرية أم إسرائيل أم كليهما، خاصة بعد أن عاد وفد المفاجأة العتيد من واشنطن خالي اليدين تماما بعد مقابلة باردة مع وزير الخارجية جون كيري، ورد إسرائيل بمصادرة 4000 دونم من منطقة بيت لحم وبناء 2000 وحدة استيطانية في منطقة الخليل. فبدل رص الصفوف والارتقاء إلى مستوى التضحيات، كان رد عباس بمهاجمة حماس واتهامها بأقذع التهم وتصنيف الشهداء ولا نعرف من أين جاء بهذه الأرقام الخيالية، وكأن شهيد فتح سيذهب إلى الجنة وشهيد حماس ستكون جهنم له مأوى. أي منطق هذا؟ إن الذي أوصل الشعب الفلسطيني إلى موارد الهلاك هو من رسم الطريق إلى أوسلو واستبدل المقاومة بالمفاوضات العبثية، وأعلن عن تخليه عن المواجهة والتعبئة العامة والالتزام بالتنسيق الأمني. وهل يستطيع أي مسؤول أن يقنعنا لماذا يتم اعتــــقال من يخـــرجون في مظاهرة سلمية للتضامن مع شــــهداء غزة وتضحيات شعبها العظيم؟ أليس الشعب الفلسطيني شعبا واحدا؟ لماذا يمنع الفلسطينيون في رام الله من التظاهر تضامنا مع غزة، ثم ما مصير الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية؟ لماذا تراجعت القيادة ولم تعد تتكلم في الموضوع، هل هذه القيادة حقيقة مقتنعة أنها ستنتزع قرارا من مجلس الأمن ينهي الاحتلال خلال ثلاث سنوات، وتقام الدولة المستقلة كما أخبرتنا السيدة حنان عشرواي أثناء لقائنا بها في الأمم المتحدة؟
عادت السلطة للمرة الألف إلى المربع الأول- المجتمع الدولي ـ مجلس الأمن ـ المفاوضات ثم المفاوضات ـ العقلانية ـ التريث ـ الثقة في أصدقائنا الأمريكيين- وانتظروا أيها الأولاد الجياع طبخة الحصى- قريبا تنضح وتأكلون منها حتى تشبعوا.

٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

د. عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية