لا شمال في عمّان! نترك عَمّان ظهراً. الجو ساخن ومهيب. من الدَوّار الخامس ننطلق بطريق البَرّ متجهين إلى رام الله. عَمّان مدينة تثير الدهشة، حتى لاأقول ملْتَبسة. مدينة غريبة، ومملوءة بالغرباء. عمان ليست مدينة، إنها كون بلا ماهية. تكاد أن تكون مجموعة من التلال. بناياتها لا تختلف كثيراً عن ترابها الشاحب. وأهلها لا يزالون يسرحون في العصور الأولى. أو هي تبدو كذلك. في عمّان تحسّ أنك بلا أهل. لأن التشابه المفرط بينك وبين الآخرين يمْحي الوجود، ويجعل الفضاء سراباً.
حاولت أن أكتب، أكثر من مرة، عن عمّان، لكنها كانت تفلت من رؤياي مثل ضوء قبل أن أتمكّن منه. عمّان تربط الزائر من ترائبه، وهي تقول له: لا تجِئْني مرة أخرى! التناقض المذهل بين جبالها ووِدْيانها، هو الذي يُرْبِك الزائر. وأصير أتساءل: لماذا لا نرى ما وراء الأكمات في عمّان؟ ولأن الجواب الجغرافيّ يفرض نفسه ببداهة مقلقة، أجدني أصمت في أرضي، وأنا أمسح فضاءاتها المذهلة بعينيّ الراسيتَيْن. صرت أعرف أن السؤال الذي يحمل إجابته في بُنْيته، لا جدوى من التفكير فيه، وأكاد أقول: ولا يجوز طرحه. العُزْلة في عمّان جغرافية قبل أن تكون إنسانية، وتلك خاصية أساسية من خصائص مُدُن القرون الأولى، مدن أوائل التاريخ. عٌزْلة نقرؤها بسهولة على وجوه أهلها، فهي مكتوبة على سحناتهم السُمْر التي تشبه تراب الأرض بعد حريق قديم. لا أحد يضحك في عمّان، وإذا استطاعوا ألاّ يتكلّموا فذلك هو المطلوب، ولكن لماذا؟ لأن الأرض هي التي تتكلّم في عمّان. تاريخ المدينة مَسْكوب في ترابها. وكلام الأرض يعوِّض صمت البشر. عَمّان مُدُن جبلية متعددة تجتمع حول شيء واحد هو اسمها: عمّان. والباقي يمكن أن يتخيَّله العابر. في محيط عَمّان المدينة، مُدُن أخرى تحاول أن تُلامسها. مدن مبعثرة مثل كرات عملاقة من الطين الناشف، مشوية بالشمس. شمس البحر الميت التي أحرقت الماء من قبل. الصمت والحياد والوقار صفات مَنْ رأيتهم في عمّان. لكأنني لا أعرف أحداً، وأنا أعرف الجميع. أشبعوني غرْبة في عمّان. للخروج من عمّان، يجب أن تخرج من العالم، أولاً. امتداداتها بلا نهاية. وهضابها لا تحصى. والشمس تلاحقكَ أينما سرت، لكأن الجنوب هو الاتّجاه الوحيد فيها. لا شمال في عمّان. لكن تلك الغيوم الواقفة في البعيد، مثل خيول مربوطة في الفضاء، وعيونها تدمع كَرَباً، لماذا تحاصر الأفق؟

٭٭٭
على الطريق من عمان إلى رام الله، ترى التاريخ جاثماً فوق القاع. التاريخ هو الأرض، وليس شيئاً آخر. والأفكار التي انبثقت هنا ذات يوم لم تكن إلاّ صيغة مبسَّطة من عَظَمة الأرض، هذه التي أراها الآن ممدودة أمامي إلى آخر الأفق. التاريخ؟ أوه! هأنذا أراه واقفاً فوق قمم الهضاب العملاقة، سرمدياً، غامضاً، مملوءًا بالألغاز والأساطير. هنا ستدرك بشكل مباشر كل ما تُبْصره من دون أن تكون بحاجة إلى تعليل. إنها الروعة اللانهائية لهذا العالم الذي تحسّ أنك تعرفه، منذ أن تلمحه، مثلما تعرف نفسك. لكأنك انبثقْتَ، للتوّ، منه، ولست مضطراً، حتى، لاختلاق صِيَغ بلاغية تؤكِّد ذلك. أكاد ألاّ أُصدِّق أن كل هذا الكون لي.. لي، أنا الذي أراه الآن، ونحن في طريقنا إلى الأغوار. بعد عمّان بقليل تبدأ الصحراء بالظهور. صحراء جبلية هائلة الروعة.. تلال بلا حدود، أشجار لاصقة بالتراب الأحمر المشويّ بالشمس. وصخور سود مغروسة في القاع. يُلطِّف هذا كله نسيم هادئ وعليل.. نسيم آسِر ينفذ إلينا عَبْر حَميم اللَّهب الأرضيّ. نمشي، والتلال الحُمْر تمشي معنا. لا خلاص من التلال بين عمّان ورام الله. والعين لا تملّ من المشهد، مشهد التُلول العظيمة التي تَسِم الكون بالدهشة والانخلاب.
في محيط عَمّان المدينة، مُدُن أخرى تحاول أن تُلامسها. مدن مبعثرة مثل كرات عملاقة من الطين الناشف، مشوية بالشمس. شمس البحر الميت التي أحرقت الماء من قبل.
شيئاً فشيئاً تبدأ الآفاق بالظهور.. تتراجع الهضاب، تنبسط الأرض، تتَدانى الأبعاد، وتعلو القاع إلى أن يصل الحضيض إلى أعيننا التي ستذهلها الخُضْرة، خُضْرة الأشجار اللاّبِدة التي تغطّي الفضاء.
صرنا على مقربة من جسر اللَّنبي قديماً، وحديثاً جسر الملك حسين، وهو الخط المصطنع الفاصل بين الأردن وفلسطين، من هذه المساحة الخضراء التي تبدو وكأنها قُطِعَتْ من كون آخر، تبدو التلال التي كانت قبل قليل تحاصرنا بعيدة عنا، بعيدة جداً، مع أنها آقرب إلينا من حبل الوريد! لكأن أحداً أمرها بالاختباء ريثما نقضي حوائجنا ونعود إليها لنقع بين فُجوجها السرمدية. ومع أنها تبدو لنا بعيدة، فهي ما زالت تسدّ الأفق أمامنا، وتحيط بنا من جميع الجهات. شيء ما يقلقني عندما أنظر إلى هذه التلال، إلى هذه الهضاب اللامتناهية الأسرار. لكأنها تريدني أن أُكلّمها، ولكنها لا تصغي إليّ. وأريدها أن تأتيني ولكنها تفُرّ من عَيْنيّ. للأرض تاريخ، وللكائنات تاريخ آخر! يا لهذه المفارقة التي لا تُدرَك إلا بالرجوع إلى التراب. وأصير أُردد: ما سرّ هذا الشَغَف الملتبس الذي يربطني بهذه الأكمات المحروقة بالشمس، إذن؟ أتساءل، وأنا أشعر بإرهاق عظيم لا أستطيع مقاومته، فأجثم بين كثبانها الإلهية، حائراً. أيكمن السر في ألوانها؟ في فجوجها التي تبدو ظامئة؟ في أشكالها المدوَّرة مثل نهود عذارى الجزيرة السورية؟ أم في سديمي الشخصي الذي امتزج من قبل بسديمها؟ أم…؟ وأكُفّ عن هذياني منذ أن أرى في البعيد أملاح البحر الميت تشعّ بلون رماديّ يتوَهَّج بألَق أبيض تحت نور الشمس. الشمس المدنفة التي تريد أن تغطس هنيهة فيه، عَلّها تتخلّص من لهيبها. وأنّى لها أن تَغْطُس في بحر جَفَّفَتْه هي نفسها بإصرار أزليّ.
٭٭٭
الآن نحن في الأغوار. الأغوار هي أول أرض امتلأت بالماء، وآخر أرض رأت النور بعد الطوفان، ولذلك، ربما، أو بسبب ما عانَتْه من تحمّل كتلة الماء المرهقة، تبدو تلافيفها عصية على الإدراك. الأغوار أحافير أسطورية، ونُدوب عملاقة، تملأ وجه الإرض. ولكن، مَنْ فعَل كل هذا بجسد الأرض الناعمة الملساء، غير الماء الدافق من بين الصلب والترائق؟ أُنظرْ! أخاطب نفسي، وأنا أشير بيدي الطويلة نحو ارتداد الأفق إليّ. عَجباً! هنا، تضحك الكثْبان عندما تغرب الشمس. لكأنها تتحدّاها: لن نبرح المكان. كثبان الأغوار المحيطة بأريحا مصقولة، وكأنها صنعت من المرمر. إلهذا عندما تغرب الشمس في أريحا أحس أنها تُشرق؟ بلى! هنا، كل شيء ممكن، لأن الأغوار المتعددة الأشكال والأبعاد تُؤسطِر الوجود، بما في ذلك الزمن، والضوء، والتاريخ.
ولكن، علامَ تتذمّر أريحا في الغروب؟ أريحا الأغوار، جوهرة الكثبان، تتذمّر عندما تغيب الشمس خلف هضابها اللامحدودة، لكن أشجار نخيلها العالية تتَطاول لتلتقط الأشعة الهاربة من العدم. فتعيدها إليها. فتضحك أريحا «مدينة القمر»، أقدم مدينة في التاريخ. ونصير نتذَوّق أريج نسيمها الهَفْهاف. نسيم مسائها المباغت الذي يُلامس أشجار الجمّيز الشديدة القِدم، فتصير ترتعش، هي الأخرى، وكأنها تستعيد ذكرى وُلوج السيد المسيح في ثناياها، مُستظِلاًّ بين أغصانها القوية، هابطاً إليها من جبل «قَرَنْطل» المطل على الكون، بعد فترة من الاعتكاف فيه. نخرج من أريحا باتجاه رام الله مساء. أشعة الشمس تلوّن أعالي الهضاب بالأصفر الذهبي، وكأنها تؤكّد لنا أن باب الله يقع في هذه الأنحاء. ولكن في أي نحو من هذه التلافيف الخرافية التي تأسر القلب، يمكنني أن أقع عليه؟ سريعاً تلبس الهضاب ثوبها الدامس عند الغياب، وكأنها لا تريدنا أن نجد الباب الذي نبحث عنه، مع أنها دَلَّتْنا قبل قليل عليه. أريحا، والبحر الميت، والأغوار، والمسيح، وهذه الأرض الأسطورية التي تتراءى لي على طول الطريق، والليل الذي عسْعَسَ، والسائق أبو صالح، وفِراس، وأنا، لا نشكل إلاّ حبة رمل ضئيلة تتدحرج لاحقة غوايتها اللامفهومة التي قد تؤدي بها إلى الموت. وكأنما لا بدّ من غواية لكي يَلْحق الكائن مصيره اللامعقول،
منذ أن تتبدّى لي السهول الصغيرة في البعيد، أصير أُلاحقها حتى حواف الهضاب الرابضة هناك مثل كلاب خرافية تحرس الفضاء. أبحث عن آثار الأبد اللامتناهي في هذه الأرض – الذهب. ذهب التاريخ الذي لا يمكن أن تعثر عليه إلاّ سائراً على الطريق. على طريق الأساطير، حيث تنمو الحكايات وتكبر مثل جسد غاوٍ يأخذ موقعه الأثير في كهوف الذات. بمحاذاتها، نتابع الصعود حتى القمم العليا للهضاب. من عَلٍ تبدو الأغوار مثل مخلفات فيضان كونيّ طاغٍ غَمَر الكون ذات يوم. ولكن، كيف غيض الماء؟ وكيف تحمّلَتْ هذه الأرض الهَشَّة صدمة الفَيْض الجارف؟ ومَنْ سَوّى هذه القمم والسفوح ملْساً مثل صفائح المرايا، غير مياه الله التي كانت في البدء؟
لم أجئ إلى فلسطين سائحاً، بل شاهداً حيّاً على العذاب الأليم الذي يعاني منه الفلسطينيون، لذلك لم أرضَ أن أعبر من معابر «في آيْ بي » (لا أريد حتى تعريبها)، بل بقيت جاثماً مع الحشود الفلسطينية التي تعاني عَلْقَم الانتقال من نقطة إلى أخرى، فوق أرضها.
٭٭٭
أخيراً نحن على خط العبور الفاصل بين فلسطين ولافلسطين. خطّ لا مرئي لكنه محسوس جداً إلى درجة الدهشة، إن لم يكن الرعب. ولكن لماذا كل هذا القلق والترقٌّب واللاطمأنينة من أجل خطوات قليلة علينا أن نخطوها لنتنفّس كما نشاء؟ لأننا سنحس فوراً بأن واقع المكان الذي نحن فيه الآن باهظ، وعناء عبوره فادح حتى بالنسبة لمن يذهبون إلى بيوتهم! في نقطة العبور، هذه، أنت في عالَم آخر. أنت لست في التاريخ المعاصر، ولكن في تاريخ آخر منقرض لم يبقَ منه على سطح الكرة الأرضية سوى هذا المكان: تاريخ الاستعمار الوحشي الذي يزيح الكائنات من أمكنتها ليدّعي، بعد ذلك، بوقاحة، مُلْكيّتها. لكأننا ما زلنا في 1492، أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، قرن سقوط الأندلس، و بداية الاستيلاء الأوروبي على الكون، ونَهْب ثرواته.
لم أجئ إلى فلسطين سائحاً، بل شاهداً حيّاً على العذاب الأليم الذي يعاني منه الفلسطينيون، لذلك لم أرضَ أن أعبر من معابر «في آيْ بي » (لا أريد حتى تعريبها)، بل بقيت جاثماً مع الحشود الفلسطينية التي تعاني عَلْقَم الانتقال من نقطة إلى أخرى، فوق أرضها. حشود مملوءة بالصمت والصَبْر والانتظار. مصممة على أن تعبر إلى حيث تريد، مهما بلغ الأمر من قسوة وسوء. أذهلَتْني تلك الحشود الأبية بشجاعتها وإصراها على العَيْش، على الرغم من فظاظة المحتلين وصَلَفهم. حتى أنني أحسستُ بأنها، عَبْر تماسكها العنيد، وإصرارها على المرور من سُمّ الإبرة الصهيونية مهما طال انتظارها، إنما تهزأ في أعماقها من القهر الذي يسببه لها تعنّت الصهاينة. وأنها، على الرغم من قمع الاحتلال المفروض عليها بقوة السلاح، تزدري بشكل معلن أساليبه الخبيثة للالتفاف على حرية الحركة والحياة. ولقد بدا لي، أكثر من ذلك، أنها تقاتل بإرادة مذهلة من دون أن تلجأ إلى سلاح المحتلّين، الذي لا يتخلّون عنه حتى وهم يذهبون إلى المراحيض. سلاحها الأساسي هو حبّ الحياة، وهي تؤكّد بموقفها التاريخيّ، هذا، أنها لن تتخلّى عن كينونتها مهما طال أمد الاحتلال الكريه. فبقيت واقفاً مثلها أنتظر ساعات وساعات.
بعد انتظار طويل، في حرارة الصيف والتلوّث والازدحام، حتى لنكاد ننسى من نحن، جاء دورنا: رفيق دربي «فِراس»، وأنا، لنركب في باص عملاق مملوء عن آخره، ليس فيه مكان للجلوس. باص مثل عشرات غيره تنتظر العابرين في العراء. محركاتها تهدر بلا انقطاع، مضيفة، باستمرار، إلى تَلّوث النوء المقيم، تَلوُّثاً أشدّ سوءا. سينقلنا الباص العتيق مئات الأمتار، فقط، إلى حيث مركز العبور الفاغر فاه لابتلاع القادمين، وكأنهم السيل العرم. هناك، سيبدأ انتظار جديد لا مبرر له، ولا سبب، غير مزاح المحتَلّين الذين يريدون إرهاقنا لئلاّ نجيء مرة أخرى إلى فلسطين. انتظار مُريب، ينعدم فيه الزمن الواقعي، فتصير مُلْك المحتَلّ الذي سيُفَلّي أوراقك، رغم وضوحها، مثلما كانت جدتي «عَفْتَة»، ذات المئة وعشر سنين، تُفَلّي ثيابها من القمل في ضوء القمر، وهي لا تكاد ترى الجرْوَ بين رجليها في وضْح النهار.
سأنتظر طويلاً. سأنتظر زمناً يكفي لأكتب كتاباً. أنتظر واقفاً وماشياً وقاعداً وبلا مكان. أتابع الحشود التي تصل كالخيول البرّية، وتختفي في غياهب العبور، وأنا أنتظر، وينتظر معي بعض الأوربيين الآخرين. لكأن القصد هو إطالة انتظارنا القسريّ نحن الذين نملك من المستندات ما يمنعهم من إيذائنا، ويجبرهم في النهاية على السماح لنا بالمرور. وأسباب المماطلة لدى عساكر الاحتلال كثيرة. وعلينا، كل ساعة أو ساعتين، أن نجيب على سؤال تافه لا قيمة له بالنسبة لنا، ولا يعني لهم هـــم أنفسهم شيئاً. وأحياناً، يتركوننا نتكلم ويذهبون قبل أن يسمعوا الجواب على أسئلتهم الملَفَّقة. إنه الإرهاق النفسيّ الممنهج والصريح الذي يعني: لا تعودوا مرة أخرى إلى فلسطين! ونحن نقرر في نفوسنا عَكْس ما يريدون، حتى لنكاد نكتب جملة القرار على جباهنا: لكننا سنعود.
٭ روائي سوري