محمد النجار وعزت أبوعوف… مرايا الإبداع ووجع الرحيل

أيام قليلة هي التي فصلت بين رحيل المخرج محمد النجار ورحيل الفنان عزت أبوعوف، فكان الإحساس بالفقد لدى الجماعة الفنية والسينمائية واحداً ومشتركاً، حيث التأثر بالغياب لا يتجزأ، خاصة أن لكل من الفقيدين إسهامه الخاص في الساحة الفنية، رغم اختلاف التخصص والمرجعية الفنية والثقافية.
تعود مسيرة محمد النجار إلى زمن أبعد، ومرحلة أكثر ثراءً على المستوى النوعي للإبداع السينمائي، فقد شارك الرجل في صناعة عدد وفير من الأفلام المهمة في فترتي الثمانينيات والتسعينيات، إذ عمل مساعد مخرج مع نخبة من كبار المخرجين، منذ تخرج في المعهد العالي للسينما عام 1978 وظهرت بوادر تميزه كعنصر بارز بين زملائه.
«العمر لحظة وقهوة المواردي والحب فوق هضبة الهرم وسواق الأتوبيس وملف في الآداب والزمار وإعدام طالب ثانوي»، كلها أفلام شكّلت وعي المخرج الشاب، وأكسبته خبرات متعددة أهلته ليكون في ما بعد محمد النجار المخرج الكبير، الذي منحه نور الشريف الفرصة الأولى ليقف خلف الكاميرا، كمخرج يقدم رؤيته الخاصة في فيلمين مهمين هما، «الصرخة» و«زمن حاتم زهران»، وقد راهن النجم نور الشريف على مهارة النجار ووعيه المبكر، ولم يخسر الرهان، تماماً مثلما راهن على محمد خان في فيلم «ضربة شمس» وصار بعدها مخرجاً يشار إليه بالبنان.
هكذا كان الاكتشاف الأول للمخرج الراحل محمد النجار، اكتشافاً مقروناً بزخم المرحلة الفنية، وجرأة الإنتاج، والرغبة في التأسيس لجيل جديد من المبدعين، ولما تأكد صدق الموهبة لدى الشاب النابه الواعد، جاءت تجاربه الإبداعية متوالية، لتنبئ بالمستقبل الذي ينتظره، وعليه جاء فيلماه المهمان، «الهجامة» و«الذل» تاليين للتجربتين الناضجتين المذكورتين سلفاً، «الصرخة» و«زمن حاتم زهران»، ولكن لم تستمر فترة التميز طويلاً بحكم المتغيرات التي طرأت على سوق الإنتاج، فأفرزت الموجات الكوميدية الهزلية وغلبت ثقافة الفهلوة، وفرضت ذوقاً خاصاً يناسب القوة الشرائية في شباك التذاكر والمتمثلة في الحرفيين والمهنيين وأنصاف المتعلمين، بالإضافة إلى شريحة المراهقين من الصبية والشباب.

أهم محطات الراحل أبوعوف هي الفترة التي أسندت إليه خلالها رئاسة مهرجان القاهرة السينمائي، خلفاً لحسين فهمي، فتلك هي الفترة الذهبية لنجوميته ليس كممثل وإنما كإداري حاول مجتهداً أن يكون على قدر المسؤولية المحلية والدولية.

وبالطبع كان لذلك ردة فعل تأثرت بما حدث، فاضطر محمد النجار كغيرة من المخرجين لتقديم أفلام أقل بكثير في مستوى الشكل والمضمون، ترجمت الفوارق الجوهرية بين مرحلتي الثمانينيات والتسعينيات، ومرحلة الألفية الثانية، حيث قدم أفلامه، «رحلة حب وميدو مشاكل وعوكل.. وبحبك وأنا كمان»، وهي نوعيات تجارية لا ترقى لما بدأه وما كان يطمح فيه، لكنها مثلت المحنة التي أحاطت به وأجبرته على محاولة التكيف قسراً مع الواقع الجديد وتقديم عدد من التنازلات.
ونعود إلى عزت أبوعوف، الطبيب الذي ورث هواية الموسيقى عن والده الموسيقي، أحمد شفيق أبوعوف، واتجه لتأسيس فرقة مع شقيقاته عُرفت باسم فرقة «الفور إم»، وهي التي تميز أداؤها الموسيقي والغنائي بالإيقاع الراقص الخفيف، وكانت حينئذ تنافس فرقة محمد نوح، التي قدمت اللون نفسه، وقد خلقت «الفور إم» مع نظيرتها تياراً موسيقياً وغنائياً حاز إعجاب قطاع كبير من الشباب، استهواهم اللون الجديد والمختلف وشكل ذائقة سمعية ساهمت في فرض النوع الغنائي العصري، وعملت على اكتشاف مواهب من الجنسين، كان أبرزها المطرب محمد فؤاد الذي بدأ طريقه بمعاونة أبوعوف ثم عمل منفرداً وشق طريقة نحو النجومية، تلك التي غربت شمسها عن فرقة «الفور إم» تدريجياً بحكم السن والظروف، فتحول الأشقاء الثلاثة من أعضائها المؤسسين إلى العمل في السينما، قبل مرور عشر سنوات على نشاطهم الأصلي كموسيقيين ومطربين.
وقد قطعوا أشواطاً في التمثيل، واستمر الشقيق الأكبر ينوع ويغاير في أدواره، حسب المطلوب والمتاح، وقدم في هذا الإطار أدواراً تراوحت بين المتميز والضعيف على شاشة السينما، منها على سبيل المثال، «ليلة البيبي دول وبوبوس وخلطة فوزية وعمر وسلمى ورمضان مبروك أبو العالمين» وغيرها، وكذلك أدواره في التلفزيون جاءت محايدة، لا هي قوية ولا هي ضعيفة ومن ثم لا يُعتبر ما حصل عليه الفنان الراحل عزت أبوعوف فرصاً حقيقية، لأنه لم يتخط حاجز الدور الثاني، ولم يستطع أن يترك الأثر الخاص الذي يؤهله للبطولة المطلقة، أو يجعله على مقربه منها، رغم امتلاكه لمقومات النجومية في مرحلة الشباب.
في واقع الحال إن أهم محطات الراحل أبوعوف هي الفترة التي أسندت إليه خلالها رئاسة مهرجان القاهرة السينمائي، خلفاً لحسين فهمي، فتلك هي الفترة الذهبية لنجوميته ليس كممثل وإنما كإداري حاول مجتهداً أن يكون على قدر المسؤولية المحلية والدولية لواحد من أهم المهرجانات السينمائية المتخصصة في المنطقة العربية والشرق أوسطية، وربما ذلك المنصب المحوري الأهم، هو ما عزز كثيراً من حيثيته ووجوده داخل الوسط الفني، فأكسبه ألقاً وحضوراً زاد على موهبته كممثل وموسيقي.

٭ كاتب من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية