في منتصف التسعينيات كتب الشاعر الغنائي إبراهيم رضوان صاحب الأغنية الشهيرة “شدي حيلك يا بلد” مقالاً صحافياً في جريدة حكومية شهيرة انتقد فيه شاباً صغيراً، صرح في أحد البرامج التلفزيونية بأن مثله الأعلى المطرب الأمريكي مايكل جاكسون. ولما كانت لهجة النقد تهكمية وحادة، فقد قام والد الشاب برفع دعوى قضائية ضد الشاعر الكبير، وقضت المحكمة في حينها بالحكم ثلاث سنوات سجنا، وانقلبت الدنيا رأساً على عقب إزاء هذا الحكم، وتضامن عدد كبير من المثقفين والفنانين مع إبراهيم رضوان في حملة غير مسبوقة للمطالبة بإسقاط العقوبة، وبالفعل برأته المحكمة في جلسة لاحقة من تهمة ازدراء الشاب واعتبرت ما كتبه من قبيل النقد المباح وأقام الشاعر حفلاً كبيراً بهذا الخصوص.
ولم تكن هذه القضية الجماهيرية إلا رأياً موثقاً بحكم محكمة وانعكاساً لوجهة النظر الشعبية في مضمون ما يقدمه جاكسون من لون غنائي هو غريب بطبيعة الحال عن الذائقة الفنية والموسيقية للمجتمع المصري، وربما عزز من عملية الرفض الشعبي للمطرب الأمريكي الراحل ما تردد عن رأيه السلبي في الجمهور العربي الذي تتعاطى نسبة كبيرة من شبابه موسيقاه وأغانيه، وهو الرأي الذي مثل صدمة لقطاع كبير من الجمهور المصري الذي اعتبر التصريح عاريا من اللياقة ويمثل إهانة في حق المصريين والعرب.
وبرغم تزايد معدلات التوزيع لشرائط واسطوانات مايكل جاكسون في المحيط العربي، إلا أن فنه ظل محصوراً في دائرة الذوق الخاص جداً لدى بعض الشباب والمراهقين، ومن ثم باءت كل محاولات استنساخ جاكسون فنياً بالفشل ولم يتبق منه بعد الرحيل غير الصورة المرفوضة لشكل ومضمون أغانيه وألحانه.
ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد جاءت الحملة الهجومية على الممثل المصري محمد رمضان بعد الحفلة الغنائية التي أقامها له كبار متعهدي الحفلات في الساحل الشمالي اتساقاً مع حالة الرفض العام للتقاليع الغربية والأمريكية في الغناء والاستعراض، ولأن الشكل الأقرب لصورة رمضان على المسرح الغنائي اقترنت بالصورة الذهنية المختزنة لمايكل جاكسون صاحب الامتياز في الخروج عن كل التقاليد والنُسق، تعالت صيحات الرفض من عموم جمهور الساحل الشمالي باستثناء الآلاف من المعجبين الذين حضروا الحفل وهم كما ذكرنا يمثلون الشرائح الشبابية المأخوذة والمفتونة بنمط الفن الأمريكي والغربي.
وبتزايد الحديث عن تفاصيل الحفل وملابساته والشكل الدعائي المختلف الذي ظهر به محمد رمضان، اتسع نطاق اللوم والنقد ووجهت العديد من التساؤلات لنقابة الموسيقيين التي سمحت بمثل هذا النشاط الفني للنجم الشاب المصنف في الأساس ممثلاً لا مطرباً حتى وإن كان قد حصل على عضوية نقابة الموسيقيين.
لكن يبدو أن الهالة التي صُنعت لرمضان وحالة الاستعداد القصوى للحفل الصيفي الكبير كانت أكبر من كل التساؤلات ولا يمكن الإحاطة بها لتكييف الردود المناسبة للإجابة الوافية عن ظاهرة الممثل المطرب الذي اكتشف موهبته الغنائية فجأة فقرر أن يدخل ماراثون الغناء من أوسع أبوابه لينافس عمرو دياب وتامر حسني ومحمد منير ويتفوق عليهم بدعم مُطلق من الواقفين خلفه والعاملين على تثبيته كحالة فنية شاملة وجوكر يجمع بين التمثيل والغناء والاستعراض ويحترف تقديم الألبومات المصورة الدالة على أعراض الزهو الكامل بالقوة والتمكن والمباهاة في مكايدة صريحة لا تخفى على المراقبين للحروب المستعرة بينه وبين أبناء الكار الغنائي الاستعراضي الذي دخله الفتى الأسمر بقدمه اليسرى حين قدم ألبوماته، “مافيا ما فيا” و”أنا الملك” و”القمر” وغيرها، فجلب لنفسه المتاعب وبات مشغولاً بمعاركه الصغيرة والكبيرة وموقعه على قمة النجومية التي يطمح في أن يتربع عليها بمفرده!
وتتشابه حالة رمضان مع حالات أخرى لممثلين وممثلات مصريين من نفس جيله احترفوا الغناء أو يحاولون احترافه من باب الجمع بين المجالين تحسباً لانحسار الأضواء عنهم وعدم توافر فرص عمل مناسبة لهم في السينما أو التلفزيون بعد انقضاء مرحلة الشباب، أو الرغبة في توسيع المجال التأثيري لمواهبهم الإضافية واستثمارها على نحو يضمن لهم الانتشار ويضاعف من فرصهم في إثبات الوجود والبقاء تحت الضوء لأكبر فترة ممكنة.
وتضم هذه الفئة من الراغبين في الجمع بين التمثيل والغناء مجموعة من الأسماء يأتي من بينها دنيا سمير غانم وبشرى وسمية الخشاب ومي كساب كأصوات نسائية تزاحم المطربين والمطربات الحقيقيين وتسعى للحصول على جزء من كعكة المال والشهرة، وهو ما يؤكد أن ما أقدم عليه محمد رمضان من خطوات في هذا الاتجاه كان بدافع التجريب، قياساً على حالات سابقة ثم ما لبث أن تحول إلى واقع فرض نفسه وحالفه الحظ في تحقيقه، بينما خيب آمال الآخرين فصار هو النموذج الأوحد الموضوع بين قوسين.