الجزائر-“القدس العربي”: دخل الحراك الشعبي في الجزائر جمعته الـ 28 منذ انطلاق شراراته في 22 شباط/فبراير الماضي، أكثر من ستة أشهر مرت على هذه الانتفاضة الشعبية التي غيرت وستغير وجه الجزائر، والتي وضعت نقطة تحول في المسار السياسي الذي رسمه آل بوتفليقة للسلطة، الذين أرادوا استعباد الجزائريين إلى الأبد ونهب خيرات البلاد حتى تصل إلى حالة إفلاس، ثم الهرب إلى ملاذات آمنة للعيش تحت الشمس وفي الظل بالأموال التي نهبوها طوال عقود من جلوسهم على عرش الجزائر.
الأزمة الجزائرية ما زالت تراوح مكانها، رغم التقدم البطيء الذي تقوم به هيئة الحوار والوساطة التي يقودها كريم يونس، عمل تقوم به وسط حقل ألغام ومجموعة من العراقيل، فرغم نجاحها في الجلوس إلى عدد كبير من الأحزاب والجمعيات والنشطاء، وتمكنها من الإقناع بفكرة الحوار كمبدأ للبحث عن مخرج من الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، إلا أنه لا يمكن أن نقول إن هذه الهيئة التي ولدت ولادة عصيبة، تعاني من مشكل مصداقية، كما أنها تخوض في مواضيع أكبر من طاقتها (على الأقل حسب ما هو ظاهر) وهي غير قادرة على تنفيذ ما وعدت به قبل أن تشرع في مهمتها، خاصة ما تعلق بما سمته إجراءات التهدئة التي طرحتها قبل أن تقبل لعب دور الحوار والوساطة، والتي عرضتها على رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح، والذي وافق عليها، لكنه وإلى غاية كتابة هذه السطور لم يلتزم بها، خاصة ما تعلق بإطلاق سراح سجناء الحراك وتحرير وسائل الإعلام من الضغوط ورفع الطوق الأمني عن العاصمة خلال أيام المظاهرات.
ورغم أن كريم يونس ومن معه حاولوا طوال الأسابيع الماضية عدم التوقف عند قضية إجراءات التهدئة مفضلين الشروع في العمل، وانتظار أن تستجيب السلطة إلى مطالبهم، خاصة وأن قائد أركان الجيش الذي يعتبر الرجل الأقوى في النظام حاليا، أضحى يشيد بالهيئة وبالجهود التي تقوم بها على طريق إقناع مختلف أطراف الأزمة السياسية، لكن مع مرور الأيام والأسابيع بدأت هيئة الحوار والوساطة تنزعج من تأخر السلطة وتماطلها في الاستجابة لإجراءات التهدئة، والتي تفقد الهيئة مصداقيتها، وهو الأمر الذي قد يدفع كريم يونس إلى رمي المنشفة، وهو أمر إن تم سيؤدي إلى هدم كل الجهود التي تبذل من أجل الذهاب إلى حوار يفضي إلى تهيئة الأجواء التي تمكن من تنظيم انتخابات رئاسية، وهو الأمر الذي يحث عليه قائد الأركان في كل خطاباته، وإذا لم تسرع السلطة في لملمة الوضع والاستجابة إلى مطالب هيئة الحوار، والتي تعتبر مجرد إجراءات تهدئة، في انتظار إجراءات أخرى وقرارات أهم وأكثر صعوبة ما زالت في الانتظار، والتي ستكون خلاصة مطالب الأحزاب والجمعيات والحراك من أجل الذهاب إلى انتخابات رئاسية مثلما يريد النظام، ومن أجل الخروج من حالة الانسداد السياسي والقانوني والمؤسساتي التي تعيشها البلاد.
موقف قيادة الجيش ما زال ثابتا وذلك من خلال الخطابات الدورية التي يلقيها الفريق أحمد قايد صالح نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش، والذي أكد خلال ثلاثة خطابات هذا الأسبوع أن “المؤسسة العسكرية كانت حاضرة في كل المحطات الحاسمة التي عاشتها الجزائر، وما تزال عازمة على المساهمة بفعالية في تجاوز هذه المرحلة الدقيقة التي تشهدها بلادنا وتذليل الصعاب وتحييد العقبات ونزع جميع الألغام المزروعة من قبل العصابة في مختلف المؤسسات، وذلك انطلاقا من إيمانها العميق بنبل مهامها، التي تعهدت والتزمت بها أمام الله والوطن والشعب، بتأديتها بكل حزم وتفان مهما عظمت التحديات وكبرت الرهانات”.
وأضاف قايد صالح الذي كان في زيارة إلى الناحية العسكرية الثالثة أن “الجيش سيظل على الدوام الخادم الوفي للوطن، يُرابط على الثغور، ويحمي الحدود، ويبني ويطور كافة مكوناته، هدفه الأسمى هو الحفاظ على أمانة الشهداء الأبرار، وصون حاضر الجزائر ومستقبلها” موضحا أن “أماني العصابة وأذنابها ومن يسير في فلكها لن تتحقق، لأن المؤسسة العسكرية ستواجه وستتصدى بكل قوة وصرامة، رفقة الوطنيين المخلصين والأوفياء لعهد الشهداء الأبرار، لهذه الجهات المغرضة، ولن تسمح لأي كان المساس بسمعة الجزائر بين الأمم وتاريخها المجيد وعزة شعبها الأصيل، وسنعمل معا ومن دون هوادة على إفشال المخططات الخبيثة لهذه الجهات وهؤلاء الأشخاص المأجورين، الذين أصبحت مواقفهم متغيرة ومتناقضة باستمرار، لأنها وببساطة ليست نابعة من أفكارهم بل أملاها عليهم أسيادهم، الذين يتحكمون فيهم ويوجهونهم حسب أهوائهم، محاولة منهم تقزيم دور الجزائر إقليميا ودوليا، هذا البلد القارة الغني بتاريخه العريق، القوي بمواقفه المبدئية الثابتة، والثري بطاقاته وخيراته”.
مؤكدا أن “الشعب الجزائري الواعي والراشد لا يحتاج لوصاية أي جهة كانت، ولا يحتاج لمن يملي عليه ما يجب فعله، هذا الشعب الذي هو وحده من يختار بكل حرية وشفافية رئيس الجمهورية القادم، فبلادنا لا تبنيها العصابة التي لم تعرف أبدا حقيقة الجزائر وشعبها، ولم تقف إلى جانبه في أوقات الشدة والأزمات “.
الحراك الشعبي من جهته متواصل رغم كل الصعوبات والمعوقات، بل يمكن القول إنه يستعد لاسترجاع أنفاسه من أجل الشوط الثاني من المعركة التي يقوم بها من أجل تحقيق المطالب المرفوعة والتي ما زالت عالقة، خاصة وأن الصيف يستعد للرحيل، والدخول الاجتماعي على الأبواب، وهو الذي سيكون امتحانا حقيقيا للحراك، لأن عدد المشاركين في المظاهرات كان دائما موضوع جدل، بين من يرى أن الحراك فقد قواه وأنه يحتضر، فيما يرى آخرون أن تراجع أعداد المشاركين هو عطلة الصيف وارتفاع حرارة الجو، وأن الحراك سيعرف نفسا جديدا مع عودة العمال والطلبة من العطلة الصيفية، وهو ما من شأنه إعطاء زخم للحراك الشعبي، ما سيمثل ضغطا إضافيا على السلطة التي تخشى الدخول الاجتماعي لأن من شأنه تعقيد الوضع السياسي أكثر، خاصة في ظل عدم استجابة السلطة للمطالب المرفوعة من طرف الحراك، خاصة ما تعلق برحيل بقايا رموز بوتفليقة، خاصة رئيس الوزراء الحالي نورالدين بدوي.