زينة علّوش: التبني متواصل في لبنان رغم القرارات الأممية بمنعه

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: ورد في وثائق المؤتمر الأخير الذي عقدته جمعية “بدائل” حول التبني أن “ماريلين نجت من مجزرة مخيم تل الزعتر عام 1976 وجدها أحدهم على شجرة تناضل من أجل الحياة. حملها معه وسلمها لدير في الأشرفية. بعدها تبنتها عائلة فرنسية وهي في عمر أربع سنوات بعد تزوير وثائقها. عادت إلى لبنان سنة 2011 بحثاً عن جذورها، ما من أحد قدم لها معلومات، فالسجلاّت غير موجودة”.

وورد في كُتيب المؤتمر أيضاً تحت عنوان عمليات التبني المسجلة في بيروت: أشرفية 30 في المئة، رميل 50 في المئة، رأس بيروت 19 في المئة. وفي المتن: دكوانة 60 في المئة، عين سعادة 8 في المئة، منصورية 31 في المئة. وأن 95 في المئة من المتبنين في هولندا تم تسجيلهم بأسماء التبني وبأرقام تسجيل مدنية عائلية، و5 في المئة حملوا اسماءهم التي جرى تزييفها في السجلات المدنية للملجأ الذي كانوا فيه.

ومعروف أن التبني في لبنان ليس وليد الحرب أو نتيجة لها فهو متواصل ونشط حتى اللحظة. فبين 1995 و2018 سُجلت 144 حالة تبني إلى فرنسا. وبين 1999 و2017 سُجلت 133 حالة إلى الولايات المتحدة. وبين 1999 و2017 سُجلت 10 حالات إلى السويد، حالة واحدة إلى كل من استراليا وإيطاليا، تسع إلى كندا و24 إلى هولندا.

بالعودة إلى جمعية “بدائل” فهي تأسست عام 2014 بهدف إصلاح قطاع الرعاية البديلة في لبنان. وفي طليعة الأهداف الحق بالمعرفة للأشخاص الذين جرى تبنيهم بطريقة غير شرعية خلال فترة الحرب في لبنان، فكثير منهم يأتون بحثاً عن جذورهم. وتعمل الجمعية على مواكبتهم بحثاً عن شغف الإلتئام البيولوجي المعقد بسبب التزوير.

التبني متواصل ومزدهر في لبنان خاصة مع اللجوء السوري. حوله هذا الحوار مع رئيسة جمعية “بدائل” زينة علّوش:

*”لا أتمنى تجربة التبني حتى على لألد أعدائي”؟ كيف تقرأين في هذه العبارة التي وردت في مؤتمركم الأخير؟

**هي عبارة وردت على مدونة دانييل درنن الأعور للدلالة على مدى قسوة تجربة التبني على الأشخاص المتبنين، وبالرغم من العلاقة الجيدة التي قد ينسجونها مع العائلة المتبنية. دانييل جرى تبنيه من لبنان في بداية الستينيات وفي مرحلة سابقة بكثير للحرب الأهلية. وهو يعتبر من أشد المناضلين على الصعيد العالمي منادياً بحق المتبنين بالمعرفة. ومنادياً أيضا بمكافحة ظاهرة التبني الذي يعتبره ومعه الكثير من المتبنين، ظاهرة استعمارية أكثر منها ممارسة تخدم مصلحة الطفل العليا كما نصت عليها المواثيق الحقوقية. إنها عبارة تدحض فكرة أن التبني عبر البلاد هو عمل خيري، ينقذ طفلاً مشرداً أو يتيماً بمنحه عائلة جديدة وبيتا جديدا وجنسية جديدة. دانييل، وهو حاليا أستاذ محاضر في إحدى جامعات فانكوفر جرى تبنيه من لبنان إلى الولايات المتحدة وهو في سنته الأولى. أمضى سنوات من البحث في لبنان الذي عاد إليه لكي يستعيد هوية سُلبت منه. سنوات البحث أفضت أخيراً إلى اللقاء مع أمه على عتبة قبرها.

*لماذا مؤتمر جديد حول التبني؟

**بعد المؤتمر الأول الذي نظمته “بدائل” عام 2014 بمشاركة حوالي 15 شخصا جرى تبنيهم من لبنان إلى بلدان العالم كفرنسا، سويسرا، أمريكا وهولندا، عملت الجمعية على بناء قاعدة بيانات توثق حالات التبني من لبنان. ومنذ تاريخه وثقنا 3471 حالة تبني من لبنان، تُظهر جميعها أن المتبنين لم يكونوا أيتاماً بالمطلق، وأن هناك أماً ما زالت ربما تنتظر في العتمة لقاء طفلها بعد طول سنين. شكّل المؤتمر الأخير مناسبة لعرض نتائج تحليل التوثيق، ودعوة لوضع هذه المشكلة على الأجندة الوطنية. هؤلاء مواطنون مولودون على الأراضي اللبنانية، جرى تزوير وثائقهم وتسفيرهم عبر البلاد. وهم الآن يعودون بحثاً عن جذورهم، ولإستعادة الهوية الضائعة بفعل التزوير، وبفعل السلخ عن الأم والعائلة والبيئة والمجتمع. ومع انطلاق عمل “بدائل” كنا قد قدرنا عدد المتبنين من لبنان خلال الحرب الأهلية بـ 10 آلاف. إلا أننا نتأكد تدريجياً أن هذا الرقم هو أدنى بكثير من الرقم الفعلي. علماً أن هذه الممارسة ما زالت مستمرة حتى اللحظة وإن بوتيرة أخف في ظل غياب أي قانون مدني يرعي عملية الفصل، وبالتالي ينظم عملية التبني بما يتماشى مع مصلحة الطفل الفُضلى.

*قلتم بأن التبني تمأسس عام 1960 مع إنشاء مصلحة الإنعاش الإجتماعي في لبنان. هل من تفسير؟

**في ذاك العام مُنحت بعض المؤسسات رخصا لتسهيل عمليات التبني عبر البلاد، ومنها مؤسسات معروفة جداً وما زالت ناشطة إلى اليوم. إلا أن عملها في مجال التبني توقف نسبياً في ظل الضغوطات العالمية لضبط هذه الممارسة خاصة في البلدان التي لا تملك قوانين مدنية ناظمة للتبني كما لبنان. وهنا لا بد من الإشارة إلى معاهدة هاغ عام 1993 والتي تُحظّر عملية التبني عبر البلاد لأنها لا تصب في مصلحة الطفل. فهناك العديد من الدراسات التي تؤكد على أن أثر وضرر التبني عبر البلاد على الطفل، ليس أقل من ضرر الإيداع في المؤسسات الرعائية. لقد تطور علم الرعاية البديلة في العالم ويجب علينا أن نواكب هذا التطور، خاصة وأن التبني عبر البلاد كان أولاً بهدف تأمين طفل لعائلة تشتهي طفلا، وليس النظر في حاجة الطفل لعائلة بديلة، وهنا يكمن الإشكال الأكبر. الاتجاه العالمي الآن يصب كل الإهتمام على مكافحة العنف المؤسساتي الذي يجبر الأم (خاصة المنفردة) على التخلي عن طفلها لصالح التبني الدولي. وأيضاً مكافحة الفقر الذي يكون في أغلب الأحيان السبب في التخلي عن الطفل. فإن تمّ استثمار كل الأموال التي تنفق على تسهيل التبني عبر البلاد من أجل مكافحة الفقر ودعم الأم المنفردة، يتبقى عدد قليل من الأطفال الذين هم فعلاً بحاجة على عائلة بديلة. وهنا على التبني أن يتم في البيئة المحلية. وان لا يصار لتزوير الوثائق، والسماح بإعادة الوصل مع الأم البيولوجية، وعدم إخفاء الحقيقة عن الطفل ومنذ اللحظة الأولى. هكذا يكون التبني إنسانياً وليس تملكاً أو تعويضاً عن نقص عدم الإنجاب.

*لماذا يستمر التبني أو تهريب الأطفال من لبنان رغم انكفاء الحرب الأهلية؟

**هناك نظرة عامة إلى التبني كعمل خيري، ولذلك يتم تسهيل عبور الأطفال عبر الحدود من أجل التبني الدولي، علما أن التوثيق يؤكد أن كافة تلك المسارات يتخللها إنفاق أموال، وبالتالي هي تجارة مربحة ولكنها تحصل تحت غطاء العمل الخيري. لذلك لا بد من إيجاد قانون مدني، خارج سلطة المحاكم الروحية، يرعى عملية الفصل، ويحدد الأشكال البديلة والأنسب لمصلحة الطفل.

*ما هو الهدف من إحصاء يحدد نسبة التبني في مناطق متفرقة من لبنان؟

**لم نتعمد التركيز على مناطق معينة دون أخرى، ولكنه تحليل وصفي لمناطق الاستحصال على شهادات الميلاد وهي مزورة في معظم الأحيان. أظن أن تمركز عملية استصدار الأوراق في العاصمة هو الطريقة الأضمن لعدم قدرة الأم البيولوجية على اقتفاء أثر طفلها.

*لماذا أقرت كندا تعويضات مالية للمتبنين سنة 2018؟ وهل الهدف راحة ضمير القائمين بالتبني؟

**جاء هذا الإقرار نتيجة سنوات طويلة من نضال المتضررين من التبني خاصة من السكّان الأصليين في كندا في عائلة أوروبية. جاء هذا التعويض كتأكيد على الأثر السلبي الذي خلفته هذه الممارسة على ضحاياها. هو إقرار حكومي بأن التبني لم يكن في مصلحة الطفل وأنّ أثره عميق. وتؤكد الدراسات في كندا أن أثر التبني قد يصل إلى الجيل الثاني والثالث.

*هل يمكن تحديد شكل وأطر تبني بضرر أقل على المُتبنى وعلى المتبنين معاً؟

**كما ورد سابقا، التبني عبر البلاد هو ممارسة محظورة بحسب معاهدة هاغ 1993. ويجب التركيز على الوقاية عبر دعم الأسر الفقيرة والأم المنفردة. عندها يصبح عدد الأطفال الذين هم فعلا بحاجة إلى أسرة بديلة أقل. وكما نصت المعايير الدولية للرعاية البديلة الصادرة عن الأمم المتحدة عام 2009 على أن يتم التبني ضمن البيئة المحلية للطفل، من دون تزوير الوثائق، وإخفاء الحقائق، والسماح للطفل بالتواصل مع أمه عندما يكون الأمر متاحاً. وهذا ما يسمى بالتبني المفتوح.

*من ضمن توصياتكم “توفير حماية لقرار آمن ومستنير للأم المنفردة”. هل لهذا القرار أن يصبح حقيقة في عالمنا العربي؟

**نعلم مدى صعوبة هذا الموضوع، ولكنه ليس مستحيلا وعلينا المثابرة. بتضافر الجهود من قبل الجمعيات المعنية يمكننا أن نخطو إلى الأمام. المثابرة واجب.

*أوصيتم بالحق في الحصول على المعلومات. من يضمن هذا الحق؟

**تضمنه المعاهدات الدولية كإعلان حقوق الإنسان واتفاقية حقوق الطفل. وعلى القانون المحلي أن يضمن هذا الحق، والأهم أن يسعى إلى تطبيقه عبر إلزام المؤسسات التي تملك هذه المعلومات بفتح ملفاتها كما حصل في صيف 2019 في كندا. فقد تمّ إجبار كل المعنيين بعمليات التبني بفتح الملفات وضمان حق الشخص المعني بالمعرفة، وبالتالي الوصول إلى معرفة الجذور واللقاء مع الأم البيولوجية.

*هل توجد في لبنان أو العالم العربي تشريعات خاصة بالتبني؟

**في لبنان ليس هناك قانون مدني يرعى عملية التبني، بل هو متروك للمحاكم الروحية في أغلب الأحيان. على المستوى العربي تونس هي الدولة الوحيدة التي أقرت قانونا مدنيا للتبني.

*هل من خريطة واضحة يعتمدها الباحثون عن جذورهم؟ هل يبدأون من الصفر نتيجة تزوير اسمائهم وتلف مستندات ولادتهم؟

**هم دائما ينطلقون من الوثائق التي وصلت إليهم عبر العائلة المتبنية. وهي وثائق مزورة في أغلب الأحيان، وفي أحيان أخرى تكون المعلومات مغلوطة عن قصد. مؤخرا جرى تسريع عملية اللقاء عبر فحوص “دي أن أيه”. لكنها عملية تتطلب دقة ومثابرة والأهم ضمان سلامة الأم البيولوجية، فهي في الأغلب قد أخفت سرها ولا نعرف ظروفها الحالية.

*هل من شرح لسطر ورد في مقرراتكم “ممارسات مخيفة نتيجة اللجوء السوري”؟

**في أزمات اللجوء والحروب والكوارث تنشط شبكات التهريب ولا سيما تهريب الأطفال بغرض التبني. لقد سمعنا كثيراً عن ظاهرة تزويج القاصرات. ألم ينتج عن تلك الزيجات أطفال؟ أين هم؟ وما هو مصيرهم؟

*بعد الحروب المتواصلة منذ سنوات في سوريا، اليمن، ليبيا والعراق هل يحتاج التبني إلى مؤتمر عربي عام؟

**هناك حاجة ملحة لعقد مؤتمر أممي للتداول في أوضاع الأطفال غير المصاحبين ومصيرهم. ما زالت ترددات ممارسات فصل الأطفال على الحدود الأمريكية تصلنا. هناك حاجة لخطة طوارئ عالمية. وعلينا في لبنان والعالم العربي أن نعي خطورة هذا الموضوع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية