بعد بزوغ وأفول نجم الشاعر البولوني الرومانسي الخالد آدم ميتسكيفيتش دخل الشعر، في بولونيا، ضمن دوامة من العلاقات المعكوسة، بحيث تراجعت الكلمة لصالح الفكرة. واستمرت هذه المعاناة حتى بواكير الحداثة، وانتقال الشاعر من التفكير بشكل قصيدته وأدواتها إلى الحساسية الشعرية. وهكذا وجد الشعراء أنفسهم في معسكر من اثنين.
– الأول وفيه يبحث الشاعر عن مفردات نوعية خاصة لها رصيد في خبراته وتجاربه (وهذا شأن جيسلاف ميوش وآدم زاغاييفسكي). فقد أضاف الاثنان الكثير من الاشتقاقات والتراكيب لمعجم اللغة الشعرية، وكان همهما الأول هو معاناة الذات وليس المواطن تحديدا. بمعنى أنهما وضعا الذات فوق النموذج. ويمكن التأكيد على أن تجربة الإنسان المفرد سبقت الجماعة. وأي نتيجة عامة لم يكن الوصول إليها ممكنا إلا من خلال عبور بوابة الأفراد وذاكرتهم وماضيهم. وهكذا رسما صورة مركبة لإنسان غامض وضائع في ملكوت أفكاره وأحاسيسه. وأستطيع تشبيه تجربة ميوش بـ«المخاطبات» للنفري. فقصائده اعترافات وابتهالات تجريدية موجهة لقوة غير محددة. ومع أنه شاعر سيريالي، يضع أحلامه وكوابيسه فوق الواقع، كان لديه نزوع للتصوف أو لتعويم علاقة الروح بميتافيزياء العالم. كانت كل فكرة لديه تطابق صورة متخيلة، هي على الأرجح، رمز لروح الإنسان المعذب والمقيد بسلاسل الضرورة والحاجة، وإذ ركز ميوش على اللامعقول، فهو في واقع الحال، يرسم بورتريه للفوضى التي تعصف بحضارة بلاده. لم يعد هناك تطابق بين الصورة والروح. وكانت العلاقة بينهما في أضعف حالاتها. وتحولت الحياة لما يشبه كابوسا عجيبا. وهنا يجب الانتباه إلى أن حالة الرعب لا تدل عنده على خوف النظام ولكن على عزلته، ولا تشير لضعف الأفراد ولكن لاختلافهم مع ماضيهم ومع أنفسهم. وبهذا المنطق صور ميوش عزلة الأفراد بمفردات رقيقة يخيم عليها الغموض النفسي، كقوله في قصيدة «النضج المتأخر»:
شعرت بباب ينفتح في داخلي، فدخلت
إلى وضوح الصباح الباكر.
هل هي ترحل،
واحدة بعد أخرى حيواتي السابقة،
مثل السفن، ومعها أحزانها؟
فالبلدان، والمدن، والحدائق، وخلجان
الأنهار
المكتوب عليها التلامس، أصبحت أقرب.

وفي الاتجاه نفسه كان زاغاييفيسكي يضغط لترتيب علاقات الفرد مع مجتمعه، بحيث يأتي الباطن فوق المعقول والإدراك، وحتى في أكثر قصائده ماركسية وتعقلا وهي «ماركس العجوز»، كانت الطبيعة الموحشة هي التي تقود البشر. والمقصود بالطبيعة: الظلام والبرد القارس والجليد. ولكن هذا لا يعني أنها قصيدة بدون مضمون سياسي. بالعكس، فعناصر الطبيعة المضطربة ونوستالجيا خريف العمر، ليست في الحقيقة إلا إشارة لتدهور الأوضاع في عموم البلاد، واستعداد النظام للسقوط. فتوظيف العناصر حمل دلالة رمزية بشحنة عالية بطريقة شكسبير في «العاصفة». فقد كانت الأنواء هي البديل عن الهيجان النفسي، ولكن اهتمام شكسبير بأدوات التشبيه الرومانسية انتقلت على يد زاغاييفيسكي إلى تحويل فرويدي. وكان المجاز يمر في الذاكرة لتشذيبه من المبالغات الرومانسية، وليطابق بين ذات المجتمع وموضوعية الشاعر، وهذه هي نقطة التفارق عن الحداثة الرومانسية والتبشير بحداثة واقعية أو حداثة أحوال ومواقف.
كان شيمبورسكا ظاهرة (بمعنى اتجاه أو خط فني)، وحرصت شخصيا على العلاقة الجدلية بين الشكل والمحتوى، أو ما تشير له بالأعلى والأسفل. ومن هذه النقطة بدأ هيربيرت. جدير بالملاحظة أنه توسع بتحوير كلمة «لوغوس» الإغريقية لتصبح «السيد كوجيتو».
– المعسكر الثاني اقترب من المعنى التاريخي للواقع، وبصيغ يغلب عليها المجاز والاستعارة، للتهرب من مقص الرقيب، وفي الوقت نفسه لعدم التضحية بأدوات الشعر. وكان الشاعر في هذه الحالة ملتزما بالإملاءات أو تعليمات السلطة، مع حقنها برؤية فنية تتجاوز الواقع المادي إلى واقع صناعي عماده الأمنيات والأفكار. وفي مثل هذه الحالة كانت تسود القصائد روح عبثية، خلّفها نوع من الحزن الشفاف والحيرة المبهمة، مع كثير من اليقظة والانتباه. بلغة أوضح: كان الشاعر يراقب نفسه كي لا تحاسبه السلطة. وهذا هو حال فيسوافا شيمبورسكا وزبيجنيف هيربيرت. وكلاهما شاعر أفكار وليس تجربة. ولا أدل على ذلك من بنية القصيدة عند الشاعرين. فشيمبورسكا حشدت لمعجمها مجموعة من المفردات العلمية المستعارة من علوم الإحصاء والأركيولوجيا والكيمياء. وكانت توظفها بطريقة الاستعادة.. كل فكرة علمية تربطها بحادثة من التاريخ السياسي القريب، كاستعمال الغاز في المحرقة (بأسلوب تاديواش الساخر والمؤلم في قصته المعروفة: من هنا أفران الغاز أيها السادة). أضف لذلك المشابهة بين العلوم التطبيقية وعاطفة المجتمع.
مثلا تقول في قصيدة «حفريات»:
هناك شيء في الأعلى وشيء في الأسفل.
أشلاء محرك، وعنق أنبوبة، صورة
وبوصة من سلك معدني. وأصابع تحولت إلى غبار.
وتضيف في قصيدتها «كلمة عن الإحصاء»:
من بين كل مئة شخص
الذين لديهم معرفة أفضل:
اثنان وخمسون.
ومن لا يعرف أين يسير:
تقريبا بقية المئة
الجاهزين للمساعدة،
إن كانت لا تتطلب وقتا طويلا:
تسعة وأربعون…
والطيبون دائما،
لأنه لا مجال أمامهم للاختيار:
أربعة، حسنا، ربما خمسة.
وكان لأسلوب هذه القصيدة أثر ملحوظ على شعر الأجيال التالية. لقد تسببت بانتشار شعر «الحساب» أو شعر «الأرقام». ومثال على ذلك قصيدة «غير مولودة» لآنا سويرجينسكا. وتقول فيها:
أنا لست مولودة بعد
ما زلت قبل الولادة بخمس دقائق،
ويمكنني العودة
لما قبل الخلق.
وها هي المسافة الفاصلة تبلغ عشر دقائق،
وها هي المسافة الفاصلة تصل لساعة،
أنا أستدير للخلف،
وأمشي،
وأعدو،
وأسقط في إشارة ناقص حياة.
لقد كان شيمبورسكا ظاهرة (بمعنى اتجاه أو خط فني)، وحرصت شخصيا على العلاقة الجدلية بين الشكل والمحتوى، أو ما تشير له بالأعلى والأسفل. ومن هذه النقطة بدأ هيربيرت. جدير بالملاحظة أنه توسع بتحوير كلمة «لوغوس» الإغريقية لتصبح «السيد كوجيتو». فنظام العقل الكلاسيكي تكسّر لديه على جدار نظام المعرفة التي تتبع آلة البروباغاندا (أو ماكينة الإعلام). وفي هذه المنطقة الرمادية كان بوسعه أن يتهكم من النظام باستعمال مفردات معتدلة، أو أن يسخر من موضع بولونيا في المجتمع الدولي، وبمفردات معروفة، ومفهومة، ويتداولها إعلام النظام نفسه. واعترف هيربيرت في عدة مناسبات بأن اختياراته الفنية فرضها خوفه من النظام. وأن مشاعر الرهبة هي التي دفعته ليكون واضحا بقاموس مفرداته وغامضا بمعانيه.
وعن ذلك يقول في قصيدة «خوفنا» من كتابه المعروف «التجربة البولونية»:
خوفنا
لا يرتدي قميص النوم وليس له عيون البوم،
لا يرفع قبعة عن رأسه
لا يطفئ شمعة
وكذلك ليس له وجه الرجل الميت.
ويختم هذه الصورة العبثية والساخرة بقوله:
فالأموات متعاطفون معنا
نحن نحملهم على أكتافنا
وننام معهم تحت غطاء سرير واحد
ثم نغمض أعينهم
ونطبق شفاههم
ونختار أرضا جافة
ثم ندفنهم فيها.
ليس على أعماق بعيدة
وليس على مسافات قريبة من سطح الأرض.
لقد أصبحت بيوت وأماكن العمل مثل المدافن، وخدر الأحياء أنفسهم بماكينة الإعلام والبروباغاندا. وامتنعوا عن التفكير والقياس والاستنتاج. واستحقوا عن جدارة صفة «أموات».
وفي كل الحالات السابقة كانت غاية الشاعر أن يتصالح مع نفسه باعتبار أنه لا يوجد أي فرق فعلي بين الذات والمبدأ، أو بين القصيدة والمعنى. وفرض عليه ذلك أن يخون اللغة، وأن يرتكب بحقها تجاوزات. بتعبير آخر: لم تعد للكلمات المعاني المتوقعة والقديمة نفسها، ولكن كانت تفاجئ نفسها. ومن هذه النقطة تفرعت تيارات الحداثة، ابتداء من قصيدة تعمل على توزيع المعاني ونقل الصيغ والصور من حالة مفهومة إلى ما يشبه الأحجية. وانتهاء بالقصيدة العقائدية التي تضع تجربة الإنسان مع وجوده بالذات في العالم وبجوارالقانون والضرورة والأسباب وغير ذلك.
٭ كاتب سوري