القاهرة ـ «القدس العربي»: استحوذت مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في أعمال المؤتمر الدولي السابع لقمة شيكاد للتعاون بين اليابان والبلاد الافريقية، الذي عقد في اليابان بصفته ممثلا للقارة الافريقية، ومحادثاته مع رؤساء الدول ورؤساء بعض الشركات اليابانية العملاقة مثل، ميتسوبيشي وطلبه منها زيادة استثماراتها في مصر، وكذلك زيارته للكويت وإجرائه محادثات مع أميرها، والتباحث حول زيادة الاستثمارات الكويتية، التي تعد الثالثة عربيا بعد السعودية والإمارات على اهتمام الصحف. وأعادت الصحف المصرية الصادرة يومي السبت والأحد 31 أغسطس/آب و1 سبتمبر/أيلول التذكير بالعلاقات التاريخية القديمة منذ الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي مع الكويت، حيث كانت مصر ترسل لها ولدول خليجية أخرى المدرسين والكتب والكراريس والأقلام مجانا، وتستقبل طلابها في جامعاتها. واهتمت الصحف كذلك بالقضايا الداخلية مثل مواصلة وزارة الداخلية حملاتها على أوكار البلطجية وتجار المخدرات، وضبط عشرات السيارات في حملات سابقة وتسليمها لأصحابها. وواصلت الحكومة حملاتها لإزالة التعديات على نهر النيل، ووصلت إلى حوالي أربعة آلاف إزالة في الشهر الماضي. أما المقالات فقد كانت عن الحكومة والعام الهجري الجديد وذكرى الهجرة النبوية الشريفة. وإلى ما عندنا….
«هذه العبارة مجاملة أم نفاق؟»
سخرية من الوزراء والمحافظين الذين يرددون عبارة بناء على توجيهات الرئيس وجهل وانعدام كفاءة مقدمي البرامج
ونبدأ بالحكومة ووزرائها والهجوم العنيف الذي شنه في «الأهرام» محمود دياب عليهم بسبب العبارة التي يستخدمونها، ومعهم المحافظون لدى القيام بأي عمل بأنه تنفيذا لتعليمات الرئيس وقال تحت عنوان «هذه العبارة مجاملة أم نفاق؟»: «عبارة بناء على توجيهات الرئيس التي يرددها المسؤول دائما في تصريحاته، عند الإعلان عن أي خطط أو إنجاز، لا بد أن تختفي من قاموسه، لأنها تدل إلى شيئين لا ثالث لهما، إما أن المسؤول الأكبر فعلا هو من أصدر التوجيهات، وهذا يبين أن المسؤول الأصغر مقصر في عمله، ويوجهه المسؤول الأعلى منه، أو يردد هذه العبارة مجاملة أو نفاقا أو رياء للمسؤولين الأعلى منه، حتى يكسب رضاهم أو يتقي غضبهم، ويستمر في منصبه. وتترد هذه العبارة كثيرا عندما يتم القبض على لص أو ما شابه ذلك، وتجد التصريحات، إنه بناء على توجيهات فلان وفلان قامت القوة بعملية الإمساك باللص، وأحيانا كثيرة لا يكون للمسؤول الأعلى أي علم بما تم، أو ليس هذا طبيعة عمل هذه الأجهزة، وليست توجهات عليا من قيادتهم، وتجد أيضا هذه العبارة على لسان القيادات والوزراء، إنه بناء على توجيهات تم عمل كذا وكذا، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر حملات إزالة التعديات على أراضي وأملاك الدولة، التي أظهرت مدى النهب والجرم الذي حدث على أراضي مصر من المنتفعين وسارقي حق الدولة والشعب، أليست محاربة هذه الفئات والضرب من حديد على يد هؤلاء اللصوص واسترداد أراضي الدولة من السارقين من طبيعة عمل المحافظين والمحليات، وإنهم لم يتحركوا إلا عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارا بإزالة هذه التعديات، وعلى الفور شحذت الهمم وشمر المحافظون عن سواعدهم في إزالة هذه التعديات».
شماعة الدولار!
وتوالت الهجمات فوق رأس الحكومة ووزرائها ففي «الجمهورية» شن سمير رجب هجوما ضد وزارة التعليم العالي، بسبب رفع مستشفى جامعة الإسكندرية سعر جلسة الغسيل الكلوي وقال: «انطلاقا من التصريح الذي أدلى به مؤخرا وائل نبيل رئيس قطاع المستشفيات الجامعية في جامعة الإسكندرية، الذي قال فيه، إن سيادته قرر رفع ثمن جلسة الغسيل الكلوي من 325 جنيها إلى 500 جنيه للمرة الواحدة، متحججا بزيادة أسعار المستلزمات الطبية التي يتم شراء معظمها بالدولار، الذي هو الشماعة دائما لكل من هب ودب، الدكتور خالد عبد الغفار وزير التعليم العالي: بالله عليك هل يرضيك ذلك وهل أنت موافق على ما فعلته جامعة الإسكندرية؟ أنا شخصيا أشك».
فوضى الجامعات
أما عن مشاكل التعليم فقد سخر الكاتب الساخر عاصم حنفي في مجلة «روز اليوسف» من فوضى الجامعات الخاصة والتعليم الجامعي، وما تتعرض له الأسر من استغلال تصمت الحكومة عنه وقال: «ما هذه الهوجة من الجامعات الخاصة، جامعة أمريكية وبريطانية وفرنسية وكندية، وحتى روسيا الشيوعية أصبحت لها جامعة عندنا، جامعة رأسمالية على الموضة تقبض الشيء الفلاني كمصاريف سنوية، والمشكلة أن معظمها جامعات تقليدية تقلد الجامعات الحكومية، وتقلد مناهجها الدراسية، مع أنه من الواجب أن تضيف جديدا، وأن تبتكر فروعا مختلفة للدراسة. الجامعات الخاصة هي الوسيلة والسبيل لكي تضمن لابنك وظيفة حلوة بعيدا عن سخافات مكتب التنسيق، الذي يساوي بين الرؤوس. الجامعة الخاصة رغم أنها لا تقدم شيئا متميزا لطلابها، إلا أنها تقدم لهم الوسيلة والسبيل لشغل الوظائف المتميزة، عمرك شفت خريج جامعة أمريكية يعمل معك في إدارة المستخدمين بالشركة أو المصلحة، يختصر سنوات البهدلة ويعين في التو واللحظة في وظيفة المدير والعضو المنتدب في حين أن وظيفة كاتب المستخدمين محجوزة لأبناء حضرتك».
تضاعف أسعار المدارس الخاصة
وفي «الدستور» شنت أميرة ملش هجوما آخر على صمت الحكومة عن استغلال المدارس الخاصة والدولية لأولياء الأمور وقالت: «أسعار المدارس الخاصة والدولية تقريبًا تتضاعف كل عام عن الآخر، وتجد الأسرة نفسها ما بين اختيارين كلاهما صعب، إما الدفع أو عدم ذهاب الأولاد للمدرسة، مع التفكير في نقل الأولاد إلى مدرسة أخرى العام المقبل، أقل في المصاريف، وأقل بالطبع في المستوى، لتكون التضحية هنا بمستوى التعليم الذي يتلقاه الطالب، وهنا تكمن الأزمة التي من الضرورة بمكان أن تجد لها وزارة التعليم حلًا عاجلًا ومناسبًا، وهي أن التعليم الجيد الذي يخرّج لنا جيلًا من الأطباء والمهندسين والمحاسبين، وفي كل المجالات يصلح لتطوير وتنمية البلد غالبًا، لن يكون موجودًا لو لم يتلق تعليمه في مدارس خاصة ودولية، لأنها بالفعل الوحيدة التي تقدم تعليمًا حقيقيًا، وفي كل بلدان العالم التعليم ما قبل الجامعي هو الأهم والأساس، ونرى ذلك في دول مثل: ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، فهي دول تهتم كل الاهتمام بالتعليم قبل الجامعي، لدرجة أن المرحلة الابتدائية يدرس فيها أهم وأكفأ المدرسين، وأحيانًا تصل إلى أن أساتذة الجامعات يدرسون لهذه المراحل، ولكن هذه المدارس في مصر تغالي في مصاريفها، لدرجة الفُجر، فهي أصبحت سببًا في إفلاس أسر بالفعل، كما أنها أيضًا تغرب التلاميذ عن بلادهم، وتجعلهم بشكل ما يحتقرون أوطانهم، ويتمنون الهجرة منها، فهي كذلك تخلق بشكل حقيقي ومستفز مشكلة من نوع آخر غير المصاريف الباهظة، وهي الانتماء للبلد ولأهله، فهي تخرب العلاقة بين الطالب وبلده، وتجعل مشاعره فاترة لوطنه وبشكل صريح، لعل المشكلة تكمن أولًا في عدم وجود مدارس حكومية تقدم جودة التعليم نفسه، الذي تقدمه هذه المدارس، حتى لو كانت بمصاريف، ولكنها بالتأكيد لن تكون بجنون المدارس الخاصة، وأعتقد أن الاهتمام بالتعليم الحكومي عمومًا لا مفر منه، وثانيًا وضع رقابة صارمة من الدولة ووزارة التعليم على هذه المدارس، حتى لا ترتفع مصاريفها كل عام بهذا الشكل غير المعقول، لأن المفترض أن تحقيق التعليم والمنفعة هو الأول وليس البيزنس والفلوس، فقد تحول التعليم للأسف إلى بيزنس وسبوبة».
وما قالته أميرة اكده زميلنا وصديقنا والرسام الموهوب عمرو سليم في المصري اليوم فقد اخبرنا أن ظاهرة دفع مصاريف المدارس تتم مع حرائق غابات الامازون ودليله على ذلك انه شاهد مواطنا بائسا جيوب بنطلونه الخاوية مشتعلة فيها النيران.
عدالة مطالب الأكاديميين
محمد سعد عبد الحفيظ في «الشروق» يقول: «قبل أيام أطلق عدد من أساتذة الجامعات هاشتاغ «علماء مصر غاضبون»، لتسليط الضوء على ما وصفوها بأوضاعهم «المعيشية والمهنية المتردية»، التي لا تزال «رهن قوانين قديمة ترجع إلى سبعينيات القرن الماضي». رغم عدالة مطالب الأكاديميين إلا أن بعض المنصات الإعلامية قصفت حملة غضبهم، فوصفتها مرة بـ«المكيدة الإخوانية» وأخرى بـ«آخر حيل الجماعة الإرهابية لإثارة البلبلة»، في محاولة للجم حالة التفاعل مع الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي. منطقية مطالب الأساتذة وقوة تأثير الحملة في ساحات الجامعات، دفعت عددا من الأصوات العاقلة المسموعة إلى الانتصار لها، وهو ما نفى عنها شبهات الأخونة. الدكتور جابر نصار أول رئيس لجامعة القاهرة بعد 30 يونيو/حزيران أشار إلى أن «تجاهل غضب وآمال أعضاء هيئة التدريس وعلماء مصر من أوضاعهم البائسة أمر غير صحي وليس في مصلحة أحد». ورد نصار عبر صفحته الرسمية في موقع «فيسبوك»، على المشككين في حملة «علماء مصر غاضبون» قائلا، إن «اتهامهم في وطنيتهم مصيبة سودة»، مطالبا بتفهم غضب الأكاديميين «تفهموا غضبهم ولبوا مطالبهم». أما رئيس جامعة القاهرة الحالي الدكتور محمد عثمان الخشت، فعلق على حملة العلماء خلال مؤتمر صحافي عقد الأسبوع الماضي بقوله: نعمل على زيادة موارد أعضاء هيئة التدريس وتوفير مصدر إضافي للدخل لهم، بزيادة مكافآت الأبحاث العلمية، ومكافآت النشر الدولي ومناقشة الرسائل العلمية والبرامج الخاصة». الحملة ليست حيلة أو مكيدة كما روج البعض، وكلام رئيسي جامعة القاهرة الحالي والسابق، يدعم موقف الأساتذة الغاضبين، ويثبت أن هناك خللا في تقدير البحث العلمي، وهو ما شرحه الأساتذة والباحثون في تغريداتهم على هاشتاغ الحملة، فالأوضاع أكثر من مؤسفة، ولا يليق بدولة بحجم مصر أن تكرس حكومتها استثماراتها في الحجر، وتتجاهل الاستثمار الحقيقي الذي توضع عليه أساسات الدول، بتعبير أحد الأساتذة المشاركين في الحملة. برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي بدأت الحكومة تنفيذه قبل 3 سنوات أثر على الطبقة الوسطى بكل مكوناتها، وفي القلب منها أساتذة الجامعات، فالأسعار تتضاعف بما لا يتناسب مع الزيادة الضئيلة في الرواتب، وإذا كانت الحكومة تدعي أن هذا البرنامج سيخرج مصر من عنق الزجاجة، فإن إهمال البحث العلمي وتدهور الأحوال المعيشية للعلماء، يجعل أي الجهود المبذولة حرثا في البحر، فالعلم هو القاعدة الحقيقية لأي بناء. قبل رحيله بسنوات سئل العالم الكبير أحمد زويل «هل لديك ثقة في العقلية المصرية؟» فأجاب: بالتأكيد، لكن إذا وضعناها في الطريق الصحيح، فالمصريون في الخارج يقودون عجلة الإنتاج على المستوى العالمي، لكننا للأسف كنا نفعل شيئا من اثنين: إما أن نطفشهم للخارج أو نهمل استغلالهم. غضب العلماء مبرر، فكادر البحث العلمي والتعليم الجامعي لم يعدل منذ عام 1972، ومخصصات البحث العلمي لم تزد عن 0.72٪ من إجمالي الناتج المحلي. ذكر التاريخ لوالي مصر سعيد باشا الكثير من الإنجازات، فالرجل صاحب الفضل في إصدار لائحة أعطت الفلاحين الحق في تملك الأراضي، وطهر ترعة المحمودية، وأتم الخط الحديدي بين القاهرة والإسكندرية ومد خطا آخر بين القاهرة والسويس وغيرها من الإنجازات التي لم تصمد، فقد انتهت بـ«تخريب مصر» على حد قوله هو، حسب ما نقله نوبار باشا في مذكراته. قال سعيد وهو يذرف الدمع قبل رحيله «لقد خربت مصر.. خربتها تماما.. ماذا سيقول عني التاريخ»، في حين حاول سكرتيره نوبار باشا مواساته وتذكيره بإنجازته التي حققها لمصلحة الشعب المصري، إلا أن هواجس الوالي وخوفه من حكم التاريخ ظلت تطارده. أهمل الرجل التعليم وحقّر شأن العلماء، وأوقف المشروع الذي وضع والده محمد علي قواعده، فتوقفت البعثات العلمية للخارج، وأغلق المدارس العليا وألغى ديوان المعارف، وبرر سعيد ذلك بمقولته الشهيرة «أمة جاهلة أسلس قيادة من أمة متعلمة»، فدفنت الإنجازت في المتون وبقيت تلك العبارة تطارد الوالي باعتبارها عنوان فترة حكمه. إن الوسيلة العظمى لإسعاد الشعوب والحكام معا هي احترام مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، ولا سبيل لتقدم الأمم إلا بالعلم والفكر»، تلك هي وصفة الإصلاح الحقيقية التي وضعها رفاعة الطهطاوي قبل قرن ونصف القرن، ودونها يحل الخراب».
الضريبة العقارية ليست آخر العنقود
وفي «الأخبار» تهكم أحمد جلال على فرض الحكومة ضريبة على رؤية البحر في قرى الساحل الشمالي فقال: «لم تعد الضريبة العقارية هي آخر العنقود فقد رزقت الحكومة مؤخراً بضريبة جديدة وللتمويه ومنع الحسد أطلقت عليها اسم «رسوم انتفاع بالشواطئ» وهي رسوم بالملايين المتلتلة، يدفعها مُلاك قرى الساحل الشمالي وغيره ثمناً لاستمتاعهم بمنظر البحر وحتى الآن لم يتضح هل يتم الحساب بسعر الاستمتاع بالبصة الواحدة للبحر؟ أم أن هناك باقات للبص بأسعار مختلفة، وكل واحد حسب إمكانياته المادية مبروك على الحكومة ضريبة البحر وعقبال ضريبة الجو».
«المال السايب في المساجد»
واختار أحمد باشا رئيس تحرير جريدة «روز اليوسف» الذي يوقع باسم رشدي أباظة مهاجمة وزارة الأوقاف بسبب استمرارها في تحميل مصاريف الاستهلاك الهائل للكهرباء في مساجدها بسبب تشغيل المكيفات طوال اليوم، ما أدى إلى لجوء الكثير من المواطنين للنوم فيها للتمتع بالتكييف في الحر، وكذلك إعفاء الزوايا التي تقام أسفل العمارات من دفع العوائد، وقال تحت عنوان «المال السايب في المساجد»: «عمليات بناء المساجد وإدارتها من الداخل وثقافة التعامل معها في مصر تستحق الوقوف أمامها طويلًا هدر الطاقة بداخلها يستوجب الدراسة في دولة ما قبل 2011 كان لك أن تبني عمارة ثم تلحق بدورها الأرضي أو ببدرومها مسجدًا، المكان أساسًا مخصص كجراج لسكان العقار، لكنهم يلقون سياراتهم على قارعة الطريق ولما لا؟ بناء المسجد والزاوية أسفل العقار كان أحد أسباب إعفائه من الضرائب، بمرور الوقت تزودت المساجد بأحدث أجهزة التكييف التي لا تكف عن العمل طوال أشهر الصيف، ولا أحد يدفع قيمة الاستهلاك وتحولت المساجد إلى منتديات صيفية، حيث برودة المكان، خاصة إذا أُلحق بالمسجد مبردٌ للمياه التي لا يدفع أحد ثمنًا لها، هكذا يستباح المال العام في المساجد، وهكذا يتم الوضوء بالماء الحرام. سيقول المتنطعون، لقد تكفل صاحبه بالتجهيز، ونقول هي تجارة مع الله لن تنال البر حتى ينفق أصحابها مما يحبون؟ لينظر من له عينان كيف يتم الإسراف في استخدام المياه للوضوء في المساجد، وكيف يتم التعامل مع أموال المتبرعين في داخلها، وأين تنفق وعلام؟ ثقافة المال الحرام داخل المساجد تنفى قدسية المساجد داخل الذين استباحوها واغتصبوها باسم الله».
أين معايير الكفاءة؟
«مازال ناشطو «السوشيال ميديا» يبدعون في بث الفيديوهات التي تنقل إلينا عجائب بعض من ساهمت الظروف الكارثية التي نعيشها في أن يكونوا مذيعين مرموقين، يظهرون على الشاشات، ويلمعون في «البروموهات»، وتتناقل المواقع الإلكترونية ما يقولونه من تفاهات. وفي هذا السياق، كما يقول الدكتور ياسر عبد العزيز في «المصري اليوم»، سمحت الظروف أن أشاهد ثلاثة فيديوهات أخيراً لثلاثة من المذيعين المرموقين، أما أولهم فقد كان مذيعاً رياضياً، استضاف في إحدى حلقات برنامجه، الذي يحظى بمشاهدة مليونية ضيفاً موريتانياً، حيث بدأ الحوار معه بسؤاله: أنت تتكلم العربية ما شاء الله، أين تعلمت اللغة العربية؟ ذُهل الضيف من السؤال، لكنه حاول أن يبدو رابط الجأش، وأجاب باعتبار أنه تلقى سؤالاً منطقياً يجب أن يجاب عنه: أنا موريتاني عربي.. نحن نتعلم العربية لأنها لغة بلدنا، بانت الدهشة على ملامح المذيع. لم يكن يعلم أن موريتانيا دولة عربية. واكتفى بالقول: آه. أما الفيديو الثاني، فقد كان لمذيع يقدم برنامجاً متخصصاً في الزراعة، بينما كان ضيفه خبيراً زراعياً، وقد سأله: ما أهمية الصوب الزراعية؟ فأجاب الضيف: من أي جهة؟ فعاد المذيع يسأل: يعني هل هي جيدة؟ فأجاب الضيف: مش فاهم السؤال. فعاد المذيع يسأل: بتجيبوا التقاوى منين؟ الفيديو الثالث أشهر وأكثر انتشاراً، وقد كان لمذيعة مثيرة للجدل، وتحظى بجماهيرية كبيرة، وقد قالت ما يلى نصاً: «التخينة (البدينة) ميتة، عبء على أهلها وعلى الدولة… بتشوه المنظر.، عرقانة، فاقدة للأنوثة». حين يرسل إليك أحدهم فيديو من هذه الفيديوهات، فإنك تشاهده وتضحك، باعتبار أن هذه الممارسات غريبة وشاذة وطريفة، بدرجة تجعل من الصعب أخذها على محمل الجد، إذ هي نوع من الكوميديا السوداء. من المذيع؟ أو كيف تصبح مذيعاً؟ أو ما الذي يتوجب عليك فعله حين تكون مذيعاً؟ تلك أسئلة يبدو أنها لم تعد مهمة. لم تعد قابلة للطرح. ليس بوسعنا الإجابة عنها. ولا يوجد من يعتني بأن تكون لها إجابات. لأسباب مختلفة لم يعد لدينا تعريف لمهنة المذيع أو الإعلامي، ولم تعد لدينا طريقة واضحة نختار بها من يعمل في هذه الوظيفة، وبالطبع، لم تعد لدينا أدلة أو معايير نُلزم بها من يقوم بهذه المهمة. وببساطة شديدة، فإن الاختلالات الكارثية التي نعيشها في قطاع الإعلام جعلت كثيرين من غير المتخصصين أو المؤهلين يشغلون هذه الوظيفة. وهؤلاء يعلمون جيداً أن السياق الراهن لا يشترط أي مؤهلات أو قدرات ذات علاقة بالمهنة لكي يصبحوا مذيعين مشهورين ومرموقين، يجب أن لا تكون مؤهلاً، وينبغي أن لا تكون حصلت على تعليم جيد في الأساس، أما الثقافة والوعي فآخر ما يمكن أن تحتاج إليه. لا تحترم القيم والمعايير، ولا تحترم ضيوفك، ولا تحترم جمهورك، وإذا تعرضت لمحاسبة أو مساءلة بسبب أخطائك المروعة، فاخرج على الناس وقل لهم بثقة وتعالٍ: أنا صح.. وأنتم مخطئون».
نماذج يجب أن تختفي
وفي «الأخبار» سخر مؤمن خليفة من المذيعين ومقدمي البرامج وقال عنهم: «تحول معظم الإعلاميين في مصر إلى وعاظ وخبراء رأي فجأة عقب أحداث 25 يناير/كانون الثاني، تركوا مهنة المذيع التي تتطلب أن تسمع أكثر مما تتكلم، لكي تصل برسالتك إلى الناس، وتقلدوا دور الواعظ الناصح الأمين كلهم بلا استثناء من يومها، وقد هجرت الجلوس أمام شاشة التلفزيون. كل مذيع أو مقدم برنامج يتحدث وكأنه وحده العالم بمجرى الأمور، هو يعرف كل شيء يحدث حوله حتى بدت الساحة الإعلامية حلبة صراع، كان أهم نتائجها ارتباك المشهد الإعلامي وسوء إدارته من القنوات، ويبدو أن هذا المشهد المرتبك يحتاج إلى وقفة حاسمة من الدولة، لأنه يسيء إلى صورة مصر قبل أي شيء، ولعل آخر سوءات هذا الإعلام ما فعلته المذيعة ريهام سعيد وتوجيهها إهانات إلى «البدينات» بألفاظ تحاسب عليها، صحيح أن نقابة الإعلاميين انتفضت بسرعة ومعها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بعد بلاغ المجلس القومي للمرأة، ولكن يبقى من المهم ألا يتكرر هذا، وأن يخلو المشهد الإعلامي من مثل هذه المذيعة، وغيرها ممن يحترفن إثارة الجدل كل فترة. كلماتي واضحة للجميع، لا يهم إن كانت المذيعة متزوجة من فلان، الرجل المهم في مكانه، أو رجل الأعمال الذي مكنها بفلوسه أن تعتلي كرسي المذيعة. هذه نماذج يجب أن تختفي من حياتنا، تماما كما اختفى كثير من «وعاظ يناير» الذين أساءوا إلى الإعلام أكثر مما أفادوه، وقد أحسنت قناة «الحياة» صنعا بوقف البرنامج فورا، ويجب أن تتحرك الهيئة الوطنية للإعلام لعلاج مساوئ المشهد الإعلامي وضبط إيقاعه بعد أن تحول إلى سوق خضار، لا مكان للمجاملات إطلاقا ولا شراء لخواطر فلان أو فلانة لتبقى المصلحة العامة فوق الاعتبار».
«الناس اللي فوق»
«الحديد حين يحتك بحديد تنجم عنه أصوات اصطدام بالغة الإزعاج. ومع الاصطدام يأتي تهشم متوقع في الألواح الحديدية، فتتساقط منها أجزاء، وتضيع معالمها وتتفتت ملامحها. وليت الأمر يتوقف على ذلك فقط، كما تتمنى أمينة خيري في «الوطن»، بل يمتد ليصبح اللوحان غير صالحين للاستخدام بعد ذلك. الغريب أنه يمكن تجنب هذا الاصطدام المقيت بقليل من مواد التشحيم والتزييت، لكننا لا نفعل. ومجتمعنا في حاجة ماسة إلى مادة التشحيم تلك لأن مظاهر وظواهر وملامح وأمارات الاحتكاك الطبقي ظاهرة واضحة صريحة لكل ذي قدرة على المعايشة والتحليل. منظومة الساحل تتعرض للشد والجذب، حيث الناس اللي فوق يتمسكون بتلابيب خصوصيتهم وتفردهم وأسلوب حياتهم الخاص بعيداً عمن يعتبرونهم «سوقة ودهماء». فإن دخل هؤلاء منتجعاتهم، تحولت الشواطئ إلى سيدي بشر وأبوقير وبلطيم وجمصة. هم لا يتفوهون بذلك إلا في جلساتهم الخاصة، وبينهم وبين بعضهم بعضا. والجانب الأكبر من الملايين المدفوعة في شقة وشاليه وفيلا مخصصة للإبقاء على المكان مغلقاً في وجوه «الناس اللي تحت». «الناس اللي تحت» بالطبع ينظرون إلى أولئك نظرة لا تخلو من مقت وحقد. فكل منا يحلم بأن يقفز درجات أعلى سلم الهرم. لكن قليلين فقط من يدركون أن صعود الهرم يتطلب، إما جهداً جهيداً، ونحتاً في الصخور، أو هو مورث من جد إلى أب إلى ابن، أو يتحقق عبر النهب والسرقة والاحتيال، لكن الغالبية تستكثر هذه العيشة المنعمة على الآخرين، ومنهم من يشعر بالظلم المدقع والقهر المطلق لأنه لا يستمتع بها. الاستمتاع النابع عن قيم يبدو أنها أصبحت كلاسيكية قديمة من رضا وقناعة، وغيرهما لم يعد لهما أثر إلا في ما ندر. ملصق «القناعة كنز لا يفنى» المعلق أعلى دماغ الموظف المسؤول عن إنهاء أوراق خدمية في مصلحة حكومية موجهة لفئات أغلبها يقطن قمة الهرم الاقتصادي، وفي الوقت نفسه الموكلة إليه مهمة تكفير هؤلاء الناس في عيشتهم وتكديرهم والتنكيد عليهم، لا يفوت فرصة إلا ويبلغهم بالهمز واللمز أن «ناس لها حظ وناس لها ترتر». ولأن الترتر يعد وسيلة الإكسسوار الوحيدة الباقية في متناول اليد، فقد أصبح استخدامه المفرط في الترصيع على عباءات الخليج السوداء، التي باتت زياً شبه موحد لكثيرات في مصر، مقبولة ومحمودة من رجل الشارع. لكن الترتر نفسه لو ارتدته فتاة أو سيدة ممن لا يرتدين العباءات السوداء، ويبدو من مظهرهن أنهن من سكان النصف الأعلى من الهرم، يتحول إلى نقمة ومدعاة لعبوس رجل الشارع وغضبه ومقته، بل وترجمة ذلك إما بالتحرش أو بالبرطمة بكلمات تنم عن رفض وتوجس. وبالمناسبة فإن الرفض والتوجس يسير «رايح جاي». وصعوبة الحياة وشظفها والأوضاع الاقتصادية الصعبة والملتبسة وغير المفهومة التي نعيشها هذه الأيام، ومعها القرارات الاقتصادية العجيبة الغريبة التي يتم اتخاذها بدون تبرير أو تنعكس خدمات وتحسن في مستوى المعيشة ونوعيتها، جميعها عوامل أدت إلى تصاعد هذا الرفض والتوجس بين الطبقات. هذه المشاعر أقرب ما تكون إلى ارتطام واحتكاك ألواح الحديد ببعضها بعضا. هو احتكاك ينجم عنه ضجيج عالٍ و«زيطة» وتآكل وخسائر جمة. وتجاهلنا لمظاهر هذا الاحتكاك ضعف وانتحار. كم مرة شهدنا فيها حديثاً استعلائياً كارهاً لـ «التوك توك» والمنتسبين لمنظومته الاجتماعية؟ وكم مرة شهدنا من يتحدث عن قساة القلوب المقيمين في كوكب مغاير ممن يركبون السيارات الفارهة ويسكنون الفيلات الفاخرة؟ وكم مرة تابعنا الفنان محمد رمضان بقرف وسخط وصببنا عليه وجمهوره اشمئزازنا، محمّلين إياهم تردي السلوكيات، وتدهور الذوق العام وانهيار الأخلاق؟ وكم مرة تابعنا عبارات وأحاديث ساخرة ممن يذهبون إلى الأوبرا لحضور حفل موسيقي أو عرض راقص، باعتبار أولئك «ناس مش عايشين معنا»؟ وفي عز هذه الاحتكاكات المفتقدة لزيوت التشحيم، تجد ما تسمى بالطبقة المتوسطة نفسها مهروسة مسحوقة متساقطة، كأثر جانبي من آثار الاحتكاك. ويشير البعض إلى أن ما يتم اقتصاصه من جيوب من يملكون ودخولهم، يجري ضخه في جيوب من لا يملكون، وأن هذا شكل من أشكال العدالة الاجتماعية. وهذا كلام جميل وكلام معقول، لكن ليس من الجميل أو المعقول أن أمد يدي في جيب من يملك، أو بالأحرى من كان يملك من أبناء الطبقة المتوسطة لأعطي من لا يملك، فأترك هذا مهدداً بالارتطام بخط الفقر، وذاك مستمراً في سباق الأرانب منجباً المزيد والمزيد من المحتاجين، لقدر أكبر من العدالة الاجتماعية، ومن ثم المزيد من مد اليد.. وهلم جرّا. بقاء الحال على ما هو عليه يهددنا جميعاً. سكان القمة مستنفرون يشعرون أنهم مهددون بغزو القاعدة وسلب ما يملكون. وسكان القاعدة غير قانعين وعيونهم مثبتة على من يملكون. وبينهما سكان الوسط حائرون مهروسون مقهورون. نحتاج تشحيماً طبقياً على وجه السرعة».
حقوق الإنسان
«الجدل حول احترام حقوق الإنسان في مجتمع يعاني من الإرهاب مازال محور النقاش في الغرب والشرق، وبدا واضحا أن هناك تيارا متصاعدا في الأوساط العلمية والسياسية الأوروبية يرى أنه يمكن فرض بعض القيود على حقوق الإنسان في حال تعرض أي مجتمع لتهديدات إرهابية خطيرة. عمرو الشوبكي في «المصري اليوم»، يؤكد على أن كثيرا من البلاد الأوروبية اتخذت إجراءات استثنائية، بعد أن تعرضت لهجمات إرهابية خلفت مئات الضحايا وفرضت قيودا على حرية تداول المعلومات، وعلى الصحافة والإعلام، حتى مست جانبا من حقوق الإنسان، خاصة تجاه العناصر المعروفة بتطرفها واستعدادها لممارسة العنف. وقد اتخذت فرنسا إجراءات استثنائية في مواجهة الإرهاب الذي ضربها عام 2016 من أجل حماية مواطنيها وأمنها القومي، وفعلت أمريكا ما هو أكثر عقب اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول من إجراءات استثنائية وملاحقات أمنية، وكذلك فعلت بريطانيا، وإن بصورة أقل، نظرا لأن ما تعرضت له ظل أقل من فرنسا وأمريكا، وبقي في معظمه تحت وطأة حوادث الدهس والدهس المضاد. وفي ظل هذه الظروف وسعت هذه البلاد دائرة حصار العناصر المتعاطفة مع الإرهاب، بدون أن يقوم مثلا الرئيس الفرنسي السابق أولاند باعتقال معارضيه من أهل اليمين تحت حجة محاربة الإرهاب، أو قام ترامب باعتقال معارضيه من أهل اليسار لأنه يكره المتشددين الإسلاميين، إنما كانت المعركة محددة مع العناصر المتطرفة والعنيفة. والحقيقة أن الحرب على الإرهاب تعني كفاءة في تحديد الهدف، أو بالأحرى تحديد العناصر الإرهابية والعناصر التي تدعمها من أجل حصارها وعزلها، ولو بإجراءات استثنائية، وليس توسيع دائرة الاشتباه لتستهدف بيئة اجتماعية محايدة، وأحيانا معادية للعناصر الإرهابية، وتحولها إلى بيئة حاضنة أو متواطئة مع الإرهاب. الفارق واضح بين اتخاذ إجراءات استثنائية للحفاظ على سلامة شعب من خطر الإرهاب، واتخاذ إجراءات استثنائية لملاحقة معارضين سياسيين وليس محرضين على العنف. المعركة ضد الإرهاب في النظم الديمقراطية لم تنتصر بشكل كامل على الإرهاب، إنما قللت من أخطاره، في حين أن معركة بعض النظم العربية ضد الإرهاب، مثل سوريا تحولت إلى مصدر من مصادر انتشاره، تماما مثلما فعلت الولايات المتحدة حين غزت العراق، وتحولت حربها ضد الإرهاب إلى أحد أسباب انتشاره. معركتنا ضد الإرهاب حقيقية وكبيرة، ويجب أن تحدد هدفها في حصار داعمي الإرهاب والمحرضين عليه، ولو بإجراءات استثنائية، وهذا أمر لا يعني مطلقا حصار داعمي الديمقراطية والمعارضة السلمية، فهؤلاء يمثلون حاجزا حقيقيا أمام انتشار الأفكار العنيفة والمتطرفة. نعم الإرهاب يفرض قيودا على حقوق الإنسان من أجل تسهيل محاربة العنف والتطرف، وليس السياسة والديمقراطية ودولة القانون، لأن الأخيرة هي التي تحمي المجتمع والدولة من أخطار الإرهاب وليس الإجراءات الاستثنائية».