فلاسفة الأندلس في سنوات المحنة… حين تغترب الفلسفة

في تصديره لكتابه «فلاسفة الأندلس.. سنوات المحنة والنفي والتكفير» الصادر عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة، يقول عبد الرشيد محمودي إن الفلسفة الإسلامية لم تنل في بلادنا حقها من البحث والدراسة، لعدة أسباب منها، أننا صدقنا ما رآه بعض المستشرقين من أن هذه الفلسفة ليس لها حظ من الأصالة والابتكار، فهي نسخ مشوهة من مذاهب يونانية، وأصبح من الشائع في أقسام الفلسفة المصرية إعطاء الأولوية لعلم الكلام والتصوف، وترْك أمر الفلسفة الإسلامية لمستشرقين آخرين يهتمون بها، ويفنون أعمارهم في ترجمتها وشرحها بلغاتهم.
أما عن أسباب جهلنا بالفلسفة الإسلامية فيرى محمودي، أننا لا نعنى بدراسة الفلسفة اليونانية كما ينبغي، ولا نحصّل منها إلا القشور، ذاكرًا أن هناك فجوة مهمة في معرفتنا بتاريخ الفلسفة الإسلامية، قاصدًا المرحلة الخاصة بفلاسفة الأندلس الثلاثة ابن باجة، وابن طفيل، وابن رشد، وعن هؤلاء الثلاثة يقول الكاتب، إنهم ثلاث شخصيات متميزة، لكنها في حالة من التفاعل في ظل ظروف متشابهة، أو في مشهد تاريخي واحد، وقد كان، كما يرى الكاتب، أكثرهم استشعارًا للخطر وأشدهم تشاؤمًا بصدده، ولم يكن ابن طفيل أقل منه تشاؤمًا غير أنه آثر أن يعبّر عن موقفه بلغة رمزية من قبيل الحيطة والحذر. أما الثالث ابن رشد فقد كان هو الفيلسوف المتفائل، لا لأنه كان غافلاً عن الخطر، بل لأنه كان بطلاً يرفض عزلة الفيلسوف، ويرى أن مكانه لا يكون إلا في المجتمع وعلى أرفع مرتبة علمية فيه، وعليه أن يقاتل خصوم الفلسفة في العلن. لقد كانت بطولة ابن رشد هي مبعث تفاؤله، وهي التي حددت مصيره، وكانت محنته الأولى في بلاده، حين أحرقت كتبه وتعرض للنفي ولحق به النسيان الكامل.

المتغرب الأكبر

هنا يعلن محمودي أن الزاوية التي أجرى منها بحثه/ كتابه هذا هي زاوية الغربة، وهي ليست الزاوية الوحيدة الممكنة لدراسة الفلسفة الأندلسية، لكنها، كما يرى، وجهة نظر طريفة بمعنى أنها لم تُجرَّب من قبل، وطبيعية لأنها تعبر عن الترابط بين الفلاسفة الثلاثة. كما يؤكد أن هناك أسئلة كبرى لم تُوفَّ حقها من الاهتمام، تتعلق بابن رشد خاصة، وهو ظاهرة فريدة في تاريخ الفلسفة لعدة أسباب من بينها، أنه المتغرب الأكبر، وقد تعرض لاضطهاد لا نظير له في تاريخ الفلسفة عندما نقلت أعماله عن طريق الترجمة إلى أوروبا. ولأن الكاتب يعلم أن الفلسفة الإسلامية لا تُفهم إلا بناءً على دراسة الفلسفات اليونانية، فقد حرص عند قراءة فلاسفة الأندلس، خاصة ابن رشد، على الرجوع إلى أرسطو في مصادره الأصلية، يضاف إلى هذا أن دراسة الفلسفة الإسلامية لا تكتمل إلا إذا بحث إسهامها المؤكد في الفلسفة الغربية. أيضًا حرص محمودي عند الكتابة عن ابن رشد على دراسة هذا التأثير على خصومه اللاتينيين في مصادرهم الأصلية، وعلى فتح الباب أمام مزيد من التقدم في اتجاه الفلسفة الحديثة، عن طريق الاقتراب من ديكارت وسبينوزا وليبنتز وكانط والفيلسوف البريطاني المعاصر ب. ف. ستروسون.

ثمة أسئلة أخرى يطرحها محمودي في كتابه هذا منها ما يتعلق بابن رشد، إذ يسأل هل كان أحسن حظًّا عندما نُقلت أعماله عن طريق الترجمة إلى أوروبا المسيحية فتغرّب مرة أخرى؟

هنا يرى محمودي ابن رشد فيلسوفًا قَلِقًا بقدر ما كان مثيرًا للقلق، وكان كثير التحول من رأي إلى آخر، ومن احتمال إلى آخر، ومن السهل أن يقال إنه كان يُناقض نفسه، وهذا صحيح، لأنه كان يعترف بحيرته ويعرب عن عدم رضاه عن أدائه، غير أن حقيقة الأمر أن ابن رشد لم يكن يكف عن عملية البحث والاستكشاف، وكان في مرحلة من مراحل تطوره يقلب الرأي على وجوهه المختلفة من باب الأمانة في شرح أرسطو واكتشاف الحق الذي رآه. لكن المثير للدهشة أنه تجاوز، في كتابه تهافت التهافت، أرسطو مثلما تجاوز نفسه، وأصبح بصدد بناء مذهب قائم بذاته سبق ببوادره كانط، وبذلك دخل العصر الحديث. هنا كذلك نجد دفاعًا عن ابن رشد، ونقدًا لخصومه، وهذا ضروري، على حد قول الكاتب، لتبديد الأساطير والأكاذيب التي نُسجت حوله منذ القرن الثالث عشر، وما زالت لها آثار باقية. هنا نجد تأكيدًا من الكاتب على أن ابن رشد لم يكن يشارك ابن باجة وابن طفيل تشاؤمهما في ما يتعلق بمصير الفلسفة ودعوتهما إلى الاعتزال، وكان مثلهما على وعي بالأخطار المحدقة بالفلسفة والفلاسفة، غير أنه كان يؤمن بأن الفيلسوف ينبغي أن لا يتخلى عن أداء مهمته علانية داخل المجتمع القائم، مهما كانت عيوبه ومهما كان الثمن.

ابن طفيل

ومتحدثًا عن ابن طفيل يرى محمودي، أن هناك علامات تدل على أنه كان يسيء الظن بأصحاب السلطة القائمين منهم والقادمين، ويدرك قدرتهم على تأليب العامة على المفكرين والعلماء، كما يقول إن ابن طفيل يرى أن الفلسفة ليس لها مكان في مجتمع المسلمين، وأن الفلاسفة فيه غرباء. أيضًا يرى محمودي هنا أن ابن طفيل، بكتابته لقصة حي بن يقظان، مهّد الطريق لابن رشد في ما يتعلق بالدفاع عن الفلسفة، وقد تولى ابن رشد أداء هذه المهمة نيابة عن راعيه، واتبع في ذلك نهجًا رأى أنه أفضل وأنجع، لأنه يعالج القضية بصراحة وبأدلة فقهية وعقلانية، كما استفاد ابن رشد من نظرات ابن طفيل الثاقبة ووضحها وطورها على النحو الذي يقتضيه التفقه في الدين وحسن المنطق. كذلك يؤكد محمودي أن مزايا ابن رشد، كشارح وناقد، كانت إحدى القوى المحركة للتجديد وللثورة في الثقافة الأوروبية، كما حاول ابن رشد أن يمد جسرًا عقلانيًّا بين عالمين، عالم الغيب وعالم الشهادة من ناحية، وعالم الشرع وعالم أرسطو من ناحية أخرى، عندما رأى أن مقصد الشرع هو الحث على النظر في الموجودات والاستدلال من حسن صنعتها على عناية الصانع واختراعه لها. هنا يتساءل محمودي أيضًا عمّا إذا كان الفيلسوف الأندلسي ابن باجة يتنبأ، بدون أن يدري، بمصير الفلسفة الإسلامية عندما كتب تدبير المتوحد؟ ويجيب قائلاً إنه يقال إنه هو نفسه مات مقتولاً، غير أن ابن طفيل، خلَفه، عاش في أمان ناجيًا بفضل حصافته وإدراكه للأذى الذي قد يصيبه، فحرص على صياغة آرائه الفلسفية بلغة الخرافة والرمز في قصة حي بن يقظان وهي، كما يرى الكاتب، أعظم قصة كُتبت بأي لغة عن غربة الفلسفة، وما زال الناس يستمتعون بها وبمزاياها الأدبية، لكنهم لا يتوصلون إلى فكرة التغرّب التي تجري كتيار عميق تحت السطح الأملس. فيما تغلبت بطولة ابن رشد على دواعي الحذر، عندما قرر أن يقاتل خصوم الفلسفة في العلن ويدافع عن مكان العقل في المدينة، فأحرقت مؤلفاته، كما ذكر الكاتب من قبل، وتعرض للنفي.
أيضًا ثمة أسئلة أخرى يطرحها محمودي في كتابه هذا منها ما يتعلق بابن رشد، إذ يسأل هل كان أحسن حظًّا عندما نُقلت أعماله عن طريق الترجمة إلى أوروبا المسيحية فتغرّب مرة أخرى؟
وبعد..هذا كتاب جيد وممتع جدًّا لهواة الفلسفة والمتخصصين فيها في آن، أخذنا فيه المؤلف في رحلة فلسفية بصحبة ثلاثة من كبار الفلاسفة الذين أثّروا في الفلسفة العربية، بل العالمية راصدًا لنا جانبًا من حياتهم وأفكارهم وفلسفتهم في الحياة، وما نقلوه عبر كتبهم التي بقي منها ما بقي وانعدم حرقًا منها ما انعدم.

٭ شاعر ومترجم مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية