اللاجئون الأفارقة في الجزائر: فروا من حروب بلدانهم ويشقون لتحصيل لقمة العيش

حجم الخط
2

الجزائر – «القدس العربي»: على قارعات الشوارع وفي محطات الحافلات وتحت الجسور، يفترشون الأرض مع عائلاتهم، ويجوبون الأماكن المقفرة بحثا عن لقمة تسد رمقهم يجود بها بعض المحسنين، أو ينبشون عنها وسط القمامة، وفي الساحات العامة يتجمعون منذ طلوع الشمس فرادى وجماعات، في إنتظار فرصة عمل تأتيهم يوما واحدا، وتتلاشى لأيام الأسبوع متمسكين بأمل ضئيل لغد أفضل يحلمون به منذ هجروا بلدانهم هربا من أتون حرب أهلية قضت على ما تيسر لهم من فرص البقاء أحياء في دولهم الفقيرة والمفتتة والمنسية. وضع مأساوي وكارثي بوصف تقارير منظمات دولية، يعيشيه عشرات الآلاف من اللاجئين الأفارقة الذين يتوافدون بالمئات منذ أشهر على الجزائر، بوتيرة تزايدت بسبب النزاع المسلح في شمال مالي، وتضاعفت أيضا مع تأزم الوضع الليبي، ومع استمرار الهواجس الأمنية التي خلفتها الجماعات المسلحة في دول الساحل. عوامل دفعت الكثير من المدنيين العزل للتوافد بكثافة على المدن الجزائرية، ونزوح الآلاف منهم إلى الشريط الجنوبي للجزائر خصوصا في محافظات تمنراست، وإليزي، وأدرار، وصولا إلى ورقلة، وغرداية وسط الجنوب الجزائري الذي شهدت أعدادهم فيها زيادات مضطردة.
جولة قامت بها «القدس العربي» في المحافظات الجنوبية للجزائر، كشفت لنا حجم المعاناة التي يعيشها هؤلاء الأفارقة منذ نزوحهم إلى البلاد مع اشتداد الحرب الأهلية في مالي بين المتمردين الطوارق وحلفائهم، والحكومة المركزية في شمال البلاد مع التدخل الفرنسي الذي زاد من اشتعال الأزمة. وكانت لا تزال دفعات جديدة من هؤلاء تصل إلى هذه المدن وهم في حالة بائسة تبرزها ملابسهم الرثة وما يحملونه من خفيف المتاع ويعانون للحصول على مكان في حافلة. وكان يوسف وهو أربعيني ورب أسرة يفاوض يائسا محصل التذاكر للسماح له وعائلته بالركوب مجانا، نحو محافظة سطيف شمال شرق البلاد حيث يعيش قريب له هناك اقترح عليه الإنضمام إليه لمشاركته بيع بعض المواد والأعشاب التقليدية. أخبرني الكهل الذي يتألم لعدم قدرته على إطعام أسرة مكونة من 7 أفراد، أنه على هذه الحالة منذ مدة وأصيب بخيبة أمل بعدما طرد ومن معه أكثر من مرة من المكان واضطرارهم في أحيان كثيرة الى الإختفاء من أعين رجال الأمن الذين يتعرضون لهم مرات ويبعدونهم عن المنطقة. وغير بعيد عنه كان العشرات يفترشون كرتونا في زوايا محطة المسافرين المركزية في محافظة ورقلة (800 كلم جنوب العاصمة)، وكانت عائشة التي تنحدر من مدينة غاو المالية ترضع إبنها الصغير في قارعة الشارع، وتحاول أن تجلس شقيقه الأكبر الذي يريد أن يأكل وهي لا تعرف كيف تسد رمقه. وكانت حافلات عدة تغادر تباعا نحو مدن الجزائر المختلفة، وهؤلاء اللاجئون ينتظرون في كل مرة أحدهم يرأف لحالهم ليدفع لهم ثمن الرحلة، أو يسمح لهم بالصعود مجانا نحو المدن الشمالية آملين أن يبتسم لهم الحظ هناك، بظروف أرحم من الحالة التي يعيشونها في مدن الجنوب، ومعاناتهم مع الطقس الحار وهم في الشارع لا مأوى لهم يقيهم حر شمس النهار، وهجير الليالي.
وفي الساحة المركزية لبلدية العطف (600 كلم جنوب العاصمة) وهي المنطقة التي تشهد مشاريع بناء عدة يتجمهر منذ ساعات الفجر الأولى المئات من الشباب الوافدين من دول مالي والنيجر، وغينيا، والتشاد وحتى دول غرب أفريقيا، وهم ينتظرون الحصول على فرصة عمل في أحد مشاريع البناء خصوصا وأن الكثير من المقاولين أصبحوا يعتمدون عليهم لجديتهم وحاجتهم الماسة لمصدر دخل ما يجعلهم أكثر انضباطا من العمالة المحلية. كما أصبح الكثير من المستثمرين في القطاع الفلاحي يعتمدون عليهم لإنجاز الكثير من المهام في حقولهم ومزارعهم وحتى في إنتاج التمور لتدني رواتبهم وإنعدام متطلباهم، وهم أيضا يوظفون كأعوان أمن. ويرى المهندس إبراهيم يحي صاحب شركة مقاولات في حديثه لـ»القدس العربي» أنه كان يفترض في الدولة أن تقنن وجود العمالة الإفريقية للمساهمة في نماء الاقتصاد الجزائري، والعمل على إنشاء مكتب توظيف لهم على غرار المكتب الصيني الذي ينظم تواجد أبناء تلك الجالية في البلاد. ويؤكد رجل الأعمال أن العديد من المقاولين حاولوا مع وزارة العمل، وبذلوا مساع من أجل الترخيص لهم لتوظيف هؤلاء خصوصا وأن الكثيرين منهم يتمتعون بقدرات جيدة ويمكن أن يحلوا الكثير من العوائق التي تواجههم في توفير يد عاملة مؤهلة لاستيفاء تعهداتهم بخصوص المشاريع التي توكل لهم، لكنها لم تستجب لهم ولم تقم بمنحهم أي استثناء لتوظيفهم بشكل قانوني أو تقنين وجودهم بشكل رسمي في الجزائر. وأشار إلى أن المقاولين وأصحاب الأعمال يضطرون في الكثير من الأحيان إلى توظيف هؤلاء الأفارقة بالرغم من المأزق القانوني لعدة دواع منها الاقتصادية، وكذلك الإنسانية وهذا كأحد أشكال التضامن مع هؤلاء البؤساء الذين يعانون من أجل كسب قوت يومهم وتحويل بعض المبالغ لعائلتهم حيث يتلقى العامل نحو 100 دولار شهريا.
معاناة اللاجئين تبدأ قبل دخولهم الحدود الجزائرية حيث يضطرون لدفع مبالغ معتبرة تتراوح بين 500 إلى أزيد من 1000 دولار لإدخالهم بطرق غير شرعية للتراب الجزائري بسبب غلق السلطات للحدود، كما أن الذين يعملون ويكدون للحصول على قوت يومهم يضطرون لدفع مبالغ أخرى لوسطاء مقابل تحويل النزر اليسير المتاح لهم إلى عائلاتهم في بلدانهم الأصلية لعدم وجود مكاتب تحويل الأموال المعروفة في كل دول العالم، وتلك الإتاوات تعادل رواتب شهور من العمل في ظروف جد صعبة، وهو ما يزيد أكثر من معاناتهم.
وتكشف الخبيرة الإجتماعية سكوتي زينب أن «موجات من المهاجرين الأفارقة الفارين من عدة بلدان تعاني من الحروب والمجاعة برزت بحدة في السنوات الأخيرة، حيث يضطر هؤلاء الشباب المهاجرين للعمل في ورش البناء وأغلبهم يقيمون في منازل فارغة أو في طور الإنجاز، وفي أحيان كثيرة يسكنون مع نساء وأطفال نازحين». واكتشفت الباحثة التي تعمل في إدارة الشؤون الإجتماعية من خلال تواصلها الدائم معهم لدراسة أحوالهم أنهم يهاجرون في مجموعات عدة وأغلبهم من منطقة واحدة، حيث تواصلت مرة مثلا مع أفراد من قبيلة تعود إلى مدينة ماطمير زيندار النيجرية، وهم يتحدثون لغة «الهوس» وكانت تلك العائلات على سبيل المثال في ليبيا واضطرت للنزوح إلى الجزائر بعد تردي الوضع الأمني هناك». وترى الخبيرة الاجتماعية أنه من المؤسف ألا توجد متابعة صحية لهؤلاء النازحين لكثرة أعدادهم، ولعدم إمتلاكهم لوثائق تثبت الهوية، مما يجعل السلطات تعاني في التعامل معهم. ويشير محمد بن يوسف رئيس جمعية «تجمي» الوطنية الذي التقيناه وزملائه وهم منهمكون في تقديم بعض المساعدات للمحتاجين الأفارقة، إلى أن هؤلاء اللاجئين بحاجة ماسة لشتى أنواع الدعم والمساندة بسبب الظروف الصعبة التي يمرون بها، وأغلبهم يأتون من مناطق فقيرة ولا يملكون أي شيء يعينهم على العيش الكريم. وكشف عن برامج خاصة قامت بها الجمعية بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني في أكثر من محافظة على مستوى الدولة لإطعام عشرات الأسر من الجالية الأفريقية التي فرت من أتون الحرب، محاولة الإبتعاد عن مناطق النزاعات المسلحة، وهي تعيش أوضاعا صعبة في ظل تزايد أعدادها مما يعقد من أي برامج أو مخصصات تساهم بها الدولة.

تنامي المظاهر العنصرية ضد الأفارقة

زيادة أعداد الجالية الإفريقية في الجزائر ظاهرة لم تكن معهودة للكثير من فئات المجتمع بالرغم من أنها قديمة حيث سجلت الجزائر منذ عقود خلت عدة موجات من النزوح، وقد خلفت مزاجا متناميا من العنصرية التي بدأت تسري في المجتمع وتغذيها بعض العناوين الإعلامية. وفي هذا الصدد الباحث فريد منبحي في دراسة مستفيضة نشرها في مجلة «جون أفريك» أن «الصحافة الجزائرية سواء الناطقة باللغة العربية، أو الفرنسية تعتمد منذ أشهر خطا افتتاحيا يتصف ببعض العنصرية تتزايد حدته باستمرار، تجاه الأفارقة الوافدين من دول الساحل نحو البلاد». ويضيف قائلا: «هذه الصحافة تقرن بين هؤلاء اللاجئين وبعض الظواهر القديمة التي تعرفها البلاد مثل الأزمة الأمنية والإجرام والمشاكل الصحية وتدعي أنها تضاعفت مع زيادة أعدادهم».
وقامت «القدس العربي» بمتابعة لعناوين الصحف الجزائرية من خلال البحث بكلمات مفتاحية في موقع البحث في شبكة الانترنت عن «اللاجئين، والأفارقة» فوجدنا الكثير من العناوين الصادمة، مثل: (شبكات تزوير دولية تغرق الجزائر بالمهاجرين الأفارقة .. ومخاوف من تنكر إرهابيين من دول الساحل في زي مهاجرين) وفي جريدة وطنية أخرى «البلاد» نجد العناوين التالية: (بعد السوريين ها هم الأفارقة يغزون شوارع الجزائر). أما صحيفة «الشروق» فتعنون صفحتها الأولى: (بعضهم يستخدم سبحة وآخرون يرتلون القرآن جهرة .. متسولون أفارقة يلجأون إلى الدين لاستعطاف الجزائريين)، أو العنوان التالي: (هذا أخطر ما يفعله «الأفارقة» في الجزائر، دعارة·· مخدّرات وتواطؤ جزائري). أما صحيفة أخبار اليوم فتنشر: (الأمن الوطني في مواجهة مجرمي إفريقيا). أما صحيفة الخبر فتكتب: (وسط تساهل السلطات وعجزها عن محاربة تنامي الأكواخ، اللاجئون الأفارقة يقيمون أحياء فوضوية في العاصمة). كما تزرع بعض الصحف الرعب في قلوب قرائها بعناوين مثل: (آلاف اللاجئين الأفارقة يواجهون الرفض والاستهجان في الجزائر). واحتجت حركات شبابية ونشطاء بعض المنظمات الحقوقية على هذه المقالات العدائية، واعتبر البعض أن هذا الأمر ليس من شيم الجزائريين الذين لطالما وقفوا مع المظلومين وساندوهم وقدموا مختلف أنواع وأشكال الدعم لهم وهذا عبر تاريخها منذ استقلال البلاد. وعبّر مدير برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز في الجزائر، عادل زدام، عن صدمته من المقالات المنشورة، مؤخرا، في الصحف الجزائريّة، والتي تربط بين انتشار مرض فقدان المناعة، ووصول المهاجرين الأفــارقة إلى شــمال البلاد. وأكّد زدام في تصريحات صحافية، أنّه «لا توجد علاقة سببية بين الهجرة والإصابة بمرض الإيدز».

الجزائر محطة عبور إلى الجنة الأوروبية

تجبر الظروف الصعبة الكثير من النازحين إلى التفكير جديا في الهجرة مرة أخرى نحو وجهات أخرى، في حين يرى الكثير من المهاجرين الوافدين من بلدان الساحل في الجزائر محطة عبور استراتيجية نحو أوروبا التي يعتقدون أنها الجنة المنشودة لتحقيق أحلامهم التي رسموها عن غدهم هروبا من واقعهم المأساوي. ويؤكد محمد صايب الخبير في قضايا الهجرة الدولية، في مركز البحوث للاقتصاد التطبيقي والتنمية في تصريح له أن «نحو 40٪ من المهاجرين الأفارقة المتواجدين في الجزائر هم في مرحلة انتقالية في انتظار توفر الفرصة لهم للهجرة نحو أوروبا وترتيب سبل ذلك». ويشير في بحث له إلى أن الدراسة التي أشرف عليها المركز تناولت كافة التفاصيل المتعلقة بهؤلاء وتوصلت إلى استنتاجات تؤكد على حيوية التدخل ومساهمة الجميع لتجاوز هذه الحالة وفك معاناة الآلاف.

محاولات رسمية لوضع آلية جديدة

وشرعت الحكومة الجزائرية في التحضير لوضع آلية جديدة، من شأنها التكفل بالنازحين الأفارقة بدون تقييد حريتهم أو التعرض لكرامتهم، حسبما كشفت عنه مؤخرا وزيرة التضامن والأسرة وقضايا المرأة مونية مسلم، في تصريح صحافي. وأعلنت أن عدد النازحين الأفارقة في الجزائر بلغ 25 ألف لاجئ، مؤكدة «أن الحكومة بصدد إعداد خطة عمل للتكفل بهم وفقا لتقاليد الجزائر التضامنية مع جيرانها». وأضافت الوزيرة بمناسبة إحياء يوم الطفل الأفريقي « أن الآلية الجديدة التي يجري التحضير لها بالتنسيق مع وزارات الداخلية والخارجية والدفاع والتضامن الوطني، ستمكن من معرفة العدد الحقيقي لهؤلاء ناهيك عن تحديد سبل تقديم يد المساعدة لهم بدون تقييد حريتهم أو التعرض لكرامتهم». وخصص الهلال الأحمر الجزائري مركزين لإيواء النازحين الأفارقة في محافظة ورقلة ووفرت لهم بالتنسيق مع السلطات العمومية كل ما يحتاجونه من عناية طبية ومؤونة.
وبالرغم من إغلاق الجزائر حدودها الجنوبية مؤخرا يتواصل تدفق اللاجئين الفارين من دولهم بسبب الأوضاع الأمنية، وقدرت بعثة الأمم المتحدة أن آلاف الأفراد يهربون من المعارك بين جيش مالي والجماعات المتمردة نحو الحدود الجزائرية، كما ساهمت التطورات الجارية في ليبيا في تدفق اللاجئين على الحدود الجزائرية يوميا.

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية