غزة تترقب الإعمار ورفع الحصار .. وكلمة السر بين فتح وحماس

حجم الخط
1

غزة – «القدس العربي»: لا يشغل بال السكان الغزيين في هذه الأيام شيء أكثر من الحديث عن إعادة إعمار قطاع غزة، بعدما وضعت الحرب الإسرائيلية التي لم يسبق لها مثيل أوزارها، مخلفة حجما لم يتخيله العقل من الدمار والقصف، الذي قدر بنحو ست قنابل نووية، فالأنظار جميعها تتجه إلى القاهرة التي ستستضيف في العاشر من الشهر المقبل حسب ما أعلن، مؤتمر المانحين الذي سترأسه النرويج.
قطاع غزة الساحلي المحاصر الذي شهد على مدار 51 يوما حربا إسرائيلية سميت «الجرف الصامد»، قدرت عدد الغارات التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد جميع مناطق القطاع، وطالت مبان سكنية ومؤسسات حكومية ومدارس ومشافي بـ 7700 غارة، استخدمت خلالها آلاف الأطنان من المتفجرات، يراقب عن كثب كل ما ينشر ويدور عنه الحديث حول ملف إعادة الإعمار، فحجم الخراب هذه المرة كبير، وطال كل أركان قطاع غزة.
فلا توجد عائلة إلا وتضررت، ولا توجد مدينة أو مخيم أو بلدة، إلا وطال القصف والتدمير جميع أحيائها، ولا أبسط من الدليل على ذلك إلا مشاهد القصف التي لا تزال قائمة في حي الشجاعية والمناطق الشرقية من مدينتي رفح وخانيونس، وبلدات شمال القطاع، والأبراج السكنية متعددة الطوابق التي دمرت بالكامل في مدينة غزة.
في تلك المناطق يعيش السكان رحلة جديدة من التشرد والنزوح، فعدد كبير من الأسر ما زال يقيم في «مراكز إيواء»، تفتقر لكل مقومات الحياة، فمن مكان مرتفع قليلا في مناطق الحدود الشرقية للقطاع التي شهدت دخول الدبابات الإسرائيلية خلال عملية التوغل، يمكن أن تواجه ما لا يتخيله العقل، بيوت بأكملها باتت أثرا بعد عين، بعد أن دفنت تحت ركامها عوائل كثيرة شطبت من السجل المدني.
في غزة أسئلة محيرة يتداولها الجميع هي «كيف ستتم عملية الإعمار؟»، و»من الجهة التي ستقوم بالتنفيذ» و «من هم المانحون»، في ظل إشاعات ربما تكون إسرائيل هي من تقف خلفها، تقلل من حجم التوقعات على مؤتمر المانحين، لكن مجملها سيتم الإجابة عليه في العاشر من الشهر المقبل حين ينعقد مؤتمر المانحين.
النرويج، التي سترأس المؤتمر شرعت في التحرك في دول المنطقة، بإرسال وزير خارجيتها بورغ بريند للمنطقة حيث بدأ زيارة لإسرائيل التي تتحكم بالمعابر، ومن ثم السلطة الفلسطينية، وبعدها مصر الدولة المستضيفة، وقال أن بلاده ومصر تعملان على التنسيق من أجل الإعداد لمؤتمر إعادة إعمار غزة خلال الأسابيع المقبلة.
لكن ما يمكن استنتاجه هو أن مدة الإعمار ربما تطول، ليس لأي سبب سوى الحجم الكبير للدمار، فالسيد بيير كراهينبول مفوض عام «الأونروا»، قال أن الدمار بغزة لم يسبق له مثيل في التاريخ، وأن عملية إعادة الإعمار قد تستغرق أكثر من عقد من الزمان، إذا بقي الحصار الحالي على ما عليه مطالبا بضرورة الإسراع برفعه.
الأرقام الأولية تشير إلى أن عملية الإعمار تحتاج مبدئيا إلى نحو ثمانية مليارات دولارات لإعادة ترميم وبناء ما دمرته قوات الاحتلال، وهو مبلغ فاق بأضعاف كثيرة ما رصد لإعمار غزة بعد حرب العام 2008 «الرصاص المصبوب»، التي لم تصل غالبيها حتى اللحظة للقطاع.
وستكون نقطة الفصل في عملية إعادة الإعمار مدى التزام إسرائيل سلطة الاحتلال برفع الحصار عن قطاع غزة، وفق ما تعهدت به في المفاوضات التي استضافتها العاصمة المصرية القاهرة، خلال أيام الحرب، وأفضت في نهايتها إلى اتفاق التهدئة الجديد، الذي نص على فتح المعابر وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع وعدم تقييد حركة السكان أو استهدافهم في المناطق الحدودية، وتبادل البضائع بين الضفة الغربية وغزة، كما يتضمن إعادة إعمار القطاع وإصلاح البنية الأساسية وإدخال مواد البناء وتسهيل الدعم الطبي للجرحى.
وستكون كل تعهدات المانحين بدون أي قيمة ما لم ترفع إسرائيل قيودها المشددة عن قطاع غزة، التي فرضتها مع بداية الحصار قبل ثمانية أعوام، وبينها منع إدخال مواد البناء والمواد الخام للسكان المحاصرين، فلا عملية إعادة إعمار تتم بدون الأسمنت والحديد الصلب المخصص لذلك، وسيعود السكان إلى ما كان عليه الحال قبل الحرب ما لم تنفذ حكومة تل أبيب اليمينية ما عليها من التزامات، وستزداد مأساة السكان المهجرين أكثر وقد تأكد قضائهم شتاء قاسيا هذا العام بلا مأوى.
ففي آخر مؤتمر صحافي عقده محمد مصطفى نائب رئيس حكومة التوافق ووزير الاقتصاد قال أن حكومته تواجه صعوبات جمة لإعادة إعمار قطاع غزة، أهمها إدخال المواد الأساسية لإعادة الإعمار، والتي لا تزال تدخل بكميات شحيحة جداً.
فالوزير الفلسطيني أكد على ضرورة فتح جميع المعابر مع قطاع غزة لفترات طويلة بغية إدخال المواد، ولم يخف خشية جزء من الدول المانحة الراغبة في دعم إعادة الإعمار من الوضع العام في غزة، ومن تأخير دخول مواد البناء والإعمار، وعدم وجود حكومة الوفاق الوطني.
ضمن الحلول المقترحة للتسهيل على السكان، هناك حديث عن تزويد متضرري الحرب ممن دمرت منازلهم ببيوت جاهزة عبارة عن «كرفانات» ضمن خطة مبدئية تسبق تشييد منازل جديدة، غير أن هناك من يعبر عن خشيته من أن تطيل خطوات كهذه عملية الإعمار الكاملة.
على الصعيد الآخر ستكون الخلافات بين فتح وحماس، قطبي المعادلة السياسية الفلسطينية والتي تفجرت بعد إنتهاء الحرب، حائلا أمام إتمام الإعمار، حال لم يتم التوصل إلى حلول جذرية بينهما لهذا الخلاف القائم، رغم ما بينهما من اتفاقيات أبرمت قبل ثلاثة أشهر وقضت بتشكيل حكومة توافق وطني.
فحركة فتح التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، تؤكد أن عملية إعادة الإعمار لم تتم إلا من خلال السلطة وممثلتها في غزة «حكومة التوافق»، وسط اتهام لحماس بتشكيل «حكومة ظل»، وكانت التصريحات الأخيرة للرئيس الفلسطيني بعدم قبوله وجود غير «سلطة واحدة» في غزة تحمل إشارات على ذلك، وهو ما دفع الحركة للنفي، والإعلان عن عدم ممانعتها من قيادة حكومة التوافق عملية الإعمار، رغم اتهامها للحكومة بالتقصير تجاه غزة.
حركة حماس التي ظلت تبسط سيطرتها على القطاع وتديره منذ الإنقسام في حزيران/يونيو من العام 2007، وحتى حزيران/يونيو الماضي، وشهدت في ظل وجودها قبل هذه الحرب حربين مدمرتين، تم عقبها إعمار البيوت المدمرة في غزة، تؤكد أن عملية الإعمار هذه المرة أيضا ستمضي في طريقها حتى النهاية.
فالسيد إسماعيل هنية الذي كان على رأس حكومة حماس، ويشغل منصب نائب رئيس المكتب السياسي، قال مؤخرا خلال تفقده الدمار الذي حل بالمنطقة الشرقية لجنوب قطاع غزة، أن «الثوابت محفوظة والبندقية مصانة وسلاح المقاومة مُقدس والإعمار سوف يمضي في طريقه»، وأكد أيضا بالقول «سنعيد إعمار ما دمر المحتل».
حماس كانت قد أعلنت عن تقديم أكثر من 30 مليون دولار لأصحاب البيوت المدمرة في الحرب، في إطار عمليات إعادة الإعمار.
هناك من يرى أن استمرار الخلاف والسجال بين فتح وحماس، لا يعطي التطـــمينات لأصـــحاب المنازل المدمرة بفعل الحرب بوجود حل لمشاكلهم يلوح في الأفق.
وفي النهاية لا يعرف السكان ولا حتى ساسة فلسطين شكل «الإشراف الدولي» على عملية الإعمار، وسط تخوفات أبداها الغزيون بأن يكون هذا شكلا جديدا للحصار، بطعم دولي لإزاحة اللوم عن إسرائيل تجاه أي عملية عرقلة محتملة. لكن بالمجمل ينظر السكان لأن تجري العملية بشكل سريع، يتم خلاله تجنب الخلاف الداخلي، من خلال تعزيز أواصر الوحدة في المواقف بين فتح وحماس.
وهنا لا بد من الذكر أن قوة الاحتلال العسكرية (البرية والجوية والبحرية) طوال الـ 51 يوما، أدت إلى استشهاد نحو 2200 فلسطيني نسبة كبيرة منهم من الأطفال والنساء، علاوة عن إصابة أكثر من 11 ألفا آخرين، عدد كبير منهم يرقد على أسرة العلاج في مشافي غزة والخارج، وهدمت نحو 40 ألف وحدة سكنية بشكل كامل وجزئي.
ولا يمكن إغفال تحذيرات من محللين إسرائيليين عسكريين، من انفجار الأوضاع في قطاع غزة إذا طال الجمود وتأخرت عمليات إعادة البناء، دون أن تستبعد عملية تجدد القتال في حال تواصل هذا الجمود.

أشرف الهور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية