«قمر ليل طويل»… ترنيمة قصصية للفلسطينية وداد طه

بعد تجربة روائيّة ضمّت روايات «وأخون نفسي»، و»ليمونة تان»، و»حرير مريم»، أصدرت هذه الأيام الكاتبة الفلسطينية وداد طه مجموعتها القصصيّة البكر الحاملة لعنوان «قمرُ ليل طويل» عن دار الفراشة في الكويت. وقد تضمّنت هذه المجموعة 25 قصّة توزّعت على نوعي القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، وأغلب تلك القصص كانت قد نُشرت في مجلة «الآداب» البيروتية.
ما يُميّز قصص وداد طه هو أنها تُصنِّع الخالِدَ من العاديّ والمؤقّت والهامشيّ، وصورة ذلك زُهدُها في الاتكاء على القضايا الكبرى التي يلجأ إليها بعض المبدعين لشدّ القرّاء إلى نصوصهم، وكان يمكن لها أن تفعل ذلك وهي التي تعيش فصول أكبر قضايا العصر ألا وهي فلسطين، إلاّ أنّها ظلّت حريصة على الالتفات إلى تفاصيل معيش الناس من حولها، وما فيه من مشاهد تبدو للنّظر العابر لحظيّةً وغيرَ وجيهة حكائيًّا، ولكنّها تلتقطها بيقظة فنية عالية، وتعركُها بخيالها الأدبيّ، فإذا المشهَد منها يفارق حالَته الأولى ويتصيّر كيانًا فنيًّا، هو ترنيمة تلامس في ألحانها آفاقا إنسانيةً. وهي إلى ذلك بارعة في إدهاش القارئ بما لم يتعوّد الاندهاش منه، إذ تنهض بنيةُ قصصها على دعامة جملة، أو بمجموعة جمل، تحضر في مفتتح كلّ قصّة لتحكي ضياعًا مّا، بل قُل لتُصوّر مجّانية حياتية مّا، وهي جملةٌ لمّاحةٌ، تَعِدُ بكلّ شيء ولا تقوله، وتكون سبيل الكاتبةِ إلى أنْ ترسم رُكحَ المشاهد التي ستُحكى، ثم تزرع فيه شخصياتها، شاحنةً كلَّ واحدة منها بطاقة انفعالية عالية، وبقدرة على الانزياح بالفعل من حيّز الممكن المُعتادِ إلى حيّز الممكن غير المنتَظَر، وتظلّ تُشذِّبُ كلَّ مكوّن من مكوّنات القصّة وتكثّف من شكل حضوره فيها، إلى أن تنضغط عناصرُ القصّة كلّها وتنفجر في فكرة واحدة هي جوهر ما تروم الكاتبة الإنباء به، ولمّحت إليه في مفتتح مَحْكيِّها: تنفجر في وجه المجّانية والفوضى والسائد. ومن صور ذلك ما ورد في فاتحة قصّة «تتمّة» من انشغال الشخصية عن العالَم، حيث نقرأ: «تنفتح الستارةُ البنفسجيّة حين يَعْبر الهواءُ الشبّاك. يتكرّر مشهدُ تنفّسها البطيء. يسرح قليلًا، ثمّ يُعدّل وضعَ نظّارتيْه فوق عينيْه العسليّتين، ويغرق من جديد بين الأسطر والكلمات. يرنّ هاتفُه. ينظر إلى الشاشة. يرى رقمًا. يضع الهاتفَ جانبًا، ويعود إلى أوراقه». غير أنّ هذا الانشغال إنّما هو ما ستنصبّ على شرحه خاتمة القصّة فإذا هو حالة إبداعيّة لكاتب يبحث عن خاتمة لحكايته: «يتهالك أمام آخر ما تبقّى من كلمات على الأوراق: «… بين الشجرتين، وبعد ثلاث ليالٍ من التخطيط، دَفن معين حمّود جارتَه عبيرَ السيّد. لكنّ أحدًا لم يعرف كيف وصل إلى شبّاك غرفتها ووقع من هناك». إنّ هذا الصعود من الخاصِّ إلى العامِّ، ومن اللَّحظيّ إلى المطلق، هو ما منح قصص وداد طه ميزة فنيّة يشعر بفضلها القارئ بأن العالَمَ من حوله قد تغيّر كثيرا بعد قراءتها، لأن فيها روحًا أدبيّة جديدة نادرٌ وجودُها في قصصنا العربية الراهنة. وهو أمر أكّده القاص العراقي الكبير محمد خضير في تصديره لهذه المجموعة القصصيّة بقوله: «وتمثّل النصوص القصيرة جداً في مجموعة «قمر ليل طويل» نظرةً من شاهقٍ على وادي التّيه ومفترق طرق الوأد والافتراس. فقد نقطِّر من بحر الحب قارورات تكفي لإطفاء عطش الروح، وقد تهدأ عواصف الطبيعة الهوجاء فنُصغي إلى أزيز الجداجد الخافت. كما نستطيع قلب البرهان السّردي هذا فنصعد من حفرة اليأس والخذلان إلى قمة الإشراق والانطلاق. وفي ضوء هذا الإشراق السّردي قد نفهم، آخر المطاف، صيحة وداد طه المضمَرة: «أنا ثورة على نفسي».

٭ كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية