ترتبط الرحلة بالإنسان منذ أقدم العصور، فبواسطتها يكتشف الإنسانُ العالمَ والمجتمعات الأخرى؛ فيصف الرحالة الطريق والطبيعة وطعام الناس وعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم. ويمثل أدب الرحلات جزءًا مهما من مكتبة التراث العربي والإسلامي من جهة، وجزءًا مهما من مكتبة الدراسات الأدبية والأدب الشعبي من جهة ثانية، نظرا لاهتمام الباحثين من مختلف التخصصات بهذه الكتابة.
وفي المغرب الأقصى، ظهر العديد من الرحالة الذين زاروا مختلف بقاع العالم، ودونوا ملاحظاتهم وأحداث رحلاتهم عبر العالم. ولعل أشهرهم هو محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي المعروف بـ «ابن بطوطة» (ت 779 هـ). وإذ نقر بأن أدب الرحلة ينحو نحو الكتابة التاريخية، نظرا للعمل التوثيقي الذي يقوم به الرحالة، فإن منهجية الكتابة عند المغاربة منهم تقوم على أربعة مرتكزات أساسية، تجعل عملهم صارما ودقيقا، ويمكن اعتباره وثيقة علمية تفيد الباحثين في أكثر من مجال معرفي، وهي: الاعتماد على المعاينة والمشاهدة والمشافهة، دقة الوصف، الإفادة من الرحلات السابقة، والمقارنة والنقد.
الرحلة وفتنة العجيب
وبالموازاة مع الدينامية التأليفية في أدب الرحلة في العالم العربي والإسلامي عامة، والمغرب الأقصى خاصة، ظهر العديد من الكتابات الرامية إلى الاهتمام بهذا النمط التعبيري، سواء تعلق الأمر بالتحقيق العلمي للمخطوطات القديمة في أدب الرحلات، أو الدراسات التحليلية أو الوصفية لبعض الرحلات، كما ظهرت كتابات أخرى تناقش بعض القضايا المهمة في أدب الرحلات، ولعل كتاب «الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي» للباحث المغربي خالد التوزاني يندرج ضمن هذا المجال، حيث خُصِّص الكتاب لمناقشة العجيب في أدب الرحلات في المغرب، وهو موضوع أثار اهتمام الباحثين في المجال الأسطوري في المغرب، انطلاقا من أن الأدب المغربي حافل بالأساطير التكوينية والكرامية والغرائبية العجائبية؛ وتتضح هذه الأخيرة من خلال النصوص الأدبية المغربية القديمة وبعض النصوص الرحلية. ويزودنا الكتاب بشبكة مفهومية غنية ومتنوعة، تسعفنا في قراءة نصوص أدب الرحلة وتحليلها وتأويلها وفهمها فهما عميقا، خاصة أنه ينطلق من خلفية تتسم بالثراء والتنوع، وتتمركز – بالتحديد- حول التراث العربي الإسلامي في المغرب. ونظرا لتميز كتاب «الرحلة وفتنة العجيب»، ودفاعه عن فكرة كون العجيب ركنا أصيلا في الرحلة ومركز اهتمام الرحالة والمتلقي معا، كذلك حاز الكتاب على جائزة ابن بطوطة للدراسات في الأدب الجغرافي موسم 2016 /2017. سنعمل على محاولة التعريف بالكتاب، وتقديمه من خلال تحديد الأصول والمنهج من جهة، والمضامين والمفاهيم من جهة ثانية.
حاول الكاتب الاقتراب من عجيب أدب الرحلة، من خلال فصلين أساسيين، أحدهما لعجيب أدب الرحلات، والآخر لموائد العجيب في رحلة «ماء الموائد».
الأصول
من الواضح أن الكتابة الإبداعية لا دوافع لها، لأن الأمر مرتبط بمدى اهتمام المبدع بالقضايا التي يميل إليها، ونضج تجربته ووعيه، إلا أن الكتابة العلمية لها دوافع وأسباب تمهد لها، ومن هذا المنطلق، تعود الدوافع الذاتية وراء تأليف الباحث خالد التوزاني كتابه «الرحلة وفتنة العجيب» إلى اشتغاله بالبحث في أدب الرحلة، واهتمامه بالرحلة المغربية والعجيب في هذه الكتابة، إلى جانب اجتهاده وبذله مجهودا استقصائيا، قصد دراسة أدب الرحلة، نظرا لما يتميز به هذا الأخير من تداخل الأجناس الأدبية وتنوع الروافد الثقافية، وكثرة المعلومات والأحداث التاريخية، ثم السعي وراء البحث الجماعي في أدب الرحلة، عبر المؤسسات العلمية ومراكز الأبحاث وتحقيق التراث. أما الدوافع الموضوعية، فيحددها الكاتب في دراسة أدب الرحلة المغربية في المغرب، وأهمية هذه الأخيرة في الثقافة العربية والإسلامية، ثم اقتحام عالم العجيب في الكتابة الرحلية والإبداع، بتعجيب العجيب وإبرازه للقارئ. وفي ما يتعلق بالمنطلقات المرجعية التي تؤسس هذا الكتاب، فالملاحظ أن البيبلوغرافيا التي اعتمدها الباحث خالد التوزاني كبيرة وغنية ومتنوعة، بدءًا من القرآن الكريم وكتب الأحاديث النبوية والمعاجم وكتب الفكر الإسلامي، إلى جانب كتب أدب الرحلات والكتب الأدبية والنقدية، وزيادة على ذلك، استفاد الباحث من المقالات العلمية، إشغال الندوات والمؤتمرات التي تصب في تخصصه الأكاديمي، ثم استفادة – مرة أخرى – من الرسائل الجامعية والكتب الأجنبية، وبعض المواقع الإلكترونية الرسمية والمعتمدة؛ وهذا يعكس مدى إلمام الباحث في مجال اشتغاله وسعة اطلاعه.
الرؤية والمنهج
لم يشتغل التوزاني على المنهج بشكل أحادي ضيق، بل اشتغل بمنهجية تضم مختلف المقاربات والمناهج الممكنة، نظرا لتداخل الأجناس الأدبية في الرحلة كما أشرنا سابقا، وتعدد الأنساق الفكرية في الرحلة الواحدة؛ وعلى هذا الأساس، فإن طريقة الباحث للوصول إلى هدفه المعرفي المتمثل في دراسة العجيب في أدب الرحلة، تمت عبر البناء النظري للمفاهيم المركزية في البحث، ثم عرض النماذج وتحليلها واستقراء عناصرها، والتمثيل على ادعاءاته النظرية، ودعمها بالشواهد من التراث العربي والإسلامي. وفي عمله هذا، استفاد من المدرستين «الفرنكفونية» النظرية و»الأنكلوساكسونية» التحليلية؛ اعتبارا منه أن البحث لا يتقيد بمنهج أو مقاربة أو مدرسة، بل ينفتح – في اشتغاله – على كل الممكنات التي تسعف في الوصول إلى الجواب.
المضامين
بعد التقديم للكتاب، وعرض الأسناد لنظرية التي ينبني عليها البحث، والتعريف بالمفاهيم الأساسية، حاول الكاتب الاقتراب من عجيب أدب الرحلة، من خلال فصلين أساسيين، أحدهما لعجيب أدب الرحلات، والآخر لموائد العجيب في رحلة «ماء الموائد». مبرزا في متن هذا الكتاب سبب عجائبية النص بين الكاتب (الرحالة) والمتلقي للرحلة، ومدى مساهمتهما معا في خلق نص عجيب خارق للمألوف والمعتاد، وهنا ناقش حضور العجيب وغيابه في النصوص الرحلية.
ففي الفصل الأول، تطرق إلى اقتحام عالم الرحلات الذي تطلب تحديد مفهوم أدب الرحلات وعجيبه، ومحاولة تحليل أول رحلة عربية وإسلامية مدونة. وانتقل – بعد ذلك- لقراءة بعض نماذج أدب الرحلات العجيبة المختارة بعناية، حيث تبرز هذه الأخيرة افتتان الرحالة بالعجيب عوض المألوف، ثم ارتقى الكاتب في مدارج السلوك العرفاني (الصوفي) من خلال قراءة الرحلات الحجازية التي يصل عددها إلى ست وثمانين رحلة مغربية؛ تلك الرحلات المتسمة بالجود والكرم والسخاء الممزوج بالغريب والعجيب.
أما الفصل الثاني، فهو حيز تطبيقي حلل فيه التوزاني الرحلة الحجازية «ماء الموائد» باعتبارها رحلة عجيبة، وهي لرحالة مغربي صوفي، وهي رحلة شهيرة ومعروفة في أوساط الباحثين والمهتمين بأدب الرحلة في الثقافة العربية الإسلامية، ونالت هذه الأخيرة تقدير القدماء والمتأخرين، نظرا لجودتها وجمالها. وعمل الباحث هنا على تعريفها وإبراز مكانتها بين الرحلات الأخرى، ثم ترجمة سيرة صاحبها مع مشاقه أثناء الرحلة، تلك المشاقة التي تحولت إلى متعة ولذة، إضافة إلى ذلك، عمل الكاتب على دراسة منهج الرحالة المتصوف في تلقي العجيب وإعادة إنتاجه واستثماره، من خلال الوقوف على بعض مبادئ منهجه، بالاستناد إلى نماذج من العجيب في الرحلة المتناولة.
٭ باحث مغربي