كتب الباحث الفلسطيني يوسف اليوسف مقالاً حول نرجسية المتنبي، الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في زمانه وبعده، وهو مقالٌ منشورٌ في مجلّة «المعرفة» عدد أكتوبر/تشرين الأول سنة 1979، حاول فيه الباحث قراءة شعر المتنبي في ضوء المنهج النفسي، أو المقاربة النفسية بأدق تعبير، باحثاً في سيرة الشاعر بغية تفسير الظاهرة الفنية. وسنحاول – هنا – تقديم قراءة على قراءة يوسف لنرجسية المتنبي من خلال أشعاره، مُحاولين بذلك استقراء عناصر المقال.
إن الإشكالية الرئيسة التي يتمحور حولها نصّ يوسف اليوسف، هي اعتبار المتنبي شاعراً نرجسيّاً ينطلق من ذاته ويعود لذاته، التي يتمحور العالم حولها، ويرى يوسف أن المتنبي يرفض العالم باستثناء سيف الدولة، لأنه يرى نفسه فيه، من حيث القوة والشجاعة والملك والانتصارات الـمُبهرة، والدافع الأساس وراء كل هذه النرجسية المفرطة هو الشعور بالإحباط العميق في مرحلة من مراحل حياته.
ولعل عناصر الإشكالية التي ينطلق منها الباحث يوسف اليوسف تتمثل في:
• المتنبي شاعر نرجسي خُلّدت أشعاره لجودتها وقوته.
• مرحلة الشعور بالإحباط العميق وعيشُه كانت وراء نرجسيته واعتزازه بنفسه.
• يرفض المتنبي كل شيء في الواقع باستثناء أناه التي أُعجب بها كثيراً.
• لم يربط المتنبي صلة بأي أحد ما عدا سيف الدولة، لأنه كان يرى نفسَهُ فيهِ، من حيث الـمُلك والقوة والشجاعة والإقدام والسخاء والانتصارات المبهرة في المعارك التي يخوضها.
• يرى المتنبي نفسه محور العالم ومركزه، ولذلك، نجد كلّ أشعاره تتمحور حول ذاته.
• شعوره بالإحباط أفرز نوعين من الشعر، احتفظت بهما الذاكرة الأدبية العربية، وهما: الغنائية المفرطة في الحزن والحساسية، والوجودية المتشائمة الرافضة للحياة.
وبخصوص المنهج النقدي الذي اعتمده يوسف اليوسف في مقاربة شعر المتنبي هو المنهج النفسي (المقاربة النفسية) لأنه يربط الأدب بشخصية الشاعر، وما تعرف نفسه من عُقدٍ وأحاسيس مُصاحبة لإنتاج شعره. والذي أفرز الشعر النرجسي هو مرحلة الإحباط التي عاشها وأثرت في نفسيته كثيراً؛ وهذا تصور يراعي الشعر ومضامينه النفسية خاصة، وإلى جانب المنهج النفسي، توسّل الباحث بالمنهج التاريخي لضبط المرحلة وتأطيرها زمنياً، حتى يتسنّى لهُ ولقارئه فهم شعر المتنبي ونرجسيته على وجه التحديد. وقد ارتكز النّص على جملة من المفاهيم الدّالة على المنهج النفسي، منها: النرجسية، الإحباط، الأنا، الـمُعجب، الإخفاق، الميول، النزعة، الأهواء، الذات، هاجس، قلق وسواسي، التسلط، العدوانية، الحساسية، التشاؤم، إلخ، وتدلّ على مدى التزام الباحث بالمنهج النفسي في محاولة فهم نرجسية الشاعر المتنبي، وهي بيت القصيد عنده.
وفيما يتعلق بأسلوب المقال فإنه تفسيري يربط الأسباب بمسبّباتها. وطريقته المنطقية استنتاجية تجمع النتائج بعد التفسير. والنص ككل متّسق ومنسجم، ويحيل الباحث فيه على بعض الأحداث التي من شأنها تفسير بعض المواضع في شعر المتنبي. وتأسيساً على ما سبق، نخلص إلى أن مقال الباحث يوسف اليوسف يكشف عن تصور يركز على ذات الشاعر النرجسي أبي الطيب المتنبي من خلال المقاربة النفسية لشعره، ووصل في الأخير إلى أن شعوره بالإحباط أفرز نوعين من الشعر: غنائي حسّاس ووجودي متشائم.
باحث مغربي