تمتاز الخيول الأصيلة عن غيرها في أنها تلعب دور جهاز الإنذار، فتعلن عن اقتراب الغزاة في اللّيل عن طريق دقّ الأرض بسنابكها. وأحسن الخيول هي الدُّهم، وتسمّى لدى البعض بخيول اللّيل، ويشبّه بلاد وادي الرافدين عند أهل السياسة بالحصان الأسود الجامح. وعلامة الفرس الأدهم الأصيل أنه يغيب في الضباب، وآخر ما يتلاشى منه دهمته، أو أنها تظلّ تتراءى في عيون الخيّالة إلى أن تقع العين منهم على ما يسرّ النفس؛ امرأة أو شجرة أو مملكة مسلوبة بحدّ السيف.
هذا الكلام يصلح للماضي، فكيف يكون كلامنا نحن أبناء اليوم؟
إنا نقول إن الدنيا ملوّنة مع الخيول، وأندرها هي البيض الصّافية، البُلق أفراس الملائكة، والحصان الأزرق هو الأشهب. ونقول: فرس كريم، وفرس جواد وفرس عتيق وفرس رائع، وكلّها من صفات الرجال. اللون الشائع في الخيول هو الكُميت، ومنه الكميت الشمسي، والكميت الناري، والكميت المشمشي، الكميت الحنّي، الكميت البندقي والتّمري. يقول بدر شاكر السيّاب: يا جواداً راكضاً يعدو على جسمي الطريح يا جواداً ساحقا عيني بالصخر السنابك رابطاً بالأربع الأرجل قلبي فإذا بالنبض نقرٌ للدرابك وإذا بالنار دربي لا يحتمل الشاعر الذي أبلاه السقم صورة حصان يعدو في البريّة، واختار أن يصف مرضه بهذا الأسلوب الغريب. الجواد يسحق عيني الشاعر بسنابكه، والدرب التي يعدو عليها تلتهب، لكن قلب الشاعر هو الذي ينبض بصوت الأرجل، تركض. إن الشاعر يستجير بقوى الطبيعة، والحصان أولها، بعد أن شمله اليأس من جهود الأطباء في سبيل شفائه من مرضه.
كلّ فنان يمتلك في رحلة عمره حصانه الخاص، وإذا كان لون فرسك يعيش في قلبك، تبقى الدنيا زاهية لك، وبعبارة أخرى قل لي ما هو لون حصانك، أقل لك من أنت: هل هو الكميت الأقتم، أم الكميت الأسفع، أم الكميت الأسحم؟ الكميت الأربد، الكميت الخمري، الكميت الزهري، الكميت الأشقر، الكميت الأصبح، الكميت الأصهب، الكميت الكركي، الكميت الأمغر، الكميت الأفدم، الكميت الأدلم، الكميت الأدغم، الكميت الأكهب، الكميت الجَون؟ سعدي يوسف لا يكتب شعرا عن جميع ما مرّ ذكره:
لم ننزل على خيولٍ مسوّمةٍ
فأطلقنا خيولَ الجنِّ…
تجدحُ..
يخبرنا أورهان باموق في «اسمي أحمر» إنّ الرسّام يقوم بتصوير الحصان الذي يمليه عليه داخله، كما أن عليه رسم مئات الخيول في خمسين سنة من التّدريب المتواصل، وعند ذاك سوف يقوم بعمله في الظلام، لأن الرسّام الحقيقي يعمى خلال خمسين سنة من جرّاء كثرة العمل، وتحفظ يده رسم الحصان الذي يشبهه، ويكون عندها مصوّرا بهيئة حصانه الذي هو خاصّته، والذي يشبهه. رسم امرؤ القيس فرسه بأحد عشر بيتا في معلّقته، أشهرها:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا كَجُلْمُوْدِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللَّبْدُ عَنْ حَالِ مَتْنِهِ كَمَا زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بالمتنزّلِ٫ ويلاحظ أن الملك الضلّيل أعطى لامرأته «عنيزة» من الشعر أبياتا مساوية في العدد لتلك التي رسم بها كُميته. للمتنبي، هو الآخر، حصانه، ومرسوم بدقة، بريشته: له فضلة عن جسمه في إهابه تجيء على صدر رحيب وتذهب٫
وخصّ الشاعر هذا الوصف بحصانه الذي أقلّه إلى مصر، حيث الحاكم كافور الأخشيدي، وقد ألهى الشاعر ما رأى في الدابة من كمال الخلق عن مهمته:
وما الخيل إلا كالصديق قليلة وإن كثرت في عين من لا يجرب إذا لم تشاهد غير حسن شياتها وأعضائها فالحسن عنك مغيب
الشيات: الألوان، جمع شية. هل كان لهذه الصورة أثر في ما كتبه الشاعر عن الوالي المصري، لمّا عاد خائبا من تلك الديار، وكيف نعت كافور بالعبد الذي يُباع والعصى معه؟ المعلوم أن الخيول الشريفة لا تُضرب بالعصا، أو بغيرها، وكانت العرب تقتصّ من لطمة الفرس، وتُعيَّرُ بذلك، وتطلب الثأر فيه. قالوا: لا تلطم الخيل بلطمة البعير، وقال الشاعر:
ونهدةٍ يُلطم الجاني بلطمتها كأنها ظلّ برد بين أرماح
وأفراس السّباق في الأصل خمسة، وسائسوها خمسة: فسُمّيت الفرس التي كان يركبها السّائس أيوب الصقلاوية، لصقالة شعرها، وسمّيت التي يركبها السائس شُوَيَّة أمّ عرقوب لالتواء عرقوبها، وفرس سبّاح أطُلق عليها اسم شويمة لشامات كانت بها، وسمّيت الرابعة كحيلة لكحل عينيها. أمّا الخامسة التي كان يركبها شِرّاك، فسمّيت عبيّه لأن عباءة شِرّاك سقطت على ذيلها، فظلت ترفعها بذيلها وتردها طيلة السباق. ولهذه الفرس أنشد مطرب المقام العراقي يوسف عمر أغنيته الشهيرة: «يالراكب على عبيّه | حوّل وارتاح شويّه» وأدّت الأغنية كذلك سميرة توفيق ونجوى كرم…
أصعب الخيول مراسا هي الصقلاوية. وقلتُ للسّائسِ «أيوب»: ـ تجمّلْ معها، واصبرْ، وعليكَ أن تصبرَ أكثر، فأنتَ «أيوب»! لكن السّائس كان يشكي، ويشتكي. قال لي: لقد عراني منها التّعبُ الكثير، والعناءُ الكثير. وحكى لي السائس شويّة قصّته مع أم عرقوب. قال: ميزة هذا الفرس أنه يُركب غير مسرّج ولا ملجم، وهو خفيف القياد، ويعدو بي مثل عُقاب طائر. بمجرّد أن أمسك عُرفه، وهو في أسرع عدْوه، فإنه يتوقّفَ. أما السائس الذي فاق الجميع في وصف علاقته مع حصانه فهو سبّاح، وحكى لي إنه حين يقبّل حافري فرسه شويمة تزهر مهاراتها في العدْو. فكّرت في تلك اللحظة كيف يمكنني رسم هذا المشهد، وهل يستطيع الرسّام نقل صورته التي تظهرها الواقعة لنا، وكيف تكون؟ثمة رائحة نتنة في الحظيرة: منذ عشر سنين قضى عمال التبن ليلتهم هناك، فلم تزايلها رائحتهم أبدا. ذكر تشيخوف هذا المشهد في دفتر تمريناته، ولم يستعمله في أيّ من قصصه.
نعود إلى باموق: «إن صدق النقّاش لا يظهر في المهارة، بل في الحالة العكسية، يظهر في زلة اللسان أو الخطا أو الانكسار أو الألم نتيجة الانكسار». وحدّثني السائس أيّوب بعد زمان، عندما التقيته في حانة «هوازن» وكان وجهه مذهّبا بدقيق خريفيّ لأنه تجاوز الستين من عمره. كانت أمامه زجاجتان من البيرة، وظلّ ينشد: لا تسَلْ عمّا أصابني | وذاك السرّ طيَّ شقرتِه | والغُرّةِ | العُذْرةِ الشّعثاءِ | والمتنِ اللاّحبِ… كان السّائس يدخّن، وطلب الزجاجة الثالثة، وكان يمنح نفسه للحديث. قال: السّرجُ ذهبيٌّ | النَّسَا يشبهُ عاليةَ الرمح | الحوامي مُخَضّباتٍ، وإن كانَ لم يُخْضَبِ | رسم أيّوب حصانه بصدق في هذه الكلمات لأنه كان منكسرا وحزينا. حدّثتني فتاة إنها كانت تركب فرسها، وتذكّرت ساعة وفاة أمها، وظلّت تبكي في صرخات مكتومة. الفرس تنطلق في الغاب، والفتاة تنتحب بصمت صارخ، ثم عادت الاثنتان إلى البيت، الفتاة وفرسها، وتعجّبت الفتاة حين رأت دموع الدابة تغرق خدّيها، وتقطر على الأرض. نفهم من هذا أن الخيول تشعر بالعدوّ القريب، وهو الحزن، مثلما تبلغها إشارات العدوّ الغازي من بعيد، فتظلّ تدقّ سنابكها على الأرض لتنبيه قومها. الفتاة التي كانت تنتحب يُعرف عنها أنها ذكية وشجاعة، ويعطينا هذا المشهد تفسيرا جديدا لبيت الشعر القديم:
ولا ينفع الخيل الكرام ولا القنا إذا لم يكن فوق الكرام كرام فلو تخيّلنا شخصا بليد الذهن، بطيء الفهم، إمّعةً كان يعلو تلك الفرس النجيبة، فهل تشعر بما يفكّر به؟
كان السائس أيّوب غائصا في ترتيله الكلمات كالمسحور. كان يغنّي بصوت زانه الحزن والشيخوخة والتعب، وجميع من في الحانة صار يصغي:
«لا رحَحٌ في الحوافرِ ولا اصْطِرارُ | كما أنّ وأبُهُ يدُقُّ حجرَ الجبل | الذيلُ ينزلُ فويقَ الأرضِ هيدبُهُ… وكلّ ذلك كان لي، ثم فقدتُه، لا تسلْ عمّا أصابني». أتمّ نشيده، وغادرني، ربما من فرط تأثّره، دون وداع.
وأختتم المقال بحديث عن الحصان الأسود الجامح:
كان الأمر يبدو طبيعيا تماما، الجدّ يرسم الخيول لأحفاده على الورق المقوّى، يحرّكها بالخيوط. يعلو هتاف الأطفال، والخيلُ تعدو، وتسرع. ثم اقتربت من خطّ النهاية، وشعّ وجه الشيخ بنار سعيدة. ساعةٌ قديمةٌ عاطلةٌ، بغتةً، تحرّكَ النابضُ فيها، والحصان الأدهم يبلغ خطّ النهاية. دقّتْ. أعلنتِ الفوز.
كاتب عراقي