العرض المسرحي “حذاء مثقوب تحت المطر»… فرض أن تحيا ومصير أن تكون مختلفا

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي»: اختتمت فعاليات الدورة الثانية عشرة من مهرجان المسرح المصري، التي استمرت من 17 وحتى 30 أغسطس/آب الماضي. وجاء العرض المسرحي «حذاء مثقوب تحت المطر» لفرقة التمثيل في كلية الهندسة جامعة عين شمس، ليحصد عدة جوائز في مسابقة الشباب، كأفضل عرض مسرحي، أفضل مخرج، تأليف، ممثل دور أول، وممثلة دور ثان. وبغض النظر عن الجوائز ولجان لتحكيم، فالعرض لافت بداية من النص الذي تم إعداده أو توليفه من خلال نصوص أخرى، سواء أدبية أو بصرية، وصولاً إلى اعتماد شخصية فنية لها دلالتها في الفن التشكيلي العالمي. ومن خلال أزمة كبرى عايشها كل من الشخوص ومؤلفي هذه النصوص، تتشكل بدورها الفكرة الرئيسة للعمل المسرحي. العرض أداء.. سعيد مدكور، مريم مهتدي، مصطفى خطاب، آلاء مهدي، سعيد سالمان، ساندرا أشرف، غادة كمال، وكيرلس عادل. إضاءة باسل ممدوح، تنفيذ ديكور صلاح عباس، تصميم وتنفيذ عرائس رنا شامل، موسيقى فريق (سي بيمول)، ماكياج أماني حافظ، العرض إعداد محمد السوري. ديكور وإخراج عمرو عفيفي.

أقانيم الدراما

بالاعتماد على نص «المسخ» لكافكا، وشخصية الابن الفصامي في فيلم «أغاني من الطابق الثاني» لروي أندرسون، إضافة إلى شخص فان جوخ، يتم نسج الأحداث وقبلها تكوين شخصية العرض الرئيسة، هذا الذي لن يحمل اسماً إلا عند تحوّله إلى حشرة في النهاية. هكذا يتأسس عالم مغترب تماماً عن كل ما هو مُعاش، أو يُظن أنه كذلك.
يبدأ العرض بدخول أحد الباعة الجائلين، ومعه مبيد حشري يروّج له بين الجمهور، ليختفي بعدها. وفي منزل لأسرة متوسطة يعيش الشاب بين أب وأم وشقيقة صغرى تهوى الموسيقى. أب انفصل عن العالم بطريقته، ويعيش على تافه الأمور، كان له مشروع حياتي، أحرقه في النهاية واستسلم موقناً أنه أتم مهمته على الوجه الأكمل ــ عمل اللي عليه وخلاص ــ أما الأم، فتوهم نفسها بأنها تعمل وتساعد أسرتها الصغيرة، حيث تقوم بحياكة الملابس، إلا أن ما تُنتجه لا يبتاعه أحد، فيوهمها الابن بتسويقه، ويأتي لها بالنقود، بينما يُلقي بما تتوهمه عملاً في صندوق القمامة.
اليوم عيد الميلاد، والكل ينتظر انتصاف الليل، المدينة تستعد بموسيقى تتكرر حد الرتابة، وفي مدينة الملاهي يعاني الشخص الذي يقوم بدور (الدبدوب) من أزمة، فلابد وأن يتراقص ويضحك طوال الوقت أمام الجمهور، إلا أن طفلاً جرحه بشفرة حادة، فقطع جزءًا من ملابسه وأدماه، هنا بكى الرجل، فتم طرده من عمله ومات كمداً أمام زملاء العمل، الذين واجهوا الأمر بكثير من الفتور والاعتيادية، يفوق رتابة موسيقى استقبال العام الجديد. ولن يجد الشاب/الابن وظيفة حتى ينفق على أسرته، سوى هذه المهنة، مجرد مهرج، فلا يستطع التألم أو البكاء، وعليه أن يُشارك في عرض الضحك الهزلي طوال الوقت.

حاول العرض تقديم هذه الأفكار ومناقشتها في شيء من التبسيط، بدون ادعاء لفظي أو تجاوزات في أداء الممثلين، فالأمر لا يحتمل أو يتطلب التكلف او إظهار الألم، فالمفارقات موجودة فقط بتسليط ضوء بسيط عليها.

ولكن هل من فكاك من هذه الحياة الآلية، وهذا التنميط المرعب؟ فالشاب يرتعب من مصير الموظف السابق، يرتعب من مجرد رؤية الأطفال، فقد يطوله خدش أحدهم، وقد تحولوا إلى كائنات قاسية لا تمتلك أدنى شفقة. هذا الرعب جعل الشاب يعيش حالة من الفصام، بحيث يستجمع جميع المعذبين في شخص فان جوخ صاحب الحذاء الشهير، والعديد من اللوحات التي استوحاها من هذا الحذاء وخلّده من خلالها، هذا الذي قطع به مسافات ومسافات، وكان أيضاً يتعرض لأذى الأطفال قبل الكبار عدة مرّات، بدعوى أنه مجنون، وأن هيئته بالنسبة لهم لم تكن كهيئة الأنماط التي تعودوا رؤيتها. هؤلاء المحترمون الموقرون، الأتفه من خيالات المآته، لكنهم ضمن المنظومة الحاكمة للتقاليد والسلوك، لا يشذون عنها.
ويمر الوقت وساعة البيت تتعطل فجأة، وهنا لن يأتي يوم ميلاد جديد بالنسبة لهذه الأسرة، فقد انتهت حياتها بدون أن تدري، انتهت وهي تتوهم أنها قـــد عاشت من قبل. هذا الوهم يواجهه الشاب بفصامه أو البحث والعيش من خلال المعنى الجمالي والفني، بدون مظاهر الحياة الزائفة، ولكن.. هل المعنى الجمالي للوجود سيتحقق بالفعل لصاحب هذه الروح، أم أنه يتأكد بمفارقته هذا العالم؟

كائن غير مُحتَمَل

وما بين الشعور بالاغتراب وحالة الرعب التي يعانيها الشاب، يتحوّل بالفعل إلى (حشرة) عند عودته إلى البيت/بيته، الذي أصبح مغترباً عنه وعن أسرته، التي لم تر بالطبع محصلة أفعالها أو حياتها المرعبة، والتي تجسدت في صورة الشاب الآن. فالجميع يخشى ويرتعب من هذا الكائن، ويود التخلص منه بأي طريقة. هنا يعود بائع المبيدات الحشرية سيرته كما في بداية العرض، ليعرض عليهم بضاعته، التي يجدون فيها ضالتهم وخلاصهم من هذه التشوهات التي أصبح يحملها ابنهم، والذي ضحى بوجوده من أجلهم، ولكنهم لا يريدون أن يدركوا حقيقتهم، ويرون في التخلص منه طوق نجاة، حتى يستمروا في العيش أمواتاً، وقد ارتضوا هذه الحياة من البداية. هنا يتوحد مرّة أخرى الشاب وفان جوخ، الذي دفع حياته ثمناً لحالة من العبث التي لا تنتمي لأي منطق، وهل للحياة وطبيعتها منطق يتناسب وحالة من التفرد على سبيل المثال؟ هذه الحالات التي يحاربها الجميع، حتى ولو كانوا الأقرب إلينا.

العرض المسرحي

حاول العرض تقديم هذه الأفكار ومناقشتها في شيء من التبسيط، بدون ادعاء لفظي أو تجاوزات في أداء الممثلين، فالأمر لا يحتمل أو يتطلب التكلف او إظهار الألم، فالمفارقات موجودة فقط بتسليط ضوء بسيط عليها. هكذا كان نهج التناول المسرحي للنص، ورغم ما يحمله العرض من أفكار قاسية عن الحياة والمختلفين ومصيرهم، إلا أنه لا يصور الأمر على أنه وجهة نظر تشاؤمية من هذه الآلة المرعبة التي تسمى حياة، فالأمر في النهاية يتجاوز حالة التشاؤم، فقط عليك محاولة أن ترى، أو أن تستشعر في لحظة عابرة أنك إنسان، وأن محاولات النجاة حتى لو بدت عبثية في محصلتها، إلا أنها جديرة بالبحث عنها، أو الإحساس بها، إنها لحظة الوجود أو تحقق المعنى الجمالي بالنسبة إلى الفرد، ولحظة الرعب بالنسبة للآخرين. وعليك أن تختار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية