“انتهى هذا بحظ مجنون”، قال أحد الضباط. قصة سيارة الإسعاف العسكرية التي سافرت في مقطع مكشوف من طريق الشمال بين افيفيم ويرئون اختطفت صاروخي كورنيت؛ الأول أمتار قبلها، الثاني أمتار بعدها، وربما صاروخ ثالث، الموضوع لا يزال قيد البحث، كاتن ستدحرج الطرفين إلى حرب لم يرغبا فيها. ولكن إصبع رجل حزب الله مطلق الصاروخ ارتعدت قليلاً: فليس بسيطاً ضرب هدف متحرك من مسافة 4 كيلومترات، عندما يملأ الهواء غبار يوم صيف، وتلخص الضرر بخرق للإطار الخلفي، بلا إصابات لقواتنا.
رد الجيش الإسرائيلي على النار بصلية من مئة قذيفة إلى أراض فارغة. وكان الهدف خلق ستار وضجيج. كما كانت أيضاً محاولة لضرب الخلية التي أطلقت الصواريخ، وفشلت. ليسوا الوحيدين الذين يخطئون الهدف.
رحلة السيارة كانت خللاً، كما يعترف الجيش، خللاً جسيماً. فقد اعتبر الطريق خطيراً إذ يسمح للسفر فيه للمدنيين ويحظر على المركبات العسكرية، أو ما يسمى في الجيش “مركبة خضراء”. المسافرون: طبيب وأربعة جنود، طلبوا وتلقوا الإذن. وقال لي أحد القادة: “لم ترغب بأن أكون في الغرفة التي سألتقي فيها بمن لهم إذن “.
“كله بسبب مسمار صغير”، كتبت نوعامي شيمر. حين يكون السلام والحرب معلقين باستقرار إصبع مقاتل في حزب الله، فليس هناك ما يمكن الاحتفال به. ولكن المقاتل أخطأ، والحرب في الشمال نالت تأجيلًا مؤقتاً. الثلاثاء من هذا الأسبوع توجهت إلى الجليل في محاولة لفهم ما حصل وما يرتقب أن يحصل. الحركة على طريق الشمال الجديد، من مفترق بيتست في الغرب حتى النبي يوشع في الشرق، كانت هزيلة. وهرب محبو الأكواخ بدءاً من السنة الدراسية. أما الجنود، فنزلوا جنوباً. ثم عاد المزارعون لفلاحة كرومهم قرب الحدود هنا وهناك. ودخل حزب الله في حالة هدوء. يمكن التقدير بأن خلايا مضادات الدروع انسحبت شمالاً. رجال المنظمة، بملابس مدنية، تجولوا علناً على طول طريق الجنوب اللبناني.
“هناك فرق كبير بين حدث أمني في الضفة وآخر في الشمال”، قال لي أحد القادة. ” الحدث هناك يعدّ نهاية القصة. أما هنا فهو البداية”. وبالفعل، فإن لم يفتح أحد زجاجات الشمبانيا هذا الأسبوع، لا في الجيش ولا في منازل المدنيين في الشمال. ثمة تواصل واضح للجميع: المسدس الذي وضع على الطاولة في المعركة الأولى سيطلق النار في المعارك الثانية. لا أقترح التقليل من قيمة الدراما ولا حجوم الخطر.
بدأ الجيش الإسرائيلي المعركة في جبهتين: الأولى تسعى لمنع تثبيت تواجد الإيرانيين وميليشياتهم الشيعية في سوريا، مع التشديد على إحباط العمليات ضد إسرائيل، والأخرى تسعى لمنع استيراد وإنتاج صواريخ دقيقة في سوريا ولبنان. واذا لم أكن مخطئاً، لم تحاول إسرائيل من قبل أن تمنع بالقوة -في إطار سياسة معلنة- التسلح بسلاح تقليدي في دولة مجاورة. والمحاولة الوحيدة كانت في الرسائل المتفجرة التي بعث بها الموساد إلى العلماء الألمان الذين بنوا الصواريخ للمصريين في الستينيات من القرن الماضي، ولكن لا مقارنة في الحجم والمخاطر. يدور الحديث عن جهد استخباري استثنائي وبعشرات ومئات العمليات السرية.
يقف زعيم حزب الله، حسن نصر الله، في مركز الأحداث هذا الأسبوع. ففضلا ًعن الخطابات الكبرى التي يلقيها، يرى الجيش الإسرائيلي فيه رجلاً متوازناً ومسؤولاً، عدواً مصداقاً. وفي إصياغة لأحد الشعارات الانتخابية، نصدق نصر الله. الثقة بالرجل، التي تستند إلى سنوات من التجارب المتبادلة ونتائج استخباراتية نوعية، هو ما ميز هذا الأسبوع بين الجيش الإسرائيلي ومواطنين الجليل. فقد وجد المواطنون صعوبة في فهم سبب إقامة الجيش الإسرائيلي حواجز على الطرق، وإيقاف مركبات عسكرية، ومحاولة العثور على الجنود في مركبات مدنية، وإبقاء الجنود في الخلف، وفي الوقت نفسه يشجع المدنيين على مواصلة حياتهم العادية حتى الجدار الحدودي. نصر الله كان الجواب.
بدأت الجولة الحالية قبل أسبوعين، عندما هبطت خلية إيرانية في مطار دمشق. وكان الإيرانيون يحوزون أربع حوامات متفجرة. قدرت إسرائيل بأن الحوامات معدة للاستخدام الفوري، وستنطلق إلى موقف في شمالي الجولان. وكان أحد الأهداف المحتملة هو موقع السياحة الذي يكثر الإسرائيليون من زيارته. وأمر قائد المنطقة الشمالية أمير برعم بإغلاق الموقع في الخامسة بعد الظهر.
صفيت الحوامات يوم السبت، وقتل لبنانيون جندوا لميليشيا الشيعية، وليس لحزب الله. في تلك الليلة هاجمت حوامات مركبة كانت تقف في بيروت، في قلب الضاحية. وكانت المركبة عنصراً حيوياً فيإانتاج الصواريخ الدقيقة. ونسب الهجوم إلى إسرائيل.
حسب الجيش الإسرائيلي، كان التزامن صدفة. ونصر الله يرى الأمور بغير ما قالت إسرائيل. فهجوم بيروت، لأول مرة منذ 13 سنة، خرق التوازن بينه وبين إسرائيل؛ والقول بأن الجهة المهاجمة استخدمت وسائل رقيقة، منعاً لإصابة المدنيين، لم تواسه: فالردع المتبادل يعد خلاصة سياسته وعصفور روحه، وقرر أن يضم إلى الحساب الشابين اللبنانيين اللذين قتلا في الجولان السوري..
اعتقد الجيش الإسرائيلي أنه مخطئ: فموت اللبنانيين كان جزءاً من الحساب بين إسرائيل وإيران؛ هذا ليس حسابه. لكن نصرالله لم يقتنع.
في الأسبوع الأخير من شهر آب بعث بخلايا مضادات الدروع على طول 130 كيلومتراً من حدود إسرائيل – لبنان. وقال إنه سيضرب هدفاً عسكرياً. وكان التقدير بأنه يسعى لقتل اثنين – ثلاثة جنود، واستعد الجيش الإسرائيلي بما يتناسب مع ذلك؛ فقد استقرت القوات الكبرى: المدرعات، والمدفعية ووحدات المشاة، في سفح خلفي. أما الاستحكامات المكشوفة للنار مستوية المسار، فقد أخليت -وفقاً لرواية الجيش الإسرائيلي- جزئياً. حظرت الحركة على المركبات العسكرية في الطرق. أما المدنيون فشاهدوا إخلاء الاستحكامات بعيون تعبة. السبت، 31 آب تمترست خلايا حزب الله في مواقعها الهجومية.
كانت المعضة في قيادة المنطقة الشمالية صعبة. كان يمكن فرض حظر تجول على المدنيين: أما نصر الله فكان سيحتفل بفزع الإسرائيليين، ينتظر أسبوعاً أو أسبوعين وعندها سيهاجم. ويمكن، من جهة أخرى، الثقة بكلمة نصر الله.
الأحد، الأول من أيلول، كان يوم بدء السنة الدراسية. وفي الصباح أجري تقويم للوضع في قيادة المنطقة الشمالية. قلب اللواء برعم كان يدق بقوة. 32 سنة وهو يخدم في الجيش الإسرائيلي، مقاتل في المظليين، ولم ينضغط هكذا في أي مرة. وكان التقدير أن حزب الله لن يكون جاهزاً في الثامنة صباحاً، في أثناء فتح مؤسسات التعليم، فقرر فتح المدارس كالمعتاد، وامتلأت الطرقات بحركة المدنيين، من الأطفال وأهاليهم، وركزت القيادة على الاستعدادات للمواجهة. وكانت الخطة هي الرد الموضعي، وتضليل نصرالله بشأن شدة الإصابة والسماح له بالنزول عن الشجرة. هذا حصل، ولكن ليس بالشكل الذي خطط له الجيش الإسرائيلي.
لم يكن أي شيء كاذباً، وأي شيء مخططاً في المركبة من طراز زئيف، التي بدأت، الأحد، بالسفر على طريق الشمال. لمدة 25 ثانية كانت مكشوفة أمام النار من جهة مارون الراس. وكان حزب الله أقام موقع مضادات الدروع على مسافة نحو 4 كيلومترات، في منطقة مطلة.
الغرفة الحربية في قيادة الشمال، كانت تتابع الحدث بقلق كبير. عاد اللواء وسأل: هل هناك قتلى؟ إذا وقع قتلى، فستفتح النار على مواقع حزب الله في الميدان فوراً. تمر دقائق طويلة إلى أن يأتي التقرير: المركبة وصلت إلى بوابة كيبوتس يرئون. لا توجد إصابات.
بدأ الجيش الإسرائيلي بإطلاق نار المدفعية، وأغرق المنطقة بالدخان؛ وأخرج مسرحية إنقاذ، بما في ذلك إقلاع مروحية وهبوط في رمبام. مرت ساعتان ونصف إلى أن انكشف التضليل، بخلاف الخطة. نصر الله تردد. الفرنسيون ضغطوا على رئيس الوزراء الحريري، والحريري ضغط على نصر الله. قائد قوات الطوارئ الإيطالي تحدث مع نبيه بري، رئيس البرلمان. وكان هذا هدف المهلة.. السماح للجهات المعنية بالضغط على نصر الله. وعندها اتصل قائد قوات الطوارئ بالجيش الإسرائيلي، وقال: إن توقفتم سيتوقفوا. وأنزل الستار على المعركة الأولى.
لهذه القصة ملاحظات هامشية: بعد الظهر، بادر رئيس الوزراء نتنياهو إلى محادثة مؤتمر مع بعض الصحافيين، وقد اختار أن يعرض نفسه كـ “مصدر أمني رفيع المستوى”. وفي الإحاطة أعلن بأن لو كان في المركبة العسكرية قتلى لأمر سلاح الجو بتدمير كل منظومة الصواريخ الدقيقة في لبنان. “طائراتتنا كانت في الجو”.
الصواريخ الدقيقة مشكلة خطيرة، وليس في هذا جدال. ثمة مجال للجدال على الثمن: هل تبرر المنفعة من القصف بدءاً شبه مؤكد لجولة ثالثة مع لبنان؟ الحجة كانت موجودة. سواء وجد مصابون في المركبة أم لا. على كل الأحوال، شعب إسرائيل كان سيحب الهجوم، وسيخفت حبه تدريجياً بعد بضعة أيام.
كانت التبجحات زائدة، وكانت هي الصلة الوحيدة بين الأحداث في الشمال والانتخابات. “كان نرجسياً بعض الشي”، قال إيهود باراك أول أمس عن نتنياهو، وتابع: “هو يجد نفسه ملزماً بأن يبقى دوماً صاحب الكلمة الأخيرة”.
بقلم: ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت 6/9/2019