الخرطوم -“القدس العربي”: بعد تأجيل لأيام عدة ولثلاث مرات، يوم الخميس، تم الإعلان في الخرطوم عن أول حكومة مدنية بعد سقوط البشير في الحادي عشر من نيسان/أبريل الماضي، وضمت الحكومة 18 وزيرا مع تأجيل الإعلان عن وزارتي الثروة الحيوانية والبنى التحتية لمزيد من التشاور.
وأوضح رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في المؤتمر الصحافي الذي خصص لإعلان الحكومة، أن البلاد تعبر مرحلة جديدة تؤسس لسودان يحترم التنوع والتعدد والاختلاف. وعزا تأخير إعلان حكومته إلى “تمرين ديمقراطي ومشاورات عميقة وفقا للمعايير التي وضعت وفي مقدمتها الكفاءة وتمثيل النوع والتمثيل الجغرافي”.
وجدّد أولويات حكومته والمتمثلة في إيقاف الحرب وبناء السلام المستدام، مشيدا بقوى الكفاح المسلحة وتوحدها في مؤتمر جوبا الأخير، معلنا عن تشكيل لجنة مصغرة من مجلسي السيادة والوزراء لوضع إطار عام لشكل وهيكلة مفوضية السلام، وأضاف أن أول مهام الحكومة تتمثل في الإصلاح الاقتصادي وتحسين معاش الناس وبناء مؤسسات الدولة والالتزام بقضايا العدالة وإقامة علاقات خارجية تستند على مصلحة السودان.
وأعلن رئيس الوزراء، حكومته التي ضمت 18 وزارة من بينها أربع من النساء تقلدن وزارات الخارجية، التعليم العالي، العمل والتنمية الاجتماعية، والشباب والرياضة.
وأضاف حمدوك أن هناك اعتبارات أخرى شملت الاختيار، من بينها ما أشارت إليه الوثيقة الدستورية في اختيار وزيرين حزبيين ورمزية الثورة وتمثيل الشباب. ودار جدل كثيف حول القائمة التي قدمت من قبل قوى الحرية والتغيير لاختيار الوزراء، خاصة اختيار القيادي في قوى الحرية مدني عباس مدني، على اعتبار أن هذه القوى تعهدت بعدم ترشيح قادة التفاوض للوزارة. وقال حمدوك أن القائمة الأولى التي قدمت له خلت من تمثيل النيل الأزرق ودارفور والشرق مضيفا أن تأخير إعلان الوزارتين المتبقيتين يعود لاستيعاب النيل الأزرق والشرق في التشكيلة الوزارية.
وأعلن رئيس الوزراء السوداني عن الشروع في تعيين ولاة الولايات بسرعة وكذلك كل مستويات الحكم المحلي بالمعايير التي اتبعت في تكوين مجلس الوزراء، مضيفا أن شكل الحكم الإقليمي من حيث التقسيم الجغرافي سيبقى على ماهو عليه (18ولاية) حتى يقرر في ذلك المؤتمر الدستوري.
وأدى تأجيل إعلان الحكومة لجدل كثيف في الأوساط السودانية، وترى الناشطة السياسية أمل هباني ضرورة إعطاء حمدوك الفرصة الكاملة لتكوين حكومته بدون ضغوط “ليتخذ القرارات كقائد لهذه المرحلة الأكثر حساسية في تاريخ السودان”. وتعتقد أن اصراره على الكفاءات قد يكون خصما على كثيرين ناضلوا ودفعوا أثمان غالية في حين أن كثيرا من هؤلاء الكفاءات التي اختيرت قد يكونون انشغلوا ببناء أنفسهم وتطوير ذاتهم حتى من دون المشاركة في النضال من أجل التغيير.
وهي ترى أن حمدوك يضع معيارا للدولة المدنية ويبني “أساس” السودان الجديد الذي لم يتحقق على أرض البلاد منذ بدء الخليقة، وهي أن الكفاءة هي المعيار الحقيقي و “من اراد أن يحكم فعليه أن يؤهل نفسه جيدا علميا ومهنيا ليتقدم”.
ويقول الصحافي خالد فتحي إن مشاركة النساء في التشكيلة الوزارية جاءت دون الطموح وأقل بكثير من عطائهن الوافر لأجل التغيير. ويضيف لـ”القدس العربي”: “كان من الأجدر ألا يقل التمثيل عن 40 في المئة، حال تعذرت المناصفة المطلوبة”.
ويرى أن المشاركة القوية للنساء في ثورة كانون الأول/ديسمبر المجيدة واضحة للعيان ولا تحتاج إلى برهان، ويضيف: “نحتاج للخروج من التنميط السالب في تخصيص وزارات بعينها للنساء وحجب وزارات أخرى، كالداخلية والدفاع والمالية والعدل”.
وخلص فتحي إلى أن الثورة أصلا قامت لإزالة المفاهيم المغلوطة وتحجيم مشاركة النساء كانت واحدة من تلك المفاهيم، وكان من الأوفق لأول حكومة للثورة أن تأتي مصطحبة قيمها ومبادئها العظيمة.
واعترف حمدوك في مؤتمره الصحافي بضعف تمثيل المرأة مضيفا أن وجود أربع نساء ضمن عشرين وزيرا يعتبر تمثيلا غير عادل، لكنه عزا ذلك للبداية في الطريق الصحيح، مشيرا لوجود امرأتين في المجلس السيادي المكون من أحد عشر عضوا وتعهد بأنه سيعالج مسألة النوع والتعدد مستقبلا.
ويقول المحلل السياسي ماهر ابو الجوخ، إن الاجتماعات المشتركة التي عقدها رئيس وزراء الحكومة المدنية الانتقالية د.عبدالله حمدوك وممثلو قوى الحرية والتغيير التي ناقشت قائمة الترشيحات للمواقع الوزارية التي دفعت بها “قحت” وهذا اختصار قوى الحرية والتغيير، لشغل المواقع الوزارية والمجالس تسببت في تأجيل إعلان التشكيل الوزاري وإلغاء المجالس وجعلها وزارات.
ويضيف “بقي القرار الأهم مرتبطا بالترشيحات التي طالب حمدوك بمراجعتها حيث أثارت احباطاً واستياء كبيرين عززت من خلاله لجنة الترشيحات الانطباع العام الذي اكتسبته بوصفها ضعيفة ومهزوزة، منذ تعاملها مع واقعة اختيار مرشحي مجلس السيادة. فترشيحات الحكومة أغفلت التمثيل الإقليمي وجاءت ضعيفة في ما يتصل بتمثيل النساء ومعدومة للشباب أما كفاءة بعض المرشحين والمرشحات فكانت أقل من المطلوب”.
ويرى ماهر أن حمدوك استحق احترام الرأي العام حينما أوفى بما ذكره في مؤتمره الصحافي الأول عقب أدائه اليمين الدستورية حينما أكد بأنه سيعيد الترشيحات لـقوى الحرية والتغيير إذا لم تكن متوافقة مع المواصفات الموضوعة. ويضيف أن الأمر الأهم هو وضع المعايير الخاصة بوجوب تمثيل الأقاليم والنوع ويقول “هي جوانب مهمة باعتبارها ستكون المؤشر العام لحكومة ما بعد الثورة ومحفزة لتحقيق السلام خاصة للحركات المسلحة أو التقدير العام لدرور المرأة بتمثيل يليق بنضالات المرأة السودانية خلال هذه الثورة”.
ويرى الجوخ، وجوب مشاركة الشباب الفاعلة في الثورة بوجود مرشحين أو مرشحات ضمن التشكيل الوزاري لا يتجاوز عمرهم الأربعين عاماً أو أقل، وإذا ما تم إلقاء نظرة فسنجد كفاءات شبابية داخل وخارج السودان ممن هم ضمن هذه الفئة العمرية باعتبار أن هذا تمثيل لجيل شباب الثورة.
ويقول: “بشكل عام فإن التقديرات تشير إلى إن العدد الاجمالي لأعضاء الحكومة سيرتفع إلى 26 وزيراً من بينهم 22 وزيراً و4 وزراء دولة.
ويرى أن هذا الرقم يمكن مقارنته بالحكومات الثلاث التي تشكلت خلال العهد البائد. ففي آخر حكومة تشكلت برئاسة د. محمد طاهر ايلا واستصحاب الاضافات التي تمت عليها في الأول من نيسان/أبريل 2019 فقد ضمت 44 من بينهم 22 وزيراً و22 وزير دولة.
وحسب الجوخ فإن الحكومة السابقة التي ترأسها معتز موسى التي تم تشكيلها في 2018 فقد ضمت بعد تعيين وزير جديد و4 وزراء دولة في ايار/مايو 2018 إلى 54 من بينهم 22 وزيراً.
فالحكومة الأولى التي ترأسها لأول مرة رئيس للوزراء منذ انقلاب 30 حزيران/يونيو وهو النائب الأول للرئيس الفريق أول بكري حسن صالح في أيار/مايو 2017 ضمت في تشكيلتها 75 من بينهم 31 وزيراً و44 وزيراً للدولة.
دخول الشباب في حكومة حمدوك وجد ترحيبا كبيرا على وسائل التواصل الاجتماعي التي ضجت بنشر السير الذاتية لهؤلاء الشباب وإنجازاتهم رغم صغر سنهم، ومن هؤلاء الشباب وزيرة الشباب والرياضة آلاء البوشي التي صادف تعيينها انتصارين للمنتخب الأول لكرة القدم على تشاد والمنتخب الأولمبي على نيجريا، وتفاءل الكثيرون بذلك واستبقت هي إعلان الوزارة الجديدة بالتعليق على صفحتها في فيسبوك قائلة : “سلام عليكم رفقائي ورفيقاتي شباب وشابات ثورة السودان العظيمة، أود أن أبلغكم رسميا أننا حزنا على وزارة الثورة كما أسماها أحد رفقاء الثورة، وزارة الشباب والرياضة، الطريق ليس سهلا لكن معا يمكن أن نصنع وننجز المستحيل كما فعلنا في الشهور الفائتة، إنتهى عهد الظلام ونحن في مقتبل عهد جديد تحقق بمجهود الشباب وتضحياتهم، وسيستمر بنا وسيقوده الشباب، عبر هذه الوزارة لنصنع التاريخ المقبل، لتكون أول حكومة ديمقراطية منتخبة بعد الفترة الانتقالية غالبيتها للشباب، ولنعيد للسودان سيرته الأولى في مجال الرياضة”.
وتفاءل السودانيون بالانفتاح على العالم الخارجي الذي بدأت ملامحه تظهر، وأشار الكثيرون إلى أن البلاد انتقلت من “وصمة الإرهاب” التي لازمتها طوال عهد البشير إلى آفاق الترحاب العالمي والتي بدأت بزيارة وزير الخارجية الألماني ودعوة الرئيس الفرنسي لحمدوك لزيارة فرنسا واستعداد الأخير لجولة من ضمنه حضور اجتماعات الأمم المتحدة أواخر هذا الشهر.
وعلى مستوى الحراك السياسي في الداخل فقد جدد الحزب الشيوعي موقفه بعدم المشاركة في مستويات السلطة الانتقالية لعدم اعترافه بالوثيقة الدستورية وقال في بيان: “إن القبول بهذه الوثيقة والامتثال للعمل بموجبها ومن ثم الدخول في أي جزء من هياكل المرحلة الانتقالية (سيادي، وزاري وتشريعي) يعد تناقضاً يحول بيننا وبين العمل مع الجماهير على حماية مسار الانتفاضة والعمل على فتح الطريق لاستكمال مهامها وإنفاذ إعلان الحرية والتغيير المتوافق عليه مع بقية مكونات الحرية والتغيير”.