“الانسان كاتبًا هو قنّاص زمن. الانسان مستمعًا هو قنّاص موجات صوتيّة.” هذا ما كتبه الشاعر الفرنسي الراحل جاك لاكريار في كتابه “سورSourates ” (ج. سورة)، منشورات فايار 1982، وكان أهدانيه عام 1989 في صنعاء، في ملتقى الشعر العربي/ الفرنسي. وهو من الكتب التي تقرأ متعة وواجبا. على أنّي أفتتح به هذا المقال، إذ هو الذي قدح فيّ فكرة “شاهد ما شافش حاجة”، وليس مسرحيّة عادل إمام الشهيرة.
نحن البشر نحيا أبدا وسط ضوضاء العالم حيث تحفّ بنا في مسالك العيش كلّها، رسائل صوتيّة وأخرى مرئيّة، تخترق جلودنا وهي أعمق ما فينا. وكان لكلّ عصر ضوضاؤه وأصواته وصوره. كان للعرب هواتفهم، والهاتف هو من يُسمع صوته ولا يُرى شخصه. ثمّ صارت لهم كما لغيرهم تلفوناتهم، ولكنّ مجاميعنا اللغويّة لم تجد لها مقابلا إلاّ في أساطير أسلافنا عن الجنّ وهواتف الصحراء؛ وهي أساطير الشعوب في القرون الخوالي وحتى العصور الوسطى، وأصوات الغيب أو اللامنظور والكائنات الأسطوريّة المخلوقة من نار أو من نور. ولقد كانت عندهم بمنزلة الحقائق التي لم تنغمس في الشبهات، شأنها شأن النجوم والمجرّات والحشرات عندنا نحن، قريبة مثل “بعوضة” محمود درويش التي أعود إليها لاحقا، أو بعيدة في الفضاء اللانهائي؛ وهي في نشاطها الدؤوب، ونحن اليوم أشدّ إصغاء لها، وأسرع تأثّرا بها.
ما الذي فعلت بنا وسائل الاتّصال الحديثة منذ عصر الراديو وما بعده، والتلماتيك أو هذه التقنيات والخدمات التي تمزجها بوسائل المعلوماتيّة؟
أشياء كثيرة لعلّ أبرزها تقلّص الفضاء أو اللانهائي وانكماشه، وقربه منّا. وهو ما كانت تنهض به الآلهة والملائكة والجنّ والشياطين والشعراء والأنبياء قديما، في مخيال الشعوب الداثر الباقي. وها هو يتحقّق في عالمنا، ويتمثّل لنا سويّا، ويجعل من زمننا حاضرا أبديّا أو ما نسمّيه حضور الحاضر وهو الذي دأبنا على القول إنّه يفلت منّا شأنه شأن الكلام؛ إذ يكون حيث لا يكون، وهو الذي ينتمي أبدا إلى الماضي. لأقل إنّه الحضور الآني المشترك في مكانين أو أكثر معا: “أنا/ هنا وهناك وهنالك/ الآن”. بل إنّ هذه الوسائل جعلت من فضائنا صوتا بشريّا قريبا يقرع أسماعنا. على أنّ هذه الوسائل لا تحمل لنا اليوم سوى أصوات البشر الفانين المعذّبين وصورهم، تأتينا من أنقاض إدلب أو غزّة والضفّة أو عدن، ومن شتّى جوانب السماء، ومن أرجاء المعمورة ورحابها؛ أكانت بادية منبسطة فسيحة أم لم تكن، وسواء أكان المكان مربّع الأبعاد والزمن بعده الرابع أم لم يكن. فبهذه الوسائل أو الأدوات صار كلّ قاطن بيت أو نازل مكان مغلق، حتى لو كان من أهل القرى النائية، يعايش كلّ حدث خطير زمانا وفضاء ومكانا، أو هو المعاصر والشاهد كما يقول جاك لاكريار. ولكن أيّ شاهد؟ اليوم لا أحد بميسوره أن يكون أصمّ أبكم أعمى، لا يعقل ما يحدث حوله. ومع ذلك كلّنا “شاهد ما شافش حاجة”، شاهد خائر عاجز مستسلم؛ وهو الذي يسمع ويبصر ويعقل. نحن نقول عادة إنّ الحرب هي أسوأ الشرور، ولكن الإعلام اليوم شرٌّ منها، بل هو أسوأ وأقبح من الجهل أو الجهالة، وهو يعرّينا ويعرّي خورنا نحن “الشهود” الذين نعاني من عالم ثقيل أعمى لا طاقة لنا على تحمّله، ونقف مدفوعين مصدودين على تخومه؛ ونحن في الصميم منه حيث “الهنالك” يزور”الهنا” ويستزيره؛ ولا رادّ له تماما مثل بعوضة محمود
“تحطّ على الصفحة التي تقرؤها ، فتفرح قائلاً في سرّك: لقد وَقَعَتْ في الفخّ. وتطوي الكتاب عليها بقُوَّة: قَتَلْتُها… قتلتُها! وحين تفتح الكتاب لتزهو بانتصارك، لا تجد البعوضة ولا الكلمات. كتابك أَبيض! ولا سبيل لك لمساومتها على هدنة غير وسيلة واحدة أن تغيِّر فصيلةَ دمك”.
الشهادة في أبسط تعريفاتها هي مضمون خبر أو نبأ تنقله ذات إلى ذات أخرى بوِساطة الإعلام في السياق الذي أنا به. والشاهد هنا شاهدان: شاهد عيان، وشاهد سند أو حجّة مثبت أشبه بشاهد العقد. والأوّل صادف أن كان في موقع الحدث، أو هو بوغت به، وليس له خبرة الاختصاصي، ولا هو من أهل الكفايات. وقد يكون مشاهدا أو متفرّجا أو ضحيّة، أو مستسلما مطاوعا غير فعّال. ولا يعرف مسبقا ما إذا كان سيدعى إلى الإدلاء بشهادته، وما هي الأسئلة التي ستطرح عليه؛ وهو الذي شاهد الحدث، وتابعه لحظة وقوعه، وحفظه في ذاكرته. وقد يكون الشاهد الوحيد أو هو لا يعرف ما إذا كان هناك شهود آخرون. وأمّا الثاني فهو مفوّض أو مراسل أو مبعوث مؤسّسة، على عين المكان، للمعاينة وإثبات الحالة؛ أو القيام بأعمال مرتّبة أو منسّقة سلفا، أو هو “عمليّاتي” له علاقة بالعمليّات الحربيّة كما هي حال المراسلين المغامرين، أو هو فاعل يمتلك الكفايات اللازمة؛ ويدرك أنّه سيقدّم تقريرا مفصّلا عن مهمّته، وأنّه سيستفسر بشأنها. وباختصار هو يرى ويشاهد ويرصد ويفحص ويتقصّى، ويسجّل ويدوّن. بل هو راوٍ يقصّ أو يروي ما شاهد، وما كان يدور في خلده من أفكار، وباستعمال أسماء صحيحة أو محرّفة أحيانا لاعتبارات أمنيّة أو لحماية أفراد أو شهود بعينهم. وفي شهادته يلتبس “أنا” الشاهد الراوي بـ”أنا” الشخصيّة. وهو التباس سائغ مقبول؛ فالشهادة مسموعة أو مدوّنة، أمسّ بأدب السيرة والاعترافات، وهذه أوفر حريّة وطلاقة بنية وشكلا؛ إذ هي ليست بالعمل السردي الروائي المحكوم بأنساق الجنس الأدبي وقواعده وقوانينه.
والشهادة تقوم على انتقاء وقائع وشوارد وتفاصيل، بما يناسب حاجات الشاهد أو المشهود له، أو أفكاره أو رغائبه أو طموحاته؛ حتّى وهو يوهمنا بأنّه يستحضر الحدث على مقتضى “قانون” التداعي أو مجرّد علاقة تقدحها الذاكرة بين الأشياء والوقائع. وقد ينسى ما يريد أن ينسى، ويتذكّر ما يريد أن يتذكّر. ويتعزّز كلّ ذلك بخطيّة الخطاب، من حيث هي علاقة محسوبة بين شكل ومحتوى، فيؤدّي تغيّر أحدهما إلى تغيّر في الآخر، يكون متناسبا مع تغيّر محتوى الآخر أو شكله. والسؤال: هل من شأن هذه الطريقة أن تؤمّن للشهادة نصيبها من الحقيقة؟ ووجه السؤال أنّ طابع أيّ خطاب مرجعيّ مثل الشهادة، سواء كان عاطلا (من البلاغة) أو مبسّطا، في علاقته بما يفيض به الواقع؛ لا يكفي لجعله صادقا. والحقيقة نشأت بطبيعتها على أنّها حشد من الاستعارات والكنايات وضروب تشبيه الأشياء بالإنسان.
وما يعنينا هو ما يتعلّق بالشاهد وبصدق شهادته هو أشبه بالطرف الثالث الشاهد، بين شخصين متعاقدين؛ وبسمات التلفظ في خطابه مثل ظرف المكان وظرف الزمان وأسماء الإشارة وأزمنة الفعل التي يمكن أن نميّز في ضوئها بين نظامين يكشفان عن خطتي تلفّظ مختلفتين في أيّة شهادة: الخطاب من جهة، وسرد الوقائع من جهة أخرى. وهو سرد مداره عادة على الماضي البسيط، خاصّة أنّ الشهادة ذاكرة تتكوّن من تجربة الشاهد وخبرته. بيْد أنّ وضعنا نحن في غرفنا أو مكاتبنا المغلقة، ونحن نسمع ونشاهد؛ ليس وضع الذي يشاهد فيلما. وهذا ما يجعلنا نختلف قليلا مع جاك لاكريار. فهو يرى أنّ ما نشاهده على الشاشة ليس الحدث وإنّما إعادة إنتاجه. وحجّته لذلك أنّ الأخبار وشتى متعلّقاتها تصلنا بوِسائط ووسطاء ينخلونها ويغربلونها، وقد يختزلونها أو يقتصرون على الضروري منها؛ وقد يعظّمونها أو يجعلون منها صورة مكبّرة. وقد يكون في هذا مقدار من الصواب، فالبراءة للأموات وليست للأحياء؛ والشهادة لا تتكوّن من تلك الصور التي يلتقطها الشاهد فحسب، وإنّما من طريقته في عرضها حيث كلّ معنى ظاهر فيها مرتهن بمعنى باطن. ولكنّنا لسنا في وضع من يشاهد فلما أو عمليّة مونتاج وإيهام بالواقع، إذ نعبر من نمط من الإدراك إلى نمط آخر هو الإدراك الواعي اليقظ، ونكون المشاهد الشاهد المنعزل في “لعبة” أشبه بلعبة الفرد أي تلك التي يلعبها شخص بمفرده، ولكن في وحشة وأسى، أو في صلاة أشبه بصلاة الأسرار.
فما الذي نستطيعه لهؤلاء المعذّبين في الأرض، نحن الشهود المتضامنين معهم المتعاطفين؟ لا أحد منّا بإمكانه أن يكون رفيق أيّ منهم في محنته، أو أنيسه في وحشته؛ حيث يمكن لصورته أن تكون ماثلة من غير أن تكون ممثّلة، وحيث يحضرنا باستمرار المشهد الذي رأيناه؛ دون أن نستطيع منه فكاكا. ونحن مع وسائل الاتصال هذه، لا نتنسّم الأخبار، وإنّما الأخبار هي التي تأتينا، ويأتينا بها من لم نزوّده. ما الذي نستطيعه لهؤلاء المظلومين الملهوفين الذين ينادوننا ويستغيثون، ونحن نصغي لأصواتهم قريبة بعيدة، بأسماعنا وقلوبنا؟
* كاتب تونسي