الفضاء الأدبي داخل النص الصحافي في كتاب «مرايا عاكسة»

السؤال الذي يبقى، ربما عالقا في الذهن، يقف عند مناقشة الدوافع التي تجعل من الأكاديمي ذلك الإنسان الذي يجنح في بعض حالاته إلى تكسير الجملة الفكرية المكثفة، بالسؤال والنمطية والصرامة، وتحويلها إلى مادة تستجيب أكثر للمتلقي على تعدد مستوياته؟

فضاء الصفحة/ تجربة الجريدة:

يمثل كتاب «مرايا عاكسة» تلك التجربة التي قادت الكاتب إلى «فضاء الصفحة»، وكان من جميل التواصل مع الجريدة أن تتكرس التجربة في الزمن والمكان، بتحويل منتج «العمود» إلى كتاب يضم تلك المقالات ويشحنها – وهذا المهم في هذه التجربة – بنَفَسِ الكاتب وتعبه ورؤيته لإيصال تصوراته إلى القارئ، إذ من المعروف أن مقالات العمود جاءت وفق ترتيب عفوي تتطلبه مزاجية الكاتب، وتهيؤه للكتابة في المواضيع التي تنطرح أمامه تباعا في الواقع، وفي الذاكرة، فكثيرا – على سبيل المثال – ما استعاد لحظات تاريخية تم له اللقاء فيها بشخصيات أدبية، ونقل هذه التجربة إلى عالم الكتاب، يحيل ابتداء إلى التفكير في المقالات ذاتها، ثم تخييل وتصميم شكل الكتاب، والتفكير مليا في غلافه كعتبة تقدمه إلى العالم بتعبير جيرار جينيت، إضافة إلى إنه يشكل نوعا من إعادة النظر في ترتيب المقالات، وإمكانية إعادة كتابة بعضها، أو الإضافة إليها أو تنقيحها، وهو عمل استرجاعي للكاتب من فسحة التواصل العام واللين إلى صرامة العلاقة المنهجية مع الكتابة والأفكار.

بين التزامين:

يستعيد الكاتب بعض مواقفه وذكرياته مع كتاب التقاهم كالشاعر يفغيني يفتيشنكو» وديمتري ميكولسكي، وبعضهم أمْلت الضرورة الثقافية والقرب المعرفي منهم الكتابة عنهم، إذ عادة ما يرتاح الكاتب إلى بعض الكتاب عن غيرهم، كماركس وهنري ميللر، مكسيم غوركي، بورخيس، وفي كل ذلك تستشف البعد الإنساني في العلاقة الثقافية، فهو يقول: «حدث أن التقيت بالشاعر يفجيني يفتيشنكو في مطلع الثمانينيات في جامعة الجزائر. تمت استضافته آنذاك لتقديم أمسيات، وكان عبد العزيز بوباكير ينقل قراءاته بترجمته الفورية الراقية. ثم جلسنا مرة ثانية في لقاء أدبي». فهو يلتقي الشاعر والمترجم، حيث يلتحم الأدب بالترجمة لينجز ذلك الصرح الخارق من الموسيقى المتناغمة وأوتار اللغة، ومن تصنيفه لشعرية يفتيشنكو، يتضح مفهوم بوطاجين للأدب عامة، فبعد أن تعرف على الشاعر الروسي راح يبحث عن إبداعاته التي تذوقها باعتبارها «حكمة»، ووظفها في مجموعته القصصية «ما حدث لي غدا»، كما يذكر في المقال، وأهم ما عرفه أن هذا الشاعر توصل إلى «التوفيق بين الكتابة والاهتمامات الأخرى»، أي إن مستويات الكتابة وحدودها لم تمنعاه من الانخراط في الحركة المجتمعية بقضاياها التي تتطلب الكثير من الالتزام والشعور العميق بالتحولات والتغيرات الطارئة على معاش الناس، وهذا خلاف بعض «الكتاب والمثقفين الاستعلائيين» كما سماهم بوطاجين.
إن الوقوف عند التزام يفتيشنكو إنما هو وقوف أو إلزام للذات بالتزام أخلاقي تمليه الكتابة المناضلة الواقعة بين حركة القلم وحركة المجتمع.
أما حينما يتكلم عن ديمتري ميكولسكي، فإنه يثير قضية أخرى في مستوى آخر من الالتزام، وهي قضية اللغة، فبحسب ميكولسكي «عضو في أكاديمية موسكو وأحد المستشرقين الذين يمكن أن نستمع إليهم بانتباه وعناية»، فهو ملتزم باللغة التي قربته من وجدان العالم العربي، ولذلك يصف بوطاجين لغته قائلا: «أما لغة السيد ديمتري فكانت مزيجا من السحر والعبقرية، لغة عربية ثرية، شاعرية وصافية كلغة الجاحظ والتوحيدي»، ومن مثل هذا المستوى من اللغة التي لم يكن يتكلمها بقدر ما كان «يزقزقها»، كانت ترجماته للروائي الجزائري الراحل عبد الحميد بن هدوقة.
إن الافتتان عند الكتاب بجوانب ذات معنى عند كتاب آخرين، يكشف العمق الإنساني الذي لا يراد من خلاله سوى الوصول إلى مراتب البساطة البشرية، في تملكها زمام أمرها، والتعبير عن الجانب الإضائي الذي تتطلبه الحركة في الحياة والحركة في النص، وما الدلالات القائمة في الكتابة عن الكاتبين الروسيين، سوى تعبير عن ذلك المستقر العميق في روح بوطاجين المستلهمة للالتزامين المجتمعي عند يفتيشنكو واللغوي عند ميكولسكي.

تنضح القراءة عند بوطاجين، خصوصا تلك المتعلقة بالنصوص الروائية بملمحي التواشج والتوادد الفعليين لأنه يؤمن عميقا بالتجربة الإنسانية الطالعة من تعب السيرورة الوجودية

قراءة على حافة المنهج:

تنضح القراءة عند بوطاجين، خصوصا تلك المتعلقة بالنصوص الروائية بملمحي التواشج والتوادد الفعليين لأنه يؤمن عميقا بالتجربة الإنسانية الطالعة من تعب السيرورة الوجودية، ومن يقرأ المجموعة القصصية «تاكسنة، بداية الزعتر، آخر الجنة» يدرك الموقف الإنساني العميق المجترح من عبثية تبتسم لتحرك داخلها الكوميدي الأسود.
تشتبك القراءة في رواية «ذئب البراري» لهرمان هسه ورواية «القصر والحوات» للطاهر وطار مع الجانب الإنساني المعقد والمرتبط بالتجربة، إذ يعمد بوطاجين في قراءة «ذئب البراري» إلى البحث عميقا في ميلاد النص المتعالق، وثقافة الروائي الجامعة، بمعنى المتعددة، وهذا المدخل إلى «الحفر» بتعبير فوكو في الرواية يبني جسرا بين الكلمات كوحدات ناظمة لنغم سيمفونية المعنى في كلية النص، وهو ما يعني التفتيش الجمالي في المفردات وهي تشكل نسيج الجمل والمقاطع السردية، فبوطاجين حينما تؤهله اللحظة الجمالية لاكتشاف بعدٍ ما في النص يرسم ذلك في نبرة الرنين المنبعث من النص ذاته، أي إن القراءة تنبعث مما بين سطور النص ومعانيه ومعماره المتداخل، وذات الروائي.
فهرمان هسه حسب بوطاجين استفاد «بنوع من الذكاء الحاد، من مسائل اجتماعية وجمالية ودينية وفلسفية ونفسية وفنية، ثم عجنها في قالب سردي متناغم»، بمعنى من المعاني، يشير بوطاجين إلى الهوية كشظايا متناثرة في تلاحمها، ينبثق توهج التعدد والعبقرية، وتلك المسائل الاجتماعية والجمالية والفلسفية… إنما تمثلها في واقع الكتابة «كلمات» دالة تؤدي معناها ضمن بانوراما نسيج سردي يعبر عن تصورات الروائي الناتجة عن الاشتغال المضني والمتواصل على عناصر الهوية/الشظايا، «ومن ثم صعب تحويل المؤلف إلى مصادره الفعلية، لأنها غدت متحدة معه، جزءا من بنائه وكيانه الكلي الذي أصبح كتلة غير قابلة للتجزئة».
أما قراءته لرواية «الحوات والقصر»، فالعلاقة تبدأ من الشاهدية على العمل الذي كان قريبا من تخومه بفعل حضور الروائي في واقع الناقد، وعلاقاته التواصلية معه. لما سأله الطاهر وطار – كما يروي ـ «عن أي رواياته أقرب إليه؟»، يقول: «فأجبته: الحوات والقصر لإنسانيتها وقدرتها على اختراق الحدود، ولاستقلاليتها عن الانتماءات الأيديولوجية»، ويبدو أن علاقة الناقد بالروائي كانت مفعمة بالنبض الحاصل بين كيـــانين ينتظران من بعضهما بعضا تَشكل الكتلة المفهمية، من هوامش الكلام على الكلام.
يُعتبر بوطاجين من حيث التكوين الأكاديمي من السيميائيين العرب الذين خبروا السيميائية في مصادرها، بارث وكريستيفا، ولهذا فهو دائم التأكيد على الإحاطات التي تُغفل عادة في عوارض العمل الكلية، وتنغمس الرؤية في المركز متعامية عن الهامش، فهو حينما يخبر الروائي الطاهر وطار بأنه يحب «الحوات والقصر»، معنى ذلك أن أحاديث سبقت هذا الحكم غاصت في ما وراء الرواية، أي المتناصات المتعلقة بها والدفينة في نفس الروائي، والتي تمثل استمرارا مخياليا للرواية، يفضح بعض مقصديات الروائي الحقيقية، وبالتالي عبر الحوارات فهي تؤكد الزعم النقدي المرتكز على القصديات الممكنة، التي تفرزها العملية القرائية للناقد، لكن المهم في هذه العملية هو العامل الإنساني، إذ النقد ليس تفتيشا عن مكامن الخلل واهتزاز البنيات وحسب، إنه أيضا جمالية الكشف عن الموضوعات ذات الأبعاد الثقافو ـ إنسانية، حيث يضع بوطاجين رواية «الحوات والقصر» في خانة الواقعية السحرية، ومن ثم يثبت جدارتها واستحقاقها «أن تتجسد مسرحيا أو سينمائيا لأنها قيمة مؤكدة»، ومن ثم تأخذ الرواية بعدها الكوني المتعالق مع الإنساني في جوهره الفني والأدبي، وتصبح الكونية أيضا رافدا آخر للخصوصية، فلا يمكن أن تكون واقعية وطار السحرية هي ذاتها واقعية ماركيز السحرية، والتأكيد على الجانب السينمائي والمسرحي يعود بنا إلى مفهوم العلامة عند بوطاجين، التي تتأكد عنده ويكاد يستقر مفهومها عند موضوع الحركة، فلا علامة بدون حركة، وإلا ما الذي يدفع السيميائي إلى البحث في عالم السينما، خصوصا وهو المترجم لكتاب «أفلام حياتي» للسيناريست والمخرج الفرنسي فرنسوا تريفو، ويقاربه حسب مقدمة المترجم من خلال زوايا كثيرة، لكنه يثبت أيضا الملكة السيميائية عند تريفو.

٭ كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية