يجري سكان اسكتلندا يوم الخميس المقبل استفتاء سيقرّر مصير بلادهم السياسي، وإذا كانت نتيجة التصويت هي استقلال اسكتلندا، فسيكون ذلك حدثاً تاريخياً كبيراً، بكل المقاييس، ليس في بريطانيا وحدها فحسب بل كذلك في أوروبا والعالم.
اسكتلندا هي جزء من المملكة المتحدة منذ عام 1707 أي منذ 307 سنوات، ويكلل الاستفتاء المقبل نضالاً لإعطاء الاسكتلنديين صوتاً أكبر في المعادلة البريطانية، تجسّد على مراحل كان آخرها تشكيل برلمان وحكومة خاصين بها، وصولاً الى قرارها الأخير بالاستفتاء على الاستقلال.
تتجاور في المسيرة المرتقبة نحو الاستقلال (أو البقاء في المملكة، وهو أمر لا يمكن استبعاده حتى نهاية التصويت) ذكريات التاريخ الطويل لاتجاهين متناقضين ومتجادلين في الآن نفسه، فقد خاض الاسكتلنديون والإنكليز حروباً عديدة ضد بعضهم البعض في الماضي البعيد، كما خاضوا حروباً مشتركة ضد أعداء المملكة المتحدة، كان أكبرها الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولعلّ هذين الإتجاهين يفسّران، جزئياً، التقارب الكبير في استطلاعات الرأي بين حملتي «نعم» أو «لا» (للإستقلال).
سيعزّز إستقلال اسكتلندا، لو حصل، نزعات واتجاهات سياسية أخرى في أوروبا، كما في إقليم كاتالونيا الإسباني، الذي حددت أحزاب الأغلبية في برلمانه موعدا لاستفتاء مشابه للاستفتاء الاسكتلندي في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، كما أنه قد يشعل من جديد نيران النزاع في إقليم الباسك الذي خاض، عبر منظمة «إيتا»، صراعاً طويلاً لنيل استقلاله عن اسبانيا وفرنسا، وكذلك قد يحيي الاستقلال أيضاً آمال أقاليم أو ولايات أوروبية أخرى في الاستقلال مثل بافاريا الألمانية، ومناطق الشمال الإيطالية الغنية، وربما اجتاز المحيط الأطلسي وعزّز آراء سياسية تنادي باستقلال ولاية أمريكية غنية مثل كاليفورنيا، أو ذكر ولايات الجنوب بهزيمة دعوتها للانفصال عام 1865 بعد تأسيسها «الولايات الكونفدرالية الأمريكية» وإعلانها الحرب على الولايات المتحدة التي أدت لمقتل أكثر من 620 آلف جندي، وبذلك يكون استقلال اسكتلندا، لو حصل، سابقة محرّضة تاريخية تعيد كرّ خيط التاريخ الغربي الحديث الذي اشتغل على سردية الوحدة والسوق الأوروبية المشتركة، وصولاً الى الوحدات النقدية والسياسية والعسكرية، عائداً بهذا التاريخ الى فترة تذكّرنا بفترة نهوض القوميات في أواخر القرن الثامن عشر، التي اعتقد الكثير من الأوروبيين أنهم ودّعوها مع توقيعهم معاهدة ماستريخت عام 1992 التي أسست لقيام الاتحاد الأوروبي.
… وهو ما يذكّر أيضاً بحال العالم العربيّ الذي «تستقلّ» أيضا مناطقه و»تنفصل» عن بعضها البعض، على أسس طائفية وعشائرية وإثنية، وأحياناً بدون أسس غير مصالح إقتصاد القتل المعمم، على أيدي الأنظمة ونقائضها المشوّهة، وهو أمر ظهر تحت وطأة ضغوط التاريخ الكبرى، وهو يشبه، بالتالي، «الاستفتاءات»، ولكنّها، لامتناع الإجابة عليها، ولسيادة قانون الغلبة الوحشي في العالم العربي، صارت استفتاءات بمقياس «ريختر»، وتحوّلت الى زلازل سياسية وعسكرية تصطدم فيها رغبات الشعوب بالتغيير بمصالح عالمية وإقليمية ومحلّية هائلة، تحول أنهار الثورة الى فروع من الغضب المستطير التي تأخذ في طريقها الحق والباطل.
وهكذا تبدو الاستفتاءات الديمقراطية الأوروبية أشبه بالنكتة السوداء حين تقارن بأحوال حدود الجغرافيا العربية والإسلامية المتكسّرة بقوة الإنحدار الحرّ للأنظمة الاستبدادية و»إنجازاتها» الكبيرة خلال أكثر من ستين عاماً من الطغيان والفساد والإجرام.
هناك استفتاء كبير حاصل في المنطقة العربية ولكنّ الأنظمة استجمعت كل قواها لتقول «لا» على طريقتها، وحين أعيتها مفاعيل الشر المطلق الذي أطلقته، استجدت العون من بطلها الأكبر، أمريكا، لتخلّصها من الطفل المشوّه الذي تحوّل الى «فرانكشتاين» يأكل الجميع.
رأي القدس