الخرطوم ـ «القدس العربي»: أدى القسم الدستوري، أمس الأحد، 18 وزيرا سودانياً من الذين تم اختيارهم من تحالف قوى «الحرية والتغيير» لإدارة الدولة في المرحلة المقبلة، أمام رئيس المجلس السيادي في السودان الفريق اول عبدالفتاح البرهان، ورئيس الوزراء عبدالله حمدوك.
وعقد الوزراء جلسة مشتركة عقب ذلك مع أعضاء مجلس السيادة بغرض التعارف وتوزيع الأدوار والمهام، خاصة وأن المجلسين، من المفترض أن يتوليا أمر التشريعات والقوانين، في ظل غياب المجلس التشريعي، بالإضافة إلى وضع حل سريع لمعضلة اختيار رئيس القضاء والنائب العام، المتعثر تعيينهما لتعقيدات تتعلق بالوثيقة الدستورية.
4 نساء
وبات معلوماً أن قائمة الوزراء شملت 4 نساء، الدبلوماسية السابقة أسماء محمد وزيرة الخارجية، وهي المرة الأولى في تاريخ السودان، التي يتم فيها اختيار امرأة لشغل هذا المنصب الرفيع. وأسماء محمد هي دبلوماسية رفيعة تم فصلها من العمل عام 1971. أما انتصار صغيرون، فقد عينت وزيرة للتعليم العالي، وهي واحدة من علماء الآثار في السودان وعضو مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم التي شاركت في الحراك الجماهيري بقوة. إضافة إلى الشابة ولاء عصام البوشي وزيرة الشباب والرياضة، وهي أصغر وزراء الحكومة سنا، والتي كان لها دور فاعل خلال الثورة السودانية وشاركت في غالب مواكب الاحتجاجات، وصاحبة حضور قوي في ميدان الاعتصام ، وهو الحال الذي ينطبق على الوزيرة لينا الشيخ التي تم اختيارها لوزارة العمل والضمان الاجتماعي.
وبالنسبة لاختيار أعضاء نساء في الحكومة، قالت الناشطة النسوية، تهاني عباس لـ«القدس العربي» إن «اختيار 4 نساء للحكومة الجديدة واختيار وزيرة للخارجية لأول مرة، انتصار للحركة النسوية التي ناضلت لسنوات طويلة، وكان لها دور بارز في التظاهرات الأخيرة».
لكنها استدركت «نسبة مشاركة النساء هذه، دون الطموح، لأن إذا التزمت قوى الحرية والتغيير بتعهداتها بدون محاصصة، لكانت نسبتنا 40٪ وهي نسبة مقبولة، مع العلم أننا نطمح في المشاركة بنسبة 50٪».
وزادت : «رغم ذلك علينا أن نفرح ونتفاءل، وهذه بداية الطريق الصحيح لأخذ حق النساء المستحق عن نضال وجدارة».
وأضافت « نحن الآن نناضل من أجل ان يكون لدينا تمثيل في حكام الأقاليم والولايات، وهو المنصب الذي ظل حكرا على الرجال لسنوات طويلة في السودان».
وواصلت : «قدمنا لرئيس الوزراء الجديد قائمة من النساء لنيل منصب حاكم الخرطوم وولايات دارفور، ولقد وعدنا خيرا بأن النساء سيمثلن في حكم الولايات، كما نطمح للمشاركة في مستوى الحكم المحلي أيضا لأنه الأقرب لتقديم الخدمات للمواطنين، ونريد أن يكون لنا دور في ذلك».
وبالنظر لتشكيلة الحكومة يتبين أن حمدوك وفى بوعده أن تكون الحكومة تشمل تمثيلا لأقاليم السودان المختلفة، وخاصة تلك التي تشهد حروبا ونزاعات ونقصا في التمثيل السياسي في العهود السابقة.
فوزير العدل، الخبير القانوني، نصر الدين عبد الباري، والدبلوماسي السابق عمر مانيس، وزير شوؤن مجلس الوزراء، هما من إقليم دارفور الذي يشهد حربا متواصلة.
ومن إقليم جنوب كرفان الذي يشهد حربا هو الآخر، تم اختيار عيسى عثمان شريف، فيما أعطي إقليم النيل الأزرق وشرق السودان وزارتي البنية التحتية والثروة الحيوانية، على أن تتم تسمية وزرائهم لاحقا.
السلام والاقتصاد أبرز التحديات… وعناصر الدولة القديمة تشكِّل خطرا على الفترة الانتقالية
وفي هذا الخصوص، بين الناشط المستقل مبارك أردول، المتحدر من إقليم جنوب كردفان لـ«القدس العربي» أن « تشكيل الحكومة التي أعلنت وشملت كفاءات من إقاليم السودان المختلفة، هي خطوة في الاتجاه الصحيح، وهو ما كنا نطالب به في السابق».
وقال «كما تعلمون إن أحد تمظهرات الأزمة في السودان، سيطرة نخب محددة على مناصب الدولة، ولذلك كل ما كانت الحكومة شاملة يكون أفضل لأن ذلك يدفع بإزالة الغبن التاريخي، والآن نجد تمثيلا معقولا لأقاليم الحرب في جنوب كردفان ودارفور والمقاعد المخصصة للشرق والنيل الأزرق وهذه خطوة تدفع في اتجاه رضى شعبي عن الحكومة المقبلة» ومن المفارقات التي حملتها قائمة الوزراء أن 4 وزراء هم أبناء لوزراء سابقين حيث نجد الوزير مدني عباس مدني الذي كان والده وزير داخلية في الحكومة الانتقالية بعد ثورة إبريل/ نيسان العام 1985 ، والوزيرة انتصار الزين صغيرون، والوزير أكرم علي التوم، والوزيرة آلاء عصام البوشي، كان آباؤهم وزراء في حكومات السودان السابقة.
واحتفظ المكون العسكري في مجلس السيادة بوزارتي الداخلية التي ذهبت للفريق في الشرطة الطريفي إدريس، ووزارة الدفاع التي أعطيت للفريق أول جمال عمر والذي كان أحد أعضاء المجلس العسكري قبل حله.
وحسب المحلل السياسي، عمرو شعبان فإن «أبرز تحديات الحكومة الجديدة تتمثل في عدم استيعاب المكون العسكري. فحدود دوره إشرافية وسيادية، ذلك في ظل غياب الثقة المتجذرة والحقيقية بين قوى إعلان الحرية والتغيير باعتبارها المرجعية السياسية لحكومة الفترة الانتقالية وما بين العسكر».
ثالث التحديات يتمثل «في غياب الرضا الجماهيري عن طريقة إدارة وتشكيل الحكومة وما شابها من محاصصات حزبية»، وفق شعبان، الذي أضاف إلى التحديات «الجانب الاقتصادي المرتبط بالقضايا المعيشية من صحة وغذاء ودواء وغيره التي كانت أحد أسباب قيام الثورة السودانية».
إعلان مبادئ
وزاد: «الخطر الأبرز هو استمرار وجود عناصر الدولة القديمة في الخدمة المدنية، وفي الوزارات، وسيطرتهم على مفاصل الاقتصاد إلى جانب عدم استيعاب قيادات حركات الكفاح المسلح».
ومن المنتظر أن يغادر اليوم إلى جوبا وفد من المجلس السيادي يضم قيادات عسكرية تتمثل في الفريق أول محمد حمدان دقلو، والفريق شمس الدين الكباشي، وعدد من المدنيين في المجلس، للقاء الحركات المسلحة التي كانت تقاتل الحكومة السابقة، والتي توحدت تحت راية الجبهة الثورية بفضل مبادرة رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت.
ويرتقب أن تخرج الاجتماعات بإعلان مبادئ يوضح القضايا التي سيشملها التفاوض فيما ينتظر أن يغادر رئيس الوزراء عبدالله حمدوك إلى جوبا يوم الجمعة للغرض نفسه قبيل مغادرته إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة لأامم المتحدة آخر الأسبوع المقبل.
ووفق أردول «قضية السلام يجب أن تبدأ بالتفاوض المباشر مع الحركات المسلحة داخل تحالف الحرية والتغيير ومن هم خارجها».
وقال «تحقيق السلام أولوية حاليا وبدون تحقيقه لن تتمكن الحكومة من القيام بالمهام الضرورية الأخرى من إصلاح الاقتصاد وغيره». وختم «أولى الخطوات الوصول لاتفاق لوقف العداء بشكل كامل وشامل، ومن ثم الدخول في الترتيبات السياسية والأمنية ومعالجة القضايا الإنسانية للنازحين واللاجئين. هناك تحديات جمة تواجه تلك الخطوات، ولكن هناك رغبة حقيقية لتجاوزها».