الثقافة الشعبية هي الوجه الآخر للثقافة الرسمية، وهي تعبير أساسي عن المجتمع في ماضيه وحاضره وأيضا مستقبله، وتمثّل الترمومتر (المقياس) المعبّر عن إحساس الناس، وهو إحساس يومي وآنيّ، ولكنه يكون مشبعا بميراث الجماعة، وتوجهاته وأيضا هويتها الجمعية، خاضعا بدرجات لأعرافها وتقاليدها.
وتعرّف الثقافة الشعبية Folk Culture بأنها: الثقافة التي تميّز الشعب والمجتمع الشعبيّ وتتصف بامتثالها للتراث والأشكال التنظيمية الأساسية والشعب هو حامل هذه الثقافة. وتبدو الثقافة الشعبية في كل التماثلات الجماعية للحياة المعيشية الفعلية منها والموجودة، المتمثلة في تطلعات الجماعة ورغباتها ومعتقداتها، وفي نظرتها للحياة، والتي يعبر عنها بطريقة شفوية، وهذا التعبير محدد في أشكال تعبيرية متعددة مثل: القصة، الأسطورة، النكتة، الشعر، الأمثال والحكم إلخ، وكذا في بيانات وتظاهرات سلوكية (حفلات شعبية ـ رقص ـ طقوس ـ ممارسات ـ ولائم واجتماعات) وهذا ما يسميه البعض بالفولكلور، الذي هو التراث الروحي للشعب، وخاصة التراث الشفاهي وهو أيضا المعتقدات والأساطير والعادات والتقاليد.. والخرافات والأغاني والأمثال؛ مع اختلاف في حدة هذه التظاهرات ووظائفها داخل المجتمع وعلاقاتها مع البنية الاجتماعية العامة.
وبالطبع فإن مفهوم الثقافة الشعبية متداخل بشكل كبير مع الفولكلور، وإن كنا نرى أن مصطلح الثقافة الشعبية أعم من الفولكلور، لأنه يشمل كل ما هو مادي وغير مادي من الموروث، وأيضا يشمل الحديث المستجد لدى شرائح الشعب المختلفة، وكيفية تقبلهم للأفكار والفنون والإبداعات، وبعبارة أخرى: إذا كان الفولكلور يعني المتوارث الشعبي، فإن الثقافة الشعبية تعني المتوارث والمستجد، وتكون مرآة عاكسة لرؤية طبقات الشعب البسيطة وأيضا النخبوبة بتدرجاتهم.
إن الثقافة الشعبية لها مكانها في حياة معظم بلاد الشرق الأوسط الناطقة بالعربية، لذلك فمن المحير ما نراه من عدم اهتمام وسائل الإعلام بالثقافة الشعبية، وكذلك من قبل الأكاديمية، وربما يكون المانع الأكبر في دراسة الثقافة الشعبية المصرية أن البعض يراها ثقافة تجارية ومتوجهة لسوق عربي في لغته، وأنها قد تكون سببا في محو الثقافة الأصيلة. وقد تكون هذه النظرة سائدة لدى بعض الأكاديميين العرب الذين يمثّلون بعض النخبة، حيث تختزل الثقافة الشعبية في الأغاني السائدة، وبعضها مبتذل بالفعل، ولكن هذا خطأ كبير، فترك الجماهير بدون توجيه ولا دراسة، يزيد الأمر سوءا، ويفسد الذائقة الجماعية. فليس للثقافة الشعبية حدود رأسية أو أفقية، ولا بداية ولا نهاية .. فتداخل نصوص الثقافة الشعبية يُقدَّم لما هو متعارف عليه باسم الثقافة الرفيعة، بالدرجة نفسها التي يُقدَّم بها لتصنيفات الثقافة المتدنية المحتقرة التي لا يعترف بها الأكاديميون. فنعت الثقافة بالرفيعة أو المتدنية لا يخضع لمعايير واضحة، بقدر ما هو يتوقف على قناعات مسبقة لدى البعض.
والنموذج في مصر واضح، فهناك ثقافة شائعة وهي الثقافة المصرية وملامحها أنها عربية اللغة، إسلامية التوجه، تمتاح أيضا من الديانة المسيحية، ولها جذورها الفرعونية
ومعلوم أن الوطن الواحد، قد يشمل العديد من الثقافات؛ ثقافة إثنية تعود إلى اختلاف الجنس؛ وثقافة دينية تعود إلى اختلاف الدين؛ وثقافة لغوية تعود إلى اختلاف لغوي، وثقافة شائعة (غالِبة ) Normal Culture وهي أوسع الثقافات انتشارا في إقليم معين، وتحتوي في بوتقتها هذا التنوع، وتصهره، وتجعله روافد مغذية للثقافة العامة في مجتمع متنوع. ولا شك في أن هذه العناصر المشكلة للثقافة ليست وليدة اليوم، أو الأمس، وإنما محصلة عصور وقرون مضت، أي أنها تراثية التكوين والطابع؛ فمن المؤكد تاريخيا أن التراث ظل الجامع المشترك لكل الشعوب والقوميات، متجاوزا صراعاتها على السلطة وخلافاتها المذهبية والدينية والطائفية، وهذا لا يعني أنها استمرت بمستواها الحضاري التي آلت إليه في وعي الشعوب وسلوكه، وإنما تفاوتت ما بين ارتفاع وانخفاض في تاريخ المجتمع، فالتراث هو المشترك الذي امتزج في ثقافة الشعب، وتفاعل الوعي الجمعي معه، وصار جزءا من موروث الثقافة مثلما نراه حيا متناقلا، إما شفاهيا أو مكتوبا، سواء كان باللغة الفصحى أم باللهجات العامية، فكلها معبرة عن نفسية المجتمع، وقيمه، وعاداته، وآلامه وآماله.
والنموذج في مصر واضح، فهناك ثقافة شائعة وهي الثقافة المصرية وملامحها أنها عربية اللغة، إسلامية التوجه، تمتاح أيضا من الديانة المسيحية، ولها جذورها الفرعونية التي تبدو في آثار عظيمة، وعادات وتقاليد متوارثة، وأيضا لها روافد مختلفة اللغة تبدو في واحة سيوة، وأهل النوبة، ولها هوامش من قبائل عربية في سيناء والواحات ومطروح. هذه ملامح عامة للثقافة في مصر، إلا أننا يمكن التمييز بين ثقافتين وهما الثقافة الرسمية والثقافة الشعبية، وهو تمييز يهدف في البحث في ماهية كل منهما، أملا في تكشّف وشائج الاتصال، وثغرات التباعد، وسبل التجسير بينهما.
نقول هذا، لأننا في حاجة إلى تعزيز الثقافة الشعبية في المجتمعات العربية، بدلا من تركها فريسة لموجات العولمة المتصاعدة، والمستخدمة لشبكة سريعة التطور ومتزايدة الكثافة دوما من الترابطات Inter concetions والعلاقات المتبادلة Inter dependences التي تميز الحياة الاجتماعية الحديثة، فهناك دعم لأواصر الترابط العالمي، وتدفق كبير للسلع ورأس المال والبشر والمعرفة والصور والجريمة والملوثات والمخدرات والأزياء والمعتقدات عبر الحدود الإقليمية، وهي توجد في عدد من الأشكال الناتجة عن التطورات التقنية، كل هذا يجعل الإنسان العربي في حالة انبهار بالعولمة وتقنياتها، وفي حالة من الانخلاع التدريجي من ثقافته وهويته. فيما يسمى الغزو الثقافي، والذي ينتج فجوة لها من الأبعاد والمؤثرات التي يمكنها من نسف جسور التواصل بين الخاصة / النخبة، والعامة / الجماهير، ما دامت الخاصة وهي النخبة غير معنية ولا منخرطة في إطار الثقافة الخاصة بالجماهير، والتي كانت من أهم عوامل تجانسها.
فإلى جانب الجسور القائمة بين كل البشر والمرتكزة على وحدة الطبيعة البشرية، هناك جسور تقيمها الثقافة والهموم والتطلعات المشتركة، فما ينسف هذه الجسور؛ كليا أو جزئيا، هو تخلي النخب عنها بصورة كلية أو جزئية .
٭ كاتب من مصر