ميديا في مصر

عبر ما عشت من سنوات لم أعرف أو أقرأ خبرا عن قتل الأزواج، إلا منذ حوالي عشرين سنة، حين انتشر خبر قتل زوجة لزوجها وتقطيع جسده وإلقائه في سلة المهملات في الشارع. كان حدثا هز الدنيا وقتها. ربما كانت هذه الحادثة رغم فردانيتها ذلك الوقت، من أسباب كتابتي لرواية «في كل أسبوع يوم جمعة» التي فيها أنشأتْ امرأة شابة صفحة إلكترونية تستقطب إليها الرجال لتقتلهم.
لن أتكلم عن الرواية وموضوعها، لكن مرّت سنوات ولم تتكرر المسألة إلا قليلا، ثم زادت في هذه الأيام وبشكل مثير. قتل الأزواج لزوجاتهم أو بناتهم أمر شائع للأسف في بلادنا، والسبب الذي يتردد دائما هو الشرف، كأن الشرف لا يلوثه إلا النساء. تراث قديم مشي مع الزمن، الشرف الذي كان يتحقق زمان ليلة الدخلة، حين يدخل العريس على عروسه ويخترق غشاء البكارة بأصبعه المحاط بمنديل، تأخذه أمه، أو أم العروسة أو الداية، التي يمكن حضورها، لتقوم بذلك إذا ارتبك العريس ولم يستطع، وتبدأ النساء في الغناء:
قولوا لأبوها إن كان جعان يتعشى
قولوا لأبوها الدم عبَّى الفرشة
قولوا لأبوها إن كان تعبان يرتاح
قفل متربس وجاله المفتاح.
لكن بعد ذلك تحدث حوادث قتل للزوجات أيضا. لا أظن أن مسالة فض البكارة التي كانت تتم بيد العريس، بإصبعه كما قلت بينما الأمهات يحطن بالعروس، سائدة الآن. الآن يمكن أن يحدث الفض بعد الزفاف في البيت بين العريس والعروسة، بعد أول لقاء جنسي . صار هذا يحدث على الأقل في المدن، وحتى في الريف بين المتعلمين والمتعلمات، بينما لا تزال الطريقة نفسها مع الفتيات العاديات. سمعت في طفولتي وصباي عن فتيات انتحرن ولم يكن كثيرات، كان وراء الانتحار قصة حب لم يوافق فيها الأهل على زواج الفتاة من حبيبها، لكنها أيضا كانت مرّات قليلة جدا. الآن يتردد قتل الزوجات لأزواجهن أكثر من مرة، فلا يكاد يمر أسبوع إلا ونقرأ خبرا في الصحف عن امرأة قتلت زوجها، والسبب المعلن دائما في أكثرها هو خيانته لها. يحدث هذا بأشكال لم تخطر على بال بشر، فمنذ أكثر من عام قرأنا عن امرأة في الإسكندرية وضعت مخدرا لزوجها في شراب، وبعد أن نام قطعت عضوه الذكري وطهته وأكلته. تكرر الأمر مرة أخرى منذ أسابيع، ثم قرأنا أخيرا عن طبيبة أسنان خدّرت زوجها الطبيب وخلعت كل أسنانه، وأخرى هاجمها زوجها في المطبخ فطعنته بالسكين.
كل هذه الأخبار تأتي في أيام قليلة آخرها من جرى وراء زوجته في الشارع فلم يلحق بها ومات بالسكتة القلبية، كأن القدر قد قرر مقتل الرجال في كل الأحوال. الوقت بين نية القتل والتفكير في طريقة انتقامية يحتاج عقلا هادئا يفكر فكيف يحدث هذا؟ هناك طبعا تفسيرات سهلة وهي أن الشعور بالخيانة يمكن أن يحول المرأة إلى كائن وحشي، لا تنسوا ميديا في الأسطورة اليونانية التي وضعت رؤوس أبنائها من ياسون يوم زواجه بأخرى، في صندوق جميل أهدته إليه، فصارت ميديا علامة خالدة على غيرة النساء. الغريب أني قرأت منذ أيام عن امرأة قتلت أبناءها الثلاثة بالسم، وشرعت في قتل زوجها لتتزوج من عشيقها. الطريق إلى الانفصال بالطلاق أو بالخلع في مصر مفتوح، فلا مصاعب في الطريق الأول، أي الطلاق، فلماذا لا تلجأ إليه النساء؟ وهل يمكن أن يكون هذا تحولا في مشاعر وتفكير المرأة؟ إن حدوث هذه الأشكال من الانتقام على هذا النحو يثير الدهشة. تكراره في أوقات قريبة وطريقة القتل جعلت له الأهمية في الاهتمام والتعليقات على الميديا.

لا تمشوا ورائي وترتاحون للأسطورة ، بل ابحثوا عما جرى من تحول في الحياة المصرية، حتى لا يأتي يوم يكتب فيه المؤرخون أن ميديا صارت تدير شؤون البلاد.

شيء آخر يُضاف إلى الغيرة أو الخيانة، وهو شؤون الحياة، فاحيانا نقرأ أن سبب القتل عدم قدرة الزوج على مصاريف الحياة أو الخلاف عليها. هناك تحول ما في سلوك المصريين، ويجب أن لا نتجاهل هذا. الأمر انتقل من الطبقات الفقيرة المحطمة إلى الطبقات المتعلمة. طبعا التفسيرات موجودة وحقيقية، العشوائيات في كل شيء ، البناء والتعليم وعدم وجود فرص عمل حقيقية والتفاوت الطبقي الرهيب، الذي لم تعرف مثله البلاد، والذي لا يزالون يصمون العهد الملكي به، وغير ذلك من مشاكل اجتماعية، يترك أثره الشديد على السلوك الفردي لكثير جدا من البشر، فأغلب المصريين يعيشون حقا في عشوائيات. العشوائيات ليست الأماكن الفقيرة فقط، لكن حين تكون العمارات خمسة عشر طابقا والشارع لا يزيد عرضه عن ستة أمتار فهذه أيضا عشوائيات. هنا يسكن القادرون إلى حد ما حقا ، لكن الشوارع تتسع للجرائم وأصوات الزحام. هذا أمر قديم تحدثنا فيه طويلا ولا فائدة. نبتعد عنه ونعود إلى جرائم قتل الأزواج لأن الحديث عن الفساد يحتاج كتبا.
تدور نقاشات كثيرة على الميديا، أكثرها ساخر وشماتة ضاحكة من النساء في الرجال. تعليقات على صور – فوتو شوب – من أفلام قديمة، أجملها في رأيي صورة ليحيي شاهين وأمال زايد في فيلم «بين القصرين» وهو يسألها «سمعتِ يا أمينة عن الستات اللي بيقتلوا جوازهم» فترد «اسمي الست أمينة يا سيد». نزعت عنه سيادته فهو دائما «سي السيد» وأضاقت لنفسها السيادة فهي «الست أمينة» وليست أمينة. كأنها تؤكد أن هناك تحولا، وأن ما فعله السيد أحمد عبد الجواد مع زوجته أمينة، التي قضت عمرها رهينة البيت، وهو يعيش كما يريد في العوامات مع الراقصات وغيرهن، قد انتهى. رغم أن ذلك الزمن انتهى حقا على الأقل بنسبة كبيرة الآن، إلا أن الصورة معبرة ومضحكة. يدخل النقاش إلى منطقة الجدية في الحديث عن الذكورية والنسوية، لكن يظل السؤال كيف صار هذا يحدث وبهذا التكرار؟ طبعا تقطيع الأعضاء الذكورية للرجل وأكلها من قبل زوجته معناه واضح، وقد حدث مرتين حتى الآن، هو حرمانه مما يجعله يخونها مع غيرها. وكما يتصور هو أن هذا أعظم ما يملك، تنهي هي على أملاكه. ليس مهما أن يموت بعدها.. من المؤكد سوف نحتاج إلى علماء نفس لتحليل هذه الظاهرة، إلى جانب ما نعرفه من شؤون الحياة في البلاد، لكنني أميل إلى ميديا وما فعلته بياسون وأبنائهما وأرتاح، رغم أني أعرف من الأسطورة أن ميديا كانت أكبر سند لياسون في الوصول إلى الحكم، ومن ثم بلغت غيرتها غايتها حقا، لكن أيضا بسبب الخذلان. أتوقف عند هذه الظاهرة ليس باعتباري أديبا تأخذ بروحه الغرائب، لكن باعتباري مواطنا عاديا أرى في أسف أن هذه الغرائب تأخذ طريقها لتكون حقائق. لا تمشوا ورائي وترتاحون للأسطورة ، بل ابحثوا عما جرى من تحول في الحياة المصرية، حتى لا يأتي يوم يكتب فيه المؤرخون أن ميديا صارت تدير شؤون البلاد.

روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية