أعجبت الكثيرين جملة الفنانة هند صبري في فيلم «أحلى الأوقات» وهي تقول لخالد صالح» أنا عايزة ورد يا إبراهيم» الإعجاب مستمر منذ ذلك اليوم، فالفيلم تم عرضه في عام 2004. صارت تعليقا على كثير من الأمور، من باب الضحك أحيانا، أو السخرية، وتحل مكان كلمة ورد، كلمات أخرى كثيرة. تسللت إلى روايتي قبل الأخيرة «32 ديسمبر» في أحد الفصول، وهي تتكرر من إحدى بطلات الرواية، تعليقا على ما حولها. أتذكرها الآن بعد أن مضت ثلاثة أشهر على انتهائي من كتابة رواية قصيرة لم يتم نشرها بعد، ولم تأخذني الروح لكتابة، أو الشروع في كتابة، رواية أخرى، فأنا أعرف أن قفلة الكاتب أمر طبيعي، وكم أصابتني في حياتي، كنت اتخلص منها بالذهاب إلى ملتقيات الأدباء في وسط القاهرة نسهر ونضحك، الآن لم أعد قادرا على هذا، فأستعين عليها بالصبر والنسيان.. النسيان هو داعمي الأكبر في الكتابة، لأني على يقين من أن اللاشعور، يحمل الرغبات المكبوتة، يأتي بها يوما تملأ الفضاء أمام صاحبها.
أقول لنفسي دائما «الدنيا مفتوحة، وثلاثة أشهر ليست بالزمن الطويل. افتح القفلة على ما حولك يا إبراهيم». لا انجرف إلى تفاهات السوشيال ميديا، أقف عند الجميل فيها، لست من الذين يجدون متعة في سب المثقفين والمساواة بينهم جميعا، رغم أن ذلك يأتي لمثل هؤلاء الشتامين بالإعجاب والتعليق. ولأن العمر أعطاني الخبرة بالكثيرين، فأرى أكثر التعليقات السلبية، وراءها شعور شخصي لا يظهره كاتب التعليق، أسماء الذين يملؤون فضاءنا بالجمال كثيرة، ويبدعون في الرواية والشعر والنقد والفكر والسياسة، مهما أذكر منهم لن أوفيهم جميعا.
الكاتب وليد علاء الدين الذي يجسد لي حالة جميلة ممن يبدعون بالروعة نفسها في الرواية والشعر والفن التشكيلي، كذلك أشرف أبو اليزيد الذي أسميه «عابر الحدود»، بما يكتبه ويفعله من نشاط في دول كثيرة من العالم، ويكتب الشعر والرواية ويترجم ويكتب النقد بجمال فائق، كذلك عمّار على حسن الذي يبدع في الرواية والشعر والمسرح والنقد والسياسة، وأحمد فضل شبلول الذي يبدع في الشعر والرواية وأدب الفتيان والنقد والتاريخ، ويختار موضوعات قد لا تخطر على بالنا مثل كتابه عن «الروائح» في التاريخ والواقع، الذي حين قرأته مؤخرا وسّع الدنيا حولي، ومصطفى عبيد في كتاباته ما بين الترجمة والبحث التاريخي والرواية وغيرها، أيضا أسامة شوقي، الذي يتحفنا كل يوم، بمقالات رائعة عن المدن والأماكن والبشر من المشاهير في كل مجال، وإيهاب بديوي، الذي يبدع روايات رائعة، ويكتب في النقد والتاريخ. الأسماء كما قلت كثيرة فعذرا لا أقصد النسيان هنا. كل ما يؤلمني أني لا أجد الوقت متسعا لأكتب عن الجميع، لدينا مثلا ناقدة تكتب المقالات الجميلة هي نشوة أحمد، وأحيانا تكتب نصوصا لا يمكن تصنيفها بأنها قصة أو مقال، آخر ما قرأته لها نصا صغيرا تقول فيه:
«في قانون الحياة العواصف تسكن، الثلوج تذوب، النجوم تنطفئ، الأمواج تنسحب، النار تؤول إلى رماد، والشمس الغاضبة تهدأ عند الغروب، حتى تلك الحبة من الرمل، بالأمس كانت جبلا. كل شيء ينفد.. كل شيء». نص صغير يلخص حالة البشر عبر التاريخ، وفيه درس لمن يريد من الحكام بصفة خاصة إذا أراد، هي لم تشر إلى ذلك وتركت التأويل لنا. وبعيدا عن التأويل فالنص سردية شعرية رائعة في صورها، أمثلة كثيرة يمكن أن أذكرها تفتح القفلة على فضاءات جميلة. لكن مشكلتي مع الوقت عجيبة وتزيد من القفلة. ليس لأنه يمر سريعا كما يشعر الجميع، لكنه بالنسبة لي لا يمر. يبدو اليوم شهرا فأظل طول النهار أنظر إلى الساعة أجدها لا تتقدم، يبدو لي أن الساعتين المعلقتين على جدران الشقة، أساءهما نظري إليهما كلما نهضت من جلستي أو نومي فتعطلتا.
يبدو أنهما قالتا أما من عمل آخر له غير متابعتنا وإرهاقنا برغبته في أن نتحرك على غير ما خُلقنا له. أجل. أنا كثير القيام من خلف مكتبي، والحركة بينما أكتب أو أقرأ. أخشى أن أنسى ذلك فأفعله كثيرا. أصحو كل يوم سعيدا لأني أتذكر أن اسمي لا يزال إبراهيم. أكتب هذا المقال في اليوم السابع عشر من هذا الشهر، مندهشا أني ظللت لخمسة أيام أنظر إلى تاريخ اليوم أمامي على اللاب توب فأجده الخامس عشر. العقل يقول إن نظراتي كلها كانت في يوم واحد، لكنه الإحساس المخالف للجميع بأن الوقت لا يمر. أحاول الابتعاد عن الأحداث السياسية، فما فعلته في حياتي يكفيني رضا لكنها تقفز إليّ. أساهم فيها بقدر الإمكان. أو بما يرضي روحي، مدركا إنها يمكن أن تأخذني بعيدا عن الإبداع وتُضيِّق من اتساع العالم. أشاهد صور الكتاب في مناسبات وبلاد وأزمنة مختلفة تملأ فضاء السوشيال ميديا، فاندهش من نفسي. أنا الذي لم أتعود على استخدام الموبايل في التصوير لنفسي في أي مكان. يوما ما قبل أن يظهر الموبايل، كانت لديّ كاميرا استخدمتها في سفريات متعددة. احتفظت بصور كثيرة من ذلك الزمن، وضعتها يوما على صفحتي في الفيسبوك، ولا أدري كيف اختفت. الآن أترك من يصورني أو يصور نفسه معي، وأعرف أنه سينشرها على صفحته، فيقوم بما يفعله الكثيرون لأنفسهم، وقليلا ما أشارك الصورة على صفحتي. أحيانا أشعر بالندم وأبحث عن صور لا أجدها وأتمنى لو كنت وجدتها، مثل صورة لي في مركز بومبيدو في باريس، أمام لوحة لأقطاب الحركة السريالية في مصر، في جناح كان مخصصا حين زرته للوحات السرياليين المصريين، الذي يُحييهم الآن الكاتبان والفنانان محسن البلاسي وغادة كمال أحمد، بما يكتبان أو يرسمان أو ينشران من أعمال رائعة، أو ما يقدمه البلاسي من موسيقى.
وهكذا أعود إلى من يملؤون فضاءنا بالبهجة. وما دمت تحدثت عن الموسيقى فأشير إلى من يلقب نفسه «بالدكتور أمير» على منصة إكس، أو تويتر، كما ما زلت متعودا، الذي يتحفنا بالفيديوهات الرائعة عن الموسيقى الكلاسيكية والعربية، وعن الموسيقى التصويرية للأفلام الشهيرة، وأحب أن أتابعه لأنه يعيد إليّ أياما، عشت مع الموسيقى في أجمل الفضاءات، ويضيف إليّ كثيرا من المعلومات والمعرفة. كثير جدا مما حولي يشعرني بالأمل والرضا، ويفتح قفلة الكاتب على الجمال، وإن توقف هو، فهو ليس أول ولا آخر الكتاب، وشكري كبير لكل من يتابعني أو يكتب عني، لكنني أحب أن أشير إلى شخص بعيد عن فيسبوك، يتابعني وأتابعه على تويتر، هو زين الدين هشام. هو من الإسكندرية كثيرا ما يدخل في مناطق جريئة، لكنه لا يترك مقالا لي إلا ويقوم بعمل «رتويت» له، والإشارة إلى شيء مما فيه، وفي الأسابيع الأخيرة راح يعيد نشر مقالاتي التي نشرتها وما زلت هنا في «القدس العربي»، رغم مضي وقت طويل عليها، فأقام حولي خيمة مدهشة من السعادة. هكذا وربما لذلك، تبدو قفلة الكاتب عن الإبداع، ليست قصورا في حركة اللاشعور، منجمي الفطري، لكنها استراحة يدركها اللاشعور فيحققها. اللاشعور يدرك أني أنا الذي عشت أحب الفلسفة الوجودية، افتح طريقها لشخصيات رواياتي. بينما عشت وأعيش حياتي بقدر قوتي وقوة روحي. فقط هي القصة القصيرة منذ أكثر من عامين أخفاها اللاشعور عني. هل حين نشرت أعمالي القصصية القصيرة في مجلد واحد في دار الشروق المصرية، تحت عنوان الأعمال القصصية الكاملة، قرر أنها الأعمال الكاملة، فلن أرهقه ولن يرهقني! ربما. سأوافقه. لكن لن أوافقه بما صار يلح به عليّ. أن أكتب عملا مثل «مرايا» نجيب محفوظ، أضع فيه حكايات كل الأشرار فقط. لن أفعل ذلك أبدا. لن أعطيهم الفرصة أن يملؤوا حياتي بعد أن كادوا يحطمونها. سأظل أطل على نوافذ الجمال وأبعد عن نفسي سؤال «أنا عايزة رواية يا إبراهيم» حتى تأتي وحدها.
روائي مصري