فيض في محبة حسونة المصباحي

كتاب جماعي صدر أخيرا في تونس عنوانه «في محبة حسونة المصباحي» من إعداد وتقديم الصحافي والكاتب نور الدين باطيب، ونشرته دار خريف للنشر في هذا الشهر أكتوبر/تشرين الأول، شهر ميلاد حسونة المصباحي. الكتاب يقع في مئتين وثلاثين صفحة، فيه مقالات لعدد رائع من الكتاب، تصل إلى تسعة عشر مقالا، احتفاء بحسونة المصباحي الذي غادرنا في الرابع من يونيو هذا العام 2025. والذي كان خبر وفاته من أشد الأخبار إيلاما لي بعد رحلة من المحبة تجاوزت الثلاثين عاما. المقالات لأسماء مهمة في حياتنا الثقافية في الشرق والغرب.. فمن تونس المنصف قوجة وجليلة الطريطر وأحمد بنزايد وحنان زبيس وسمير السبوعي وعبد الجليل بوقرَّة وكمال الهلالي ومحمد بوحوش ونجوى عمامي وابن أخيه محمد نبيه المصباحي، ومن المغرب أحمد المديني والزهرة حمودان ونجيب العوفي وهشام ناجح وحسن طارق سفير المغرب السابق في تونس، ومن سوريا بشير البكر وعلي قاسم، ومن لبنان بيير أبي صعب، وهم جميعا ما بين كتاب وإعلاميين ومؤرخين ونقاد وروائيين وشعراء يطول الحديث عنهم وعن أعمالهم. ثم سيرة حسونة المصباحي في النهاية وأعماله التي شملت ست مجموعات قصصية، وأربع عشرة رواية، وكتبه العديدة التي فاقت العشرين كتابا في أدب الرحلة والرسائل، ثم كتبه التي ترجمها ووصلت إلى ثلاثة عشر كتابا، ثم محفل جميل من الصور لحسونة مع الكتاب والأصدقاء.
في مقدمة الكتاب تقديم لنور الدين باطيب يليه مقالي بعنوان» خيمة من الضحك والمحبة». لن أستطيع الحديث عن كل المقالات فليعذرني الكتّاب، لكنها بشكل عام تنقسم بين المحبة والدراسة لبعض أعماله، ورحلته في الثقافة والحياة. يقول المنصف قوجة في مقاله الذي يحمل عنوان «حسونة حفظ الله سره»، أن حسونة أصر على أن يكون مدفنه أمام بيته الذي شيده وليس في المقابر العامة، ووافقت الدولة على ذلك كأنه ولي من أولياء الله، يتحدث عن تجواله معه في باريس لمدة شهر. كانت أعظم صحبة تستدعي الكثير من الحديث عن تونس وعالم السياسة والأدب. عن انبهار حسونة بالغرب، من دون أن يقلده، وكيف في أعماله كان يتأرجح بين الخصوصية والعالمية، كان مبدعا وليس سياسيا، فكان ينتقد كل شمولية في الماركسية أو القومية أو غيرها.
ويقول أحمد بنزايد في مقاله «حسونة المصباحي الطائر المحاكي والمحكي في يوم موت سالمة»، إن حسونة يكتب وكأنه لا يكتب، ولكنك تقف بين يده حاكيا. لا يجد صعوبة في الكتابة، فقد قرر وهو يعتزم الهجرة في بداية حياته أن يكون كاتبا. هو لا يكتب سيرة ذاتية، بل حياة متكاملة. يحكي حسونة ما حدث «يوم موت سالمة» في روايته التي تحمل هذا العنوان، فيحقق الإمتاع والإخبار، وهما أساس حدث الحكي. موت سالمة وهو حدث بسيط عادة لعجوز تحتضر، لكنه عند حسونة ينفتح على تاريخ الأفكار والآداب والفلسفة، وعلى الحروب والنضالات والاستعمار والتحرر. يكتب أحمد المديني في مقاله الذي عنوانه «يتيم الدهر ومسألة الجنس الأدبي» عن رواية «يتيم الدهر» لحسونة المصباحي فيقول: « لو أن ناقدا بحث عن مدخل لقراءة فاحصة للرواية، لما وجد أفضل مما كتبه حسونة بنفسه في نهايتها»، باستطاعتي أن أقول إن الرواية تنتظر هوميروسها – هوميروس هو صاحب الإلياذة والأوديسا – وهذا ينطبق على حال العرب اليوم، فهم لم يعودوا أمة الشعر كما كانوا يزعمون قديما، فما يكتب في الشعر ضعيف، لذا قد يكون الاعتناء بالنثر هو وحده القادر على أن يعيد للغة بهاءها ونضارتها.

يتناول عددا من أعماله ومن تأثر بهم، وكيف كان مجددا في شكل الرواية وموضوعها. ثم يأتي مقال بشير البكر بعنوان «حسونة المصباحي. رحيل كاتب متعدد»، ليكتب كيف كتب حسونة كل أشكال الكتابة، من التحقيق الصحافي إلى النقد الأدبي إلى أدب الرحلة والقصة القصيرة والرواية، وكيف كان قارئا نهما قد يهمل الكاتب الرديء، لكنه لا يتوانى عن مدح الكاتب الجيد. يأتي حديث بيار أبي صعب في مقاله الذي يحمل عنوان «حسونة المصباحي.. أكثر من كاتب بكثير» قائلا إن أهم أعماله هي حياته، فهو كاتب التيه المتسكع الأبدي بين المدن واللغات والعصور، وكيف كان يلقاه في أصيلة التي كانت تمشي معه رغم حياته في ألمانيا وغيرها، وكيف لا يزال يحتفظ بضحكته المجلجلة التي كانت تتحدي القواعد والأصول، وتنضح دائما احتفالا بالحياة وسخرية مرة من العالم. وأنا شاهد على ذلك فيما كتبته في مقالي بالكتاب، ومنه لقائي معه في أصيلة. نأتي إلى مقال جليلة الطريطر الباحثة والأكاديمية التونسية عن «الزمن والزمنية في يوميات كورونا لحسونة المصباحي» وهو عن كتاب حسونة» يوميات الكورونا» الصادر عام 2020. بعد مقارنة بيوميات له أخرى مثل «يوميات ميونيخ» و»يوميات الحمامات»، تصل في الحديث إلى الجمل الافتتاحية في العمل مثل «افتتح نهاري بهذه المقولة للشاعر الألماني راينار ماريا ريلكا، أو ابدأ نهاري بهذه القصيدة الومضة للشاعر سيف الرحبي. كيف أن هذه الفواتح النصية تمثل رمزيا نقطة تمركز وجودية، تتصدر وحدة اليوم الزمنية، وتستدعي عبر حوارها التناصي أيقونات أدبية وفلسفية، تمثل مرجعيات فكرية ووجودية متنوعة، شاملة تراثنا العربي والإسلامي والحديث، فضلا عن افتتاحه على أيقونات الحضارة الغربية في الكتابة، مثل الألماني هولدرلين والفرنسي بول ليوتو وفرانز كافكا وبول إيلوار وكثيرين. نأتي إلى حديث حسن طارق سفير المغرب السابق في تونس، الذي عنوانه «الزهرة البرية في الأدب والحياة.. وداعا حسونة المصباحي». يرثيه في البداية قائلا: «ها أنت تعود عصر هذا اليوم ـ تحت الشمس المذهلة للقيروان – إلى تراب الذهبيات. كأَنك كُنت تُرُتب لهذه العودة بما يَلَيق من هُدُوءٍ مُسُتحق بعد حياة صاخبةٍ. كأنك كُنت تُشُيد «زهرة البريّة» لتُرُافقك في المَوَعد الصيفي لهذا المَسَاء تجاه الأبدية الشاسعة. ثم حديث عن لقاءاتهما في المؤتمرات وغير ذلك، والمغرب في كتابات حسونة، وسيل من المحبة ينهمر منه لحسونة المصباحي.

يأتي مقال الصحافية التونسية حنان زبيس الذي عنوانه «حسونة المصباحي. عن لقاء روحي بكاتب لا يشبه إلا نفسه» عن صداقتهما التي استمرت خمس عشرة سنة. كيف كان مختلفا على جميع الأصعدة. خلف نظارته السوداء التي كان يلبسها دائما، وكأنه يرسم حاجزا بينه وبين الآخرين، كان يخفي روحا شغوفة بالأدب والحياة. كان إذا تحدث عن رواية قرأها، أو عن كاتب عرفه، يجعلك تسافر في عوالم شاسعة وغامضة. وتكتب الزهرة حمودان مقالها «هلوسات ترشيش ـ جغرافية التيه والهوية المضمرة» وهو عن الرواية التي تحمل عنوان هلوسات ترشيش. وكيف تأخذنا إلى العوالم العجائبية والغرائبية في روايات مثل دون كيخوتة، أو عامل الزمن بين الذهاب والإياب في عوليس لجيمس جويس. وترشيش هو الاسم الأول لمدينة تونس عند تأسيسها. من أجمل الأحاديث حديث ابن أخيه محمد نبيه المصباحي الذي عنوانه «حداد الحجر.. فصول من سيرتي مع حسونة» كيف فتح عينيه على زوايا في الأدب لم يكن يدركها، فأدرك أن الأدب تعبير لطرح إشكاليات، لتأريخ حقبة، لتغيير نمط. وربما طرح فلسفة أخرى للمجتمع. انتبه كذلك إلى أنّ قيمة الأدب تكمن في كونه الأداة الوحيدة التي تمكّن الإنسان من أن يؤرّخ للعواطف، لتظلّ حيّةّ وتنبض فتتشاركها المجموعة، أن يؤرخ لضوء الفجر المتفرّدّ، فيدركه حتى من لم يتمكّن من تأمله، وأن يؤرّخ للرائحة فيشتمّها اللاحقون مجددا وهم يتفرّسّون في تلك الفترة. بات الاقتراب من حسونة يهدم القواعد التي اكتسبها من عائلته ويزعزع مسلّمّات المجموعة، وغير ذلك من حياة حسونة ولقاءاتهما.
وتستمر المقالات الرائعة بنزعتها الأدبية والفلسفية ودقة تحليلها، فترى حسونة محلقا في الفضاء أمامك، كما أراه أنا الذي كان بيننا حب عظيم. رحم الله حسونة وشكرا لكل من شارك في هذا الكتاب، وشكرا لنور الدين باطيب، الذي أشرف على جمع المقالات، وكان وراء طباعة هذا الكتاب الرائع.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية