يطول مدى الحراك، ومعه ترتبك كثير من اليقينيات التي قدمها كبدائل في كل شيء، في الممارسة السياسية، وأيضاً في الخيارات الاجتماعية والحياتية.
ذات 22 فبراير/شباط، في عز البرد والأمطار، فتح الشعب الجزائري أعينه على نمط آخر من الحياة والبشر. حركة سلمية، وفنية، وجمالية غير مسبوقة، أدهشت العالم بعفويتها وقوتها وتلاحمها، وبشعاراتها الذكية التي تسخر من الساسة والسياسيين برقة غير معهودة، لدرجة أني قلت يومها في معهد العالم العربي، عائداً من الجزائر: Trop beau pour être vrai، ومع ذلك فقد كان حقيقة جميلة آمن بها نصف سكان الجزائر (عشرون مليوناً) الذين نزلوا إلى الشوارع.
اليوم تغيرت أشياء كثيرة في الحراك. قل العدد وزادت الحدة بين الناس. وبدأ النفس الجماعي يقلّ، والاصطفافات السياسية تتسع، مما جعل السلمية في خطر. ما كان وحدة تستهدف العهدة الخامسة، ثم النظام ككل، بدأت القوى المختلفة تنفصل عن بعضها بعضاً، وتعلن من خلال شعاراتها المكتوبة أو المعلنة صوتياً، عن هوياتها وخياراتها، وستتأكد أكثر في الشهور المقبلة، السابقة للانتخابات من خلال أيديولوجياتها وقنواتها الإعلامية.
لكن يظل جوهر الحراك المطلبي السياسي هو الطاغي. ما يزال موجوداً، ويلح على وحدته وسلميته، لتحقيق أقصى مطالبه محافظاً على مساره الحر والديمقراطي، حتى ولو أن الذباب الإلكتروني يحدث يومياً الكثير من الخراب في العقول الطيبة والعفوية. والحراك بذلك يقف على الطرف النقيض من بعص الحركات السياسية التي اخترقته بقوة، وتريد تجييره لمصالحها، وهي قوى معروفة، في تحالفها غير الطبيعي، تديره العصابة بخبرتها التاريخية، ومن خلال أزلامها.
العصابة لم تمت. كلما شاركت في الحراك، آخرها الأسبوع الماضي، تأكد لي وجودها من خلال جيش ينتظر الأوامر فقط للإجهاز عليه (الحراك)، وربما تفجيره من الداخل. تلمست حضورها الذي أصبح يمارس الكثير من العدوانية على الحراكيين أنفسهم الذين يلحون على سلمية الحراك وبقائه كمساحة حوارية حية ودائمة تتقبل كل آراء التغيير، لأن رهانات الحراك ليست آنية، ولكن استراتيجية متوسطة وبعيدة المدى. الهدف النهائي المرتجى هو الانتهاء من النظام الريعي الذي تسيد على البلاد وقادها نحو الإفلاس الكلي، حتى أصبح الفساد المالي والإداري هما الأساس في تحريك آليات المجتمع، وهمشت إطارات الدولة المختصة والفعالة بحرفيتها في كل الميادين، من قضاة ومحامين ومفكرين وعلماء وإطارات، حتى حولوا إلى مجتمع أخر يعيش في عزلة، وهو ضحية موقفه الشجاع من الفساد، وكان إلى وقت قريب يشكل سنداً حقيقياً للحراك، بل محركه.
رأينا ذلك مع المحامين والقضاة والطلبة، وحتى بعض رجال الأمن الذين انتسبوا إلى الحراك ودفعوا بالجيش إلى حسم موقفه واختيار طريق الحراك. يجب ألا ننسى أن العصابة راكمت من المال الكثير، الذي تحاول اليوم استعماله لكسر الحراك من داخله، من خلال وسائطها الإعلامية التي تمرر من خلالها كل خطاباتها. يضاف إليها بقايا الجبهة الإسلامية التي تريد أن تجد لها مكاناً في مساحات الصراع الحالي الذي لم تظهر فيه في البداية، قبل أن تنغمس كلياً فيه في الأسابيع الأخيرة. ومجموعات الماك MAK، وليس الحركة الأمازيغية الديمقراطية التي تؤمن بالدولة الوطنية، وتخوض حرباً ميدانية شرسة ضد النظام الريعي وضد المجموعات الانفصالية. كلها محاولات فاشلة للاستيلاء على الحراك وتوجيهه وفق أجندتها المرسومة بإحكام. لكن الغالبية العظمى من مجتمع الحراك ترفض أن تكون تحت سطوة المجموعات المصحية والأيديولوجية، وأن تتخلى عن سلميتها كخيار، وهو ما يعطي الحراك بعده الإنساني ومعناه التاريخي، ويجعله قوة حية قادرة على أن تتحول إلى ورقة ضغط لتحقيق مطالب المجتمع الجزائري. مقابل الحراك الذي تخترقه هذه الأسئلة الصعبة والتي عليه أن يجد لها الأجوبة المناسبة لها ميدانياً وتأملياً، يوجد نظام شرس يرفض أن يتبدل أو يتغير أو حتى يسمع لما يحيط به من أسئلة قلقة تضع البلاد على حواف الخطر.
للأسف، في العالم الثالث تتماهى الدولة في النظام من خلال معادلة سهلة: الدولة هي النظام والنظام هو الدولة. مع أنه يجب أن نفرق بين الثابت نسبياً والمتحول. بين الدولة والنظام أو السلطة.
إذا كان الحراك يلح على زوال النظام الفاسد كلياً الذي دمر البلاد، فهو يدرك المخاطر المحدقة بالدولة التي عليها أن تستمر. سقوط الدولة كمؤسسات هو، بكل بساطة، انهيار كلي للبلاد، وأمامنا النموذج الليبي، والسوري، واليمني، والسودان قبل فترة قصيرة، وغيرها.
الحفاظ على الدولة يجب أن يتعمق أكثر، ويتحول إلى رهان حراكي. إذا كان الحراك قد عرى هشاشة العصابة وكل من يدور في فلكها، كلياً من خلال فضحها، وكيف عاثت فساداً في المال العام بعد أن سرقت الدولة العميقة، الدولة الفعلية التي تحتاج اليوم إلى ترميم حقيقي. المشكلة هي أن ترميم الدولة يحتاج اليوم إلى جهود كبيرة، لتستمر الجزائر كقوة جهوية وتاريخية.
الانتخابات هي جزء من تقويم الدولة وحضورها، والسؤال ليس هنا، ولكن في كيفية إجراء الانتخابات في ظل شارع يحتله الحراك، في انتظار الاستجابة لمطالبه؟ على ما تبقى من الدولة، من خلال مؤسساتها التي ما تزال واقفة، أن تعيد النظر في يقينياتها. هل تريد انتخابات حقيقية، أم انتخابات يشترك فيها عشرة في المئة من المجتمع الجزائري، بكل ما سينجر عن ذلك من تزوير ونفخ في النتائج وكأن لا شيء تغير؟ في المحصلة، نجد أنفسنا أمام كارثة غير مسبوقة؛ كيف يقبل المجتمع الجزائري بعشر رئيس، لا يمثل حتى نفسه؟ نعتقد أن ذلك العهد قد انتهى مع الحراك.
ولنا أن نتخيل التصدعات والشروخ التي يمكن أن يحدثها ذلك في الجسد الوطني. لوحة قد تكون سوداء، لكن المعطيات الميدانية غير بعيدة عما قلته.
لقد ضاع وقت كثير في التعنتات، ويحتاج المجتمع الجزائري اليوم إلى الاستماع إلى صوت العقل. بمعنى القيام بإجراءات قبلية ضرورية، وهي من مطالب الحراك: أولاً، حل حكومة بدوي، فهي من بقايا النظام الريعي المتهالك، ودارت طويلاً في فلك العصابة، وتعوض بحكومة فعاليات وطنية حقيقية. ثانياً تكوين لجنة انتخابية حرة ومستقلة، من قضاة ومحامين لهم خبرة تخصصية في الميدان، فلا يمكن بناء دولة حديثة بالحلول الطارئة.
ثالثاً، إطلاق سراح معتقلي الرأي الذين أخِذوا من داخل الحراك لأنهم كانوا يحملون الرايات الأمازيغية في بلاد تعترف لهم بالحق الدستوري اللغوي ورسمت العيد الأمازيغي. رابعاً، فتح القنوات الإعلامية على المختلف، وأن تغير الدولة استراتيجيتها الإعلامية ولا تعمل بمنطق النعامة. تغطية الحراك في كل تجلياته أكثر من واجب إعلامي. بدون ذلك ستكون انتخابات ديسمبر/كانون الأول لا حدث. والأزمة ستستفحل أكثر. ولا يمكن للجيش أن يتورط أكثر بإعلان حالة الطوارئ أو الاستثناء.