“حدث ذات مرة في هوليوود” تارانتينو يعيد تشكيل صورة الستينيات الصاخبة

يوخنا دانيال
حجم الخط
0

مغامرة عاشق السينما كوينتين تارانتينو الأخيرة، هي نظرة اشتياق وعرفان إلى هوليوود الستينيات، وهي على مشارف الدخول في عقد السبعينيات. ولهذا جاء عنوان الفيلم “ذات مرة في هوليوود” وهو يقصد بذلك مرحلة الستينيات من القرن الماضي. لقد كانت مرحلة خصبة وصاخبة وثورية على الأصعدة السياسية والاجتماعية والفنية، وكذلك الجنسية على الخصوص. لكن الفيلم يختزل منظوره ويكثّفه على هوليوود فحسب، عاصمة السينما في العالم الغربي عام 1969 وهي تشهد تغيرات عديدة في طرق العمل ومواضيع الأفلام، وانهيار شركات الإنتاج الكبرى. يمزج تارانتينو في هذا الفيلم، ثلاثة خطوط سردية أو ثلاث حكايات، تتداخل قليلا مع بعضها في النهاية، لكن معظم الوقت تظل كل حكاية تأخذ حقها في الفيلم.
الحكاية الرئيسية هي حكاية ريك دالتون (ليو دي كابريو) الممثل الذي يتقهقر من بطولة أفلام الويسترن متوسطة الجودة، نحو بطولة المسلسلات التلفزيونية من نوع الويسترن أيضا. لكن هذا البطل في هذه المرحلة في الفيلم، يلعب دور الشرير في مسلسلات أخرى، لذا اقترح عليه وكيله شوارز (آل باتشينو) أن يسافر إلى إيطاليا ليلعب أدوار البطولة في أفلام الويسترن الإيطالية سيئة السمعة والجودة. ويصاحب دالتون معظم الوقت بديله في الأدوار الخطرة، كليف بوث (براد بت) الذي تحول إلى صديق له وسائق شخصي أيضا. بوث شخص قانع بحظه، مبتسم دائما حتى في أحرج الظروف والأوقات، وربما هو براد بت الحقيقي الذي نادرا ما تظهر الانفعالات على وجهه الوسيم الباسم.
الخط الثاني، هو حكاية النجمة الصاعدة، الحسناء الشقراء، شارون تيت (مارغوت روبي) مع زوجها المخرج الشهير رومان بولانسكي، وخطيبها السابق جاي وأصدقاء آخرين. ورغم أنها تسكن بجوار دالتون، لكن لا يتسنى لهما أبدا اللقاء أو التعارف. وبالطبع فإن شارون تيت أشهر من نار على علم في العالم الغربي، وبين كبار السنّ في العالم العربي، ليس بسبب أدوارها وجمالها فحسب، لكن بسبب مصيرها المأساوي الذي تمرّ عليه الذكرى الخمسون هذا العام. لكنها في عام 1969 كانت معشوقة الجميع، يتمناها دالتون، ويعشقها الرائع ستيف ماكوين، الذي تتجاهله هي من أجل بولانسكي.
الخط الثالث، هم الهيبيز، صوت الشباب الأمريكي المتمرد، الذين كانوا يملؤون الدنيا ضجيجا في الستينيات، بمعارضتهم للحرب الأمريكية على فيتنام، ودعوتهم للسلام والحب الحر وتعاطي الماريجوانا أو الحشيش، وتسكّعهم في الطرقات وتطفّلهم على الناس وازعاجهم أحيانا، ويعيشون في قبائل شيوعية الطابع من دون أي قيود. الفيلم لا يركّز عليهم، إلا بشكل عابر، لكنهم في خاتمته يلعبون دورا محوريا، وهذا متوقع من قبل الذين يعرفون حكاية شارون تيت، التي هزّت العالم في وقتها.
الفيلم الذي يبدو سلسا للمشاهد، وحلقاته متراخية نوعا ما، هو في الحقيقة مكتوب بدقة وصرامة، وتجري أحداثه بانضباط عالي، كما يتجلى في أداء أبطاله الرئيسيين ليو وبراد ومارغوت. لكن الوحيد الذي يعاني من الصراعات الداخلية والتداعي النفسي في الفيلم، هو البطل الرئيسي ليو دي كابريو، الذي يقدم أداءً رائعا، غير متوقع، عندما يبدأ في الانتقال من دور البطل إلى دور الشرير، الذي سيقوده لاحقا إلى التقاعد، بعد أن بلغ الخمسين من العمر. وإذا استثنينا مشاهد الأفلام أو المسلسلات داخل الفيلم، فإن “ذات مرة في هوليوود” يشهد حوارات ذكية جدا، حول هوليوود وصناعة السينما وفن التمثيل، كما في حديث دالتون مع طفلة صغيرة، وكذلك الحوارات الرائعة بين الهيبيز في خاتمة الفيلم حول العنف وانتشاره في المجتمع الامريكي، ودور هوليوود ونجومها في نشر ثقافة العنف بين الأعمار الصغيرة. هذه الحوارات تناقش تاريخ هوليوود، وتأثيراتها على المجتمع، أو بالأحرى انعزالها عن المجتمع، وهذا ما نراه من خلال حياة المشاهير وحفلاتهم الصاخبة، وكراهيتهم واحتقارهم للهيبيز.
الفيلم كان عليه ان يكسر بعض الحواجز، على الأخص فيما يخص زوج وأقارب الراحلة شارون تيت أولا. وقد أرسل تارانتينو نصّ الفيلم إلى بولانسكي زوج شارون تيت، الذي لم يمانع في التصوير. لكن أخت النجمة أثارت لغطا حول كيفية تصوير اختها في الفيلم، مما دفع المخرج إلى استضافتها خلال جلسات تصوير مشاهد تيت، وقد أبدت رضاها عن النص وأداء مارغوت الهادئ اللطيف، وكأنها ليست مارغوت الغولة القوية. المشكلة الأكبر كانت في تصوير شخصية بروس لي، كمتبجح وثرثار، يتحدى محمد علي كلاي، وفي النهاية يكاد ان يخسر نزالا مع البديل كيف بوث (براد بت). وهذا أثار حفيظة شانون لي ابنة بروس، وعبرت عن امتعاضها على القنوات التلفزيونية، واعتبرت الأمر قلة احترام لذكرى والدها، من دون أن تفهم أنه مزحة مرحة، لكن المخرج دافع مرارا عن موقفه؛ بأنه يحب ويحترم بروس لي كثيرا.

وكان المخرج قد طلب من الصحافيين والحضور في مهرجان “كان” لهذا العام، عدم الحديث عن نهاية الفيلم، ويبدو أنه كان محقا تماما لأن الخاتمة جاءت هوليوودية بالفعل، وليست تاريخية كما يعرفها أو يتوقعها معظم الناس. وبالنسبة للمخرج والكاتب تارانتينو، فإن الفيلم هو نوع من الخيال الإبداعي الذي يستعير عناصر من الواقع، ويتلاعب بها لاحقا من أجل إحداث تأثير يشبه الصدمة بين المشاهدين. وربما هذه هي حقيقة هوليوود التي (تزيف) الحكايات ونهاياتها لاحقا، من أجل تقديم قطع من الحلوى للمشاهدين. وبدل ان تكون لدينا الحقيقة التاريخية، ننتهي بالحقيقة الهوليوودية، أو الحقيقة السينمائية. وبالمناسبة هذا يحدث دائما وباستمرار، ليس في السينما وحدها، بل في جميع فروع الأدب والفن أيضا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية