عند الخصام أو في لحظات الاختلاف و في حالات الضعف التي تنتاب الانسان في يومياته ، كثيرا ما نواجه أنفسنا أو نواجه الغير ، أو يواجهنا الآخرون بعبارة: إنّنا بشر، إنّنا بشر ، عبارة كأنها تتلمّس العذر ورفع الملامة عن أي عتاب محتمل نابع من الضمير أو من الآخري ن . أو كأنما تسعى لتغطية العجز أمام الموقف ، أو لتبرير أي تصرف غاضب ، متشنّج ، فإذا ما همس صوت هادئ وخطاب رزين لاحتواء الموقف وتلطيف الأجواء و تهدئة النفوس، رفع صوت عال: إننا بشر ، إننا بشر…، لسنا ملائكة.
إنّ الموقف هنا لم يعد يعني لحظة الضعف كحقيقة بقدر ما يعني تبريرها . ولا يتقصى حالات نادرة استثنائية بقدر ما يرصد ظاهرة تفشت بإلحاح على مختلف المستويات.
هل الإنسان ولكونه إنسانا له أن ينساق وراء دواعي الكره و الغضب و الشطط في مختلف المواقف الحياتية التي تمرّ به ، هل له أن ينزع نحو أنواع التعصّب و التطرّف في الحبّ و في الكره ، و يكفي ليبرّر كل ما يترتب عن ذلك من ارتباك نفسي و توتر وجداني وسوء في العلاقات بين الأفراد، وفي سائر تعاملات المجتمع ، هل يكفيه تبريرا لذلك أن يقول : إنني إنسان و لست ملاكا ، ومن الطبيعي أن أغضب و أتعصب.
هل هذه هي الحقيقة الصادمة عن الإنسان و الحياة ، و أن ما قيل و ما كتب عن المدينة الفاضلة و الإنسان الفاضل ، و سمو الإنسان و أشواقه و صفاء روحه ، ما هي إلا أحلام و أمنيات تتلاشى كلما اقتربت إلى الأرض .
ثم يجنّد قدراته و إبداعه و يسخّر إمكانات الكون و الحياة في هذا السياق ، فيستعمل السياسة و الاقتصاد و الاجتماع و الثقافة و الفن و الدبلوماسية …، يستعمل كل ذلك كروافد لخدمة هذا الشعار الضخم و هو تبرير لحظة الضعف الانساني و الترويج و التسويق لها. و إذا ما أبرقت بارقة انسانية حقيقية وسط هذا الركام الكثيف انزاحت عنها الأضواء و انهالت عليها الأتربة ، و رميت في غياهب النسيان و الإهمال…
فهل من فخر للانسان و لقادة الأرض التي تثار عليها متتالية الحرب و النزاع، بسبب نزوة عابرة أو نزعة تفتقد للعقل، أو انتصارا لرأي احتمال الخطأ و الصواب وارد فيه ، و هل من فخر للإنسان أن يكون مجرّد دمية «تدّعي الوعي» و تتباهى بمظاهر الانسانية، و هي لعبة في يد عصابات السلاح ومروّجي الممنوعات . قديما كان الملك أو القائد عبدا لنزوته أو لرأيه ، و لكنه اليوم و قد أسّس الهيئات و المنظمات صار عبدا لنزوة غيره و لرأي آخرين من شركات و منظمات ، و رأسمال عابر للقارات و رهين مصالح بلا حدود…
أخيرا أقول لئن كانت للإنسان عورة فلا أظن أنها هي مجال تميّزه و افتخاره. فالرّبّ قد يستر العورات و يغفر السيئات و لكن ماذا عن المجاهرين …
مسعود غراب ـ الجزائر