بيروت-“القدس العربي”: يستغرب كثيرون من أهل الفن الإلتفاف الشعبي حول جمعية “تيرو” للفنون، ويُكبرون مثابرة صاحب الفكرة والمؤسس الفنان قاسم اسطنبولي وصموده. لكن اللقاء مع قاسم يقول كم هو مثابر، مصصم وصادق في ما يريده. هو قاسم نفسه الذي كان طالباً لا يهدأ في معهد الفنون يتابع دربه، وهو المؤمن بقناعاته، بوطنه وبمدينته صور.
قاسم اسطنبولي وجمعية “تيرو” للفنون علامة فارقة في الجنوب ويلقون كل تقدير وحب. والتساؤل دائم عن الذين وقفوا بالمرصاد لنشر الفن، مما أدى لإقفال سينما الحمرا في صور، ومن ثم سينما ستارز في النبطية. وكأن الفاعلين لا يعرفون أن المسرح والموسيقى والسينما وكافة الفنون لها أجنحة قوية، تمكنها من التحليق عالياً لتخطي الصعاب.
جديد جميعة تيرو للفنون مهرجان “أيام فلسطين الثقافية” من 27 إلى 30 أيلول/سبتمبر الجاري.
معه هذا الحوار:
* حضورك المسرحي الأول كان بعد الحرب الصهيونية الكبرى على غزّة سنة 2007 في “قوم يابا”. صرخت بصوت الشعب الفلسطيني فهل أردت حياتك الفنية في مهب النضال؟
**كل عمل فني هو نضال. أنا جزء من القضية الفلسطينية، والدتي من فلسطين، وأعيش في مدينة صور التي تضم أصدقاء وبيئة وعائلة جميعهم من فلسطين. قدمت هذا العرض وأنا طالب مسرح في معهد الفنون الجميلة “قوم يابا” تقول فكر بيئتي. والفن أبن البيئة.
*بعد التخرج ثابرت على مشروعك الخاص فكانت جمعية “تيرو” للفنون – صور لماذا؟
**وقبل جمعية “تيرو” أسست بعد التخرج من الجامعة مباشرة فرقة اسطنبولي المسرحية بهدف المشاركة في مهرجان دولي في اسبانيا، فقد كنت أحتاج لأوراق ثبوتية لي كنان. واظبت الفرقة على نشاطها منذ 2008 إلى 2013 وشاركت في عروض عالمية وعربية، وأخرى جوّالة في الشوارع إلى جانب أصدقاء وزملاء من معهد الفنون. والخطوة التالية كانت في افتتاح مسرح صغير في مدينة صور. وعندما بدأنا مرحلة إعادة ترميم صالات السينما المهملة ولدت جمعية “تيرو” للفنون بهدف أن ينتظم الناس حلو فكر مؤسساتي، وهذا ما كان. كبر مشروع تيرو للفنون عندما وجد طلاباً وناساً من حوله يؤمنون به، وكبر الحلم.
*هل تحولت الحاجة الشخصية لهذا النشاط إلى عامة؟
**صحيح، خاصة وأن صور مدينة لا مسرح فيها ولا صالة سينما. حلمت بأحلام الناس وكبرت الأحلام، ونعمل لتحويلها إلى حقيقة. المسرح الوطني اللبناني مكان يحقق حلم الشباب، يكبرون معه، يتدربون ويعودون للإلتحاق بالجامعة. بعضهم يتابع دراسته في الخارج لقناعة بأن الفن وسيلة للتعبير، ومهنة وتجربة حياة أيضاً.
*وهل نقول إن المثابرة ساهمت في مزيد من التفاف الشباب حول الجمعية وكسرت مركزية الثقافة في بيروت؟
**نحن الآن ما بعد كسر المركزية. ففي صور ما يقارب الخمسة مهرجانات ثقافية، وخلال سنوات خمس افتتحنا ثلاث صالات سينما. يعتبر المسرح الوطني في صور أول مسرح وسينما مجانية في لبنان، ومنصة ثقافية حرّة مستقلة ومشتركة للجميع. ينظم ورشات تدريب مجانية من مسرح ودبكة ورسم. ونستقبل بدءاً من عمر سبع سنوات. نفتخر بالمهرجانات التي ننظمها بخاصة مهرجان مونودراما المرأة الذي نقيمه في اليوم العالمي للمرأة. وكذلك مهرجان لبنان للرقص المعاصر وغيره.
*تنقلتم بين سينما مهملة وأخرى تعيدون ترميمها وصولاً إلى النبطية. واجهكم الإقفال. كيف تستمرون؟
**نعمل في مهنة المصاعب، فكيف بنا ونحن نبني من لا شيء. نجتهد لإيجاد مكان مفتوح، والتحدي في بقائه مفتوحاً وحراً. تمثلت الصعاب في عملنا في أرضية غير خصبة. تعبنا من إعادة تأهيل صالات السينما المهجورة. وحتى اللحظة علامات الإستفهام مطروحة حول اقفال سينما الحمرا في صور وستارز في النبطية؟ والصالتان لا تزالان مقفلتان، ولم يتم استثمارهما بأي مشروع. من المستفيد من إقفال صالة كانت مفتوحة ومجانية للناس؟ تعلمنا من كيسنا، لهذا ومع استئجار صالة للمسرح الوطني في صور وقعنا عقداً لعشر سنوات مع المالك. أن نطمئن لعشر سنوات مقبلة إنجازاً يتيح للشباب متابعة العمل في صور، وقد ينتقل المؤسسون إلى مدينة أخرى لمشروع جديد.
*الإقفال للإقفال هل من حرب على مشروعكم؟
**لم نعرف لماذا. وصلنا للخطوات الأخيرة في عملية شراء سينما ستارز، لكن آخرون سبقونا ولم نعرفهم. من المستفيد من اقفالها؟ إنها الجهة التي حاربت وجودنا في هذا المكان. قدم تُهدم منصة ثقافية لصالح مشروع تجاري أو سكني، لكن علامات الإستفهام قائمة طالما المكانين مقفلين.
*في صور مهرجانات مسرح وسينما ورقص وجميعها دولية. من أين المال ومن يدعمكم في استقبال ضيوف من العالم؟
**في المهرجان الأول أتى المشاركون على نفقتهم الخاصة سواء كانوا عرباً أو أجانب. عائلات المشاركين في تأسيس جمعية “تيرو” أعدت الطعام للضيوف، واستقبلت بعضهم في منازلها. نعتمد في تمويلنا على دعم الجمهور وتبرعاته في الصندوق الخاص لدى دخول المسرح. ونتسلم مساعدة محدودة من وزارتي الثقافة والسياحة وبلدية صور. مساعدات لم ترق لحجم وقيمة مهرجان، أو لمستوى استضافة مشاركين من العالم براحة. نحن محظوظون للغاية فـ40 دولة شاركت في المهرجانات التي نظمناها في السنوات الخمس الماضية، من الأرجنتين، المكسيك، الهند، دول أوروبية منوعة والصين. ضيوف سمعوا عن المهرجان يشبهوننا في نشاطهم، وهم فنانون حقيقيون. يأتون إلينا على نفقتهم الخاصة، ونستضيفهم ضمن قدراتنا المتواضعة، ونقيم معاً مهرجاناً عائلياً. تجربتنا هذه ستدرّس ضمن برامج أكاديمية مستقبلاً دون شك. صناعة الثقافة تحتاج لمؤمنين بها. الفلوس ليست الأساس، فحضورها أحياناً يكون مخرباً.
*كيف صارت لكم صلات فنية عالمية بين شرق وغرب؟
**قبل 2014 ومرحلة افتتاح صالات السينما كانت فرقة اسطنبولي تشارك في مهرجانات وصار لنا أصدقاء نتبادل معهم الزيارات، ونستقبل متطوعين أجانب ولا نزال. ربما لا تصدقين أن مخرجة من هولندا تشاركنا في تنظيف دورات المياه. نحن لا نمتلك قدرة تشغيل عمّال تنظيفات، نعتمد على متطوعين من لبنان، فلسطين وسوريا ومن نسيج البيئة التي نعيش فيها. إضافة إلى متطوعين من تركيا، هولندا واسبانيا يسوِّقون إلى جانبنا لمهرجانات المتنوعة ويدعون أصدقاء لهم للمشاركة. نتواصل مع صالات سينما قديمة في أوروبا لأننا نعمل وفق الفكر الفني نفسه، وهم يمدوننا بالأفلام والضيوف والخبرة الثقافية. ونتشارك معهم في ورش عمل في بلجيكا وهولندا.
*وحتى الآن لا تزال الإستضافة في منازلكم؟
**نتمكن أحياناً من تأمين إقامة في فندق، وغالباً نستأجر بيت ضيافة يجمع أكثر من ضيف. ونلفت بأن أول عرض مسرحي سعودي وإيراني في لبنان استقبلته مدينة صور. في حين أن مهرجانات بيروت تتعاون مع السفارات التي تدعم فنانيها ببطاقة السفر والإقامة، بينما سفارات أمريكا الجنوبية لا تملك إمكانية دعم فنانيها في زيارتهم لمدينة صور. مهرجان لبنان المسرحي نظم حتى الآن خمس دورات ولم نتلق له الدعم المطلوب رغم وجود مسابقة بين العروض. نحن سباقون في تنظيم هذا المهرجان قبل أن يكون لبيروت مهرجان بدعم من الهيئة العربية للمسرح. وكذلك الأمر بالنسبة لمهرجان الرقص المعاصر، ففي بيروت مهرجان بايبود ولا وجود لثالث. ونفتخر بمهرجان مونودراما المرأة، وسنكون قريباً مع مهرجان الحكواتي في الشهر المقبل.
*ما هي طبيعة العلاقة بين الجمعية ووزارة الثقافة؟
**زارنا الوزير محمد داود في المسرح الوطني في صور وأبدى اهتمامه بتجربتنا، وبدراستها وتعميمها. وأبلغنا أننا حالة مختلفة، وأننا قمنا بدور مفروض على وزارة الثقافة. المسرحيون المخضرمون في بيروت كانوا يحلمون بأن يكون للمدينة مسرحها الوطني لكنه تحقق في صور. للأسف كثير من المثقفين والفنانين لم يعتادوا بعد الخروج من أسوار العاصمة. التغيير الحاصل على الصعيد الثقافي أحدثه الجمهور الذي يشاهد عروضنا.
*كيف توسعتم لتكون لكم مشاركات مع مهرجانات ثقافية خارج صور؟
**عندما كنا بصدد شراء سينما ستارز في النبطية أطلقنا حملة تبرعات عبر الإنترنت جمعت 10 آلاف دولار، فشل المشروع، وعندها اشترينا لصالح جمعية “تيرو” للفنون باصاً جوّالا. أطلقنا عليه اسم “كرافان الفن والسلام” وبه جلنا في القسم الأكبر من قرى لبنان ومدنه. ونخطط مستقبلاً للإنفتاح على طرابلس لتعبيد طريق فني بين الجنوب والشمال. والهدف الأكبر إفتتاح سينما في عاصمة الشمال وإعادتها إلى الطليعة. فأول صالة سينما عرفها لبنان كانت في طرابلس. كما أن غالبية الفرق الفنية ولدت فيها ومن ثم انتقلت إلى بيروت. ونعمل حالياً لجمع فريق من فنانين ومتطوعين في الشمال. فعندما نقصد مكاناً نؤسس فريقاً، ولهذا مستمرون في النبطية رغم إقفال السينما.
*وماذا عن تدريب الناشئين والموهوبين في التمثيل بين صور والنبطية؟
**صبية شاركتنا سنة 2014 في افتتاح سينما الحمرا كبُرت ودخلت معهد الفنون في الجامعة اللبنانية، وشاركت في مهرجان مونودراما المرأة إلى جانب عروض من المكسيك، البرتغال ومصر. جمالية هذا العمل تظهر في هؤلاء الشباب والصبايا المستمرون والذين يحيون الفكرة ويدبّون الحياة في المكان. كذلك أحد الشباب الذي تلقى التدريب معنا في النبطية سافر لمتابعة الدراسة الفنية في روسيا. وهذا ما نعتبره إنجازاً إلى جانب فريق المتطوعين الذين كبروا معنا بعد أن بدؤوا وهم مراهقين. ونحن بدورنا نتوسع في التدريب من التمثيل إلى الرسم، الموسيقى، الدبكة والتصوير. والجميع يشارك لاحقاً في مهرجان لتقديم خبراتهم على المسرح.
*هل أنت مطمئن للمستقبل؟
**في بلدنا الاطمئنان صعب. لكن نحن المجموعة التي حلمت وتعبت تؤمن بأننا سنتواصل لعشر سنوات مقبلة، بعد أن سُرق منا الحلم مرتين. نستمد قوتنا من العائلات التي تقصد المسرح على الدوام لحضور السينما والمسرح والرقص، ومجاناً. سنة 2019 كانت حافلة بالنشاط والإزدهار الذي أثمره الحب والإيمان. على سبيل المثال يعيش معنا في صور حالياً مخرج سينمائي متطوع من العراق يدرب مجموعة من الراغبين. البنيان الثقافي يحتاج لمكان، ورش عمل ومهرجانات، وهذا ما نقوم به.
*وما هو نشاطكم المقبل؟
**ينظم مسرحنا الوطني بين 27 و30 أيلول/سبتمبر “أيام فلسطين الثقافية”. مهرجان يجمع بين المسرح والسينما والموسيقى والشعر، إلى جانب معرض للفنون التشكيلية. نرغب بتقديم الفنون الفلسطينية بكافة أنواعها، وتقريبها للأجيال الجديدة بهدف الحفاظ على الهوية والذاكرة الفلسطينية. الدورة الأولى من هذا المهرجان بدأت سنة 2015 في سينما الحمرا في مدينة صور، ونحن حالياً مع دورته الثانية، وسنحيي الفنانين الراحلين الذين ساهموا في إغناء الفن والتراث الفلسطيني وهم: الكاتب والأديب سلمان الناطور، الفنانة ريم البنا، الشاعر سميح القاسم، المخرج والمصور هاني جوهرية والفنان التشكيلي كمال بلاطة.
*أين قاسم اسطنبولي الممثل وصاحب الكاراكتر من المسرح، السينما ودراما التلفزيون؟
**ما قمنا به في صور أو النبطية يشكل مساحة تعبير شخصية على صعيد التمثيل. وجدت متعتي في رؤية آخرين على الخشبة. في المرحلة السابقة انجزت مجموعة افلام قصيرة صورتها بين لبنان، البرازيل واسبانيا بمساعدة اصدقاء. واشرفت على عدد من المسرحيات نفذها المتدربون في جمعية تيرو منها في انتظار غودو. كممثل أفرح بأني بنيت مكاناً ثقافياً بمساعدة مجموعة متعاونة ومتضامنة. أمنيتي أن يستلم الشباب الذين نشؤوا في المسرح المكان، الحفاظ عليه وتطويره. عندها يمكنني التفرغ لعمل فني. فالممثل الذي بداخلي يريد ويرغب.