القاهرة ــ “القدس العربي”: كحال أغلب الدول التي تغيب عنها الديمقراطية، والتي تنتهج نهجاً فاشياً في معاملة محكوميها والسيطرة عليهم، سواء من خلال حكم عسكري أو ديني ــ كما الحال في إيران ــ فإن الصورة الرسمية دائماً ما تخفي أو تتناقض تماماً مع الواقع الفعلي. وما الحفاظ على الصورة التي يتم تصديرها عن الناس والمجتمع إلا وتحمل مفردات تكذيبها ونفيها، كما تحاول هذه الأنظمة أن تنفي كل ما يخالفها، أو يصبح كالنغمة النشاز في مقطوعتها الموسيقية التي لا يسمعها ولا يصدقها أحد. وعادة ما يأتي الأدب أو السينما لخدش هذه الصورة المثالية، ليصبح الأمر ما بين السخرية والمأساة. وفي تاريخ السينما الإيرانية نجد العديد من الأفلام التي حاولت اختلاق أسلوب ورؤية تواجه السلطة الرقابية بعد الثورة الإسلامية وتبعاتها. أصحاب هذه الأعمال نجحوا في الكشف عن زيف هذا المجتمع وقوانينه وأخلاقياته بدرجة كبيرة من الوعي والحِرفية الفنية، نذكر مثالاً كل من عباس كياروستامي، ومجيد مجيدي، وجعفر بناهي، وأصغر فرهادي. ومؤخراً جاء فيلم “مُحرّمات طهران” لمخرجه علي سوزنده، إنتاج ألمانيا والنمسا، وعرض في أسبوع النقاد في مهرجان “كان 2017” ليحاول رسم صورة مرعبة للعاصمة الإيرانية، وحالة الفساد التي يعيش الجميع تحت وطأتها، ويتحايلون على العيش من خلالها. ولكن، ألا يتساوى رسم لوحة الموبقات هذه، والتي لا تحمل اختلافاً واحداً مع الصورة المثالية الأخرى التي يرسمها النظام الإيراني؟
الهوس الجنسي
يبدأ المخرج فيلمه بلوحات أو ضربات انتقامية متتالية تصوّر حال الفساد النفسي والاجتماعي الذي تحياه الشخصيات المحكوم عليها مسبقاً، هذا الفساد لم يجد صانع الفيلم إلا الجنس معادلاً له، أو يتم التعبير من خلاله. في الطريق يبدو سائق تاكسي وامرأة وطفلها في الكرسي الخلفي، يساوم الرجل المرأة على مضاجعتها، ولا يكفي المبلغ الذي عرضه عليها سوى بعض الأفعال المتعجلة داخل السيارة، تنتقل المرأة لتجلس جواره، بينما طفلها ــ الأبكم ــ يتناوب التلهي بالطريق أو مشاهدتها. يلحظ السائق ابنته تسير رفقة شاب يمسك بيدها، فيغضب ويصب لعناته، حتى يصطدم بسيارة أخرى.
المرأة صباحاً تزور زوجها السجين وتطلب الطلاق، وتذهب إلى القاضي المتجهم والغاضب دوماً، تستجديه الإسراع في إتمام إجراءات الطلاق، وأنها ستكون خادمته، يرفع الرجل عينه عن الأوراق للمرّة الأولى، فيرى المرأة ويقول إنه لا يريد خادمة، بل امرأة.
حفل موسيقي صاخب تحت الأرض، رقص ومخدرات وخمور، وموسيقي شاب لا تجد موسيقاه مكاناً في هذا المكان، يلمح فتاة ترقص ويُشير إليها فتتبعه إلى حمام قذر متهالك، يتناوبا التدخين ويعطيها أحد الأقراص المخدرة أو ما شابه، ثم يمارسان الجنس في سُعار، بينما في الخارج تبدو المإذنة المنتصبة، ويتصاعد آذان الفجر.
بعد هذه اللقطات المتتابعة نجد جميع الفئات في المجتمع لا تدور علاقاته إلا في فلك الفعل الجنسي والبحث عنه، قصداً أو مصادفة، سائق كهل، شاب، فتاة، امرأة، قاض شرعي، وتتوالى الأحداث لتطول موظفا في أحد البنوك ومن أسرة تنتمي للتدين الزائف، فالأب المُسن يجلس أمام التلفزيون يشاهد قنوات “البورنو” خلسة، وابنه الموظف الخجول، يحاول أن يمارس الجنس خارج إطار الزواج ــ متزوج وامرأته حامل ــ وبالمصادفة يقع حظه في عاهرة طهران الوحيدة، امرأة التاكسي وعشيقة القاضي، بل وجارة الموظف وصديقة زوجته، بعدما وفّر لها القاضي مسكناً في بناية تسكنها الأسر المحترمة، حتى يأتيها كلما رماه الشوق.
لعبة المشكلات المتوالية
وحتى تكتمل الصورة ويتصاعد الخط الدرامي، ففتاة المرّة الواحدة ــ فتاة الملهى الليلي ــ تفقد عذريتها، وهي على وشك الزواج برجل غيور عصبي، ولابد من حل، يبدأ الموسيقي الشاب بالبحث عن غشاء البكارة الصيني ــ الغشاء المضروب ــ ولكن يفشل الأمر، فيبحث عن طبيب يقوم بهذه العملية، وبالمصادفة يتقابل وعاهرة طهران الأولى، فتذهب به إلى موظف البنك ــ جارها ــ وقد أنقذته من الفضيحة أمام أسرته وزوجته، ليوافق على إقراض الشاب، وقد رفض من قبل ــ الموظف نفسه ــ حيث لا تنطبق عليه شروط القرض. أما زوجة الموظف فنعرف أنها تختنق بقيود أسرة زوجها، وتريد العمل، ويمتنع الزوج عن إقراره بالموافقة ــ لابد من موافقة الزوج ــ فتقوم بإجهاض نفسها مراراً، حتى هذا النموذج الذي تستطيع التعاطف معه، يبدو أنه سبب مشكلة لمخرج الفيلم، وجعل المرأة تنهي حياتها بالانتحار.
الحلم بالهروب
وإن كانت الزوجة الشابة هربت من حياتها بالانتحار، فإن الأمل الباقي للشباب هو الرحيل عن هذا المكان، حيث السجون والملاحقة والإعدامات في الميادين العامة. فيقرر الموسيقي الشاب بعد حصوله على القرض أن يهرب، ويترك الفتاة لمصيرها، هذه الفتاة التي أصبحت صديقة للعاهرة بالضرورة، تكشف لها في النهاية أنها آتية من قرية بعيدة إلى العاصمة، حتى تجد عملاً، وأن خطيبها المزعوم ليس إلا قواداً، ويريدها عذراء حتى يقوم بتصديرها إلى إحدى دول الخليج. ولا يتبقى إلا العاهرة وطفلها الأبكم، كما بدأ بهما الفيلم.
كتالوغ الدراما وعيوبه
الشخصيات الدرامية ما هي إلا نتاج بيئتها ومجتمعها، وما أفعالها في الأساس إلا رد فعل على ما يحيطها، رفضاً أو قبولاً، أو حتى بالتحايل ومحاولة التعايش. وحتى لا تبدو المواقف افتعالية وتبدأ لعبة المصادفات الرديئة، يجب أن تبتعد هذه الشخصيات قدر الإمكان عن كونها نماذج لأفكار، وهو ما حدث في “مُحرّمات طهران” حيث تم تجميع كل السلبيات والسفالات السلطوية والاجتماعية، ومحاولة استعراضها، من دون التواصل مع شخصية واحدة تحاول النظر من زاية أخرى، أو أن تتحايل على الحياة بطريقة مختلفة. هذا هو أكبر عيب في الكتابة من خلال تجميع أفكار، ثم محاولة اختلاق شخصيات لا تنتمي للحياة ولا إلى تاريخها الشخصي، فقط بوق لأفكار ورؤية يريدها صاحب العمل، رغم أنف الشخصية وحياتها. ليجسد صورة لا يرى غيرها ولا يريد، تماماً كأصحاب السلطة الذين ينتقم منهم في فيلمه، حيث الإصرار على تصدير صورة مثالية لمجتمع محافظ يتنفس التعاليم الدينية ويعيش من خلالها، وبالتالي فالجميع سعداء، وما الانتقاد إلا عين الآخر الذي لا يعرف كيف يرى. هذه الصورة التي تحمل سمات تطرفها من الجانبين كل منهما يثير الشك، ويبتعد عن الحقيقة بالمسافة نفسها.