معجزة جونسون في مهمة مستحيلة

محمد المذحجي
حجم الخط
0

لندن-“القدس العربي”: أظهرت أحداث الأسبوع الماضي على الساحة السياسية في المملكة المتحدة أن رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، إذا أراد أن ينفذ الوعد الذي قطعه في الانسحاب من الاتحاد الأوروبي نهاية تشرين الأول/أكتوبر، فإنه يحتاج إلى ما يشبه المعجزة للخروج من مأزق بريكست.

وفاز بوريس جونسون في سباق قيادة حزب المحافظين ومنصب رئيس الوزراء بشعار ووعد إخراج بريطانيا من التكتل الأوروبي نهاية الشهر المقبل “تحت أي ظروف” وشدد مرات عديدة على أن عملية الطلاق بين لندن وبروكسل إذا لم تتم من خلال توافق جديد، ستتم بدون اتفاق، أي ما يوصف “بريكست الحاد”.

لكن مجلسي العموم واللوردات في بريطانيا صادقا على قانون يفرض على رئيس الوزراء تأجيل الخروج إلى عام 2020 ما لم يتوصل إلى اتفاق جديد مع الاتحاد الأوروبي، ويمنعه من الذهاب إلى خيار الانسحاب بدون توافق. وصوت لصالح هذا القانون تحالف من نواب المعارضة ومنشقون عن حزب المحافظين الذي ينتمي له جونسون، ويقدر عددهم 21 نائباً. وحظي هذا القانون بالموافقة الملكية رغم معارضة الحكومة له، ليصبح قانوناً سارياً ولازم الاتباع.

أسبوع كارثي

وخلال الأسبوع الكارثي بالنسبة للحكومة، فشل جونسون مرتين في تمرير طلبه إجراء انتخابات تشريعية مبكرة في البلاد أملاً منه بأن يفوز حزبه وحلفاؤه المؤيدون لبريكست. ورفض البرلمان البريطاني الإثنين قبل بدء فترة تعليق عمله لفترة 5 أسابيع، طلب رئيس الوزراء للمرة الثانية إجراء انتخابات مبكرة، موجها بذلك ضربة قوية أخرى لاستراتيجية جونسون للخروج من الاتحاد الأوروبي. وصوت المشرعون بأغلبية 293 صوتا مقابل 46 لرفض رغبة الحكومة في إجراء انتخابات عامة يوم 15 تشرين الأول/أكتوبر.

وقبل التصويت الذي جرى في وقت متأخر من الليل، أكد رئيس الوزراء للبرلمان إنه لن يطلب تأجيلاً إضافياً لتاريخ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي المقرّر نهاية الشهر المقبل، على الرغم من أن القانون الذي أقره البرلمان ودخل حيز التنفيذ يلزمه بأن يطلب من بروكسل إرجاء بريكست لمدة 3 أشهر. وقال جونسون إن إجراء انتخابات مبكرة هي السبيل الوحيد لحل أزمة بريكست والخروج من حالة الانسداد السياسي التي تعاني منها البلاد. وأضاف مخاطبا زعيم حزب العمال المعارض، جيرمي كوربن “إذا أردتم تأجيلاً فصوتوا لإجراء انتخابات عامة مبكرة”.

انقسامات متزايدة

ولا تقتصر التصدعات التي تسببها مأزق بريكست، على الانقسامات الحادة في مجلس العموم والحكومة فقط، بل شهد القضاء البريطاني تضارباً في وجهات النظر حول قانونية قرار الحكومة في تعليق أعمال البرلمان لفترة 5 أسابيع. ورفضت المحكمة العليا طعنا في قرار رئيس الوزراء بوريس جونسون، تعليق أعمال مجلس العموم، وقالت في قرارها، إنها وجدت أن جونسون تصرف في إطار القانون عندما نصح الملكة بتعليق البرلمان حتى 14 تشرين الأول/أكتوبر المقبل. وقدم الطعن في قرار جونسون كل من سيدة الأعمال والناشطة المعارضة لبريكست جينا ميلر، ورئيس الوزراء الأسبق المحافظ، جون ميجور. كما رفضت محكمة مدنية في اسكتلندا طعنا مماثلا، وقالت إن رئيس الوزراء تصرف بموجب القانون وتعليق البرلمان مسألة ليست من شأن المحاكم.

لكن أعلى محكمة استئناف في اسكتلندا، قضت بعدم قانونية قرار جونسون في تعليق عمل البرلمان، واعتبرت بعد أن رفع حوالي 80 برلمانيا شكوى أمامها، بأن قرار جونسون يرمي إلى تعطيل عمل البرلمان، واصفة القرار بأنه غير شرعي ولاغ وباطل. وأعلنت الحكومة البريطانية أنها ستطعن في قرار المحكمة الاسكتلندية أمام المحكمة العليا في لندن، وهي أعلى محكمة في المملكة المتحدة.

وعلق جونسون، على الحكم الذي أصدرته أعلى محكمة مدنية في اسكتلندا بأن وقف البرلمان غير قانوني، نافياً بأنه كذب على الملكة البريطانية بشأن النصيحة التي أعطاها لها فيما يخص تعليق عمل البرلمان 5 أسابيع، وأضاف “محكمة العدل العليا في انكلترا تتفق معنا، لكن بقي على المحكمة العليا في المملكة المتحدة أن تقرر”.

موت أم بريكست؟

وفي تصريحات تظهر مدى صعوبة المرحلة المقبلة ومحدودية الساحة للمناورة، قال رئيس الوزراء البريطاني إنه يفضل الموت داخل حفرة على طلب إرجاء بريكست، وجدد تأكيده على ضرورة خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي في نهاية تشرين الأول/أكتوبر.

ويبدو أن في حال انسحاب بريطانيا بدون توافق، ستشهد البلاد موتاً كذلك من نوع آخر، حيث أظهرت تسريبات من ملف يعرف باسم “يلوهامر” الذي حجبت أجزاء منه، أن خروج بريطانيا بدون اتفاق قد يؤدي إلى نقص في بعض الأغذية الطازجة، وإمدادات أقل من العناصر الغذائية الرئيسية، وارتفاع في أسعار الأغذية والوقود، قد تؤدي إلى التأثير السلبي على أصحاب الدخول المنخفضة. وبيّنت هذه التسريبات أن البلاد قد تشهد احتجاجات واحتجاجات مضادة، وأن الشاحنات ستتأخر لأكثر من يومين لعبور الحدود بين بريطانيا وأوروبا، وأن بعض الشركات والأعمال قد تتوقف عن التجارة، وأن السوق السوداء ستزداد، وأن الرعاية الاجتماعية لكبار السن قد تتضرر.

المهمة

تتعلق أقصر فترة رئاسة الوزراء تاريخياً في المملكة المتحدة بجورج كانينغ الذي لم يمض سوى 119 يوماً في منصب رئاسة الوزراء من 10 نيسان/أبريل إلى 8 آب/أغسطس عام 1827. وإذا كان بوريس جونسون لا يريد أن يسجل رقماً قياسياً جديداً في قصر فترة رئاسة الحكومة، فعليه أن يبقى رئيساً للوزراء حتى يوم 20 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل أي 3 أسابيع بعد الموعد المقرر للانسحاب من الاتحاد الأوروبي.

وبعد أن رفض مجلس العموم الذهاب إلى انتخابات تشريعية مبكرة ومنع الانسحاب بدون توافق قانونياً، فإلى حد كبير يبقى مصير بوريس جونسون في يده. وكبل المنافسون والمنتقدون رئيس الوزراء بالشكل الذي إذا أراد “جونسون تنفيذ وعده بدون أن يموت” فعليه أن يبحث عن معجزة لتنفيذ مهمة تبدو مستحيلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية