نتنياهو إلى المحكمة الجنائية الدولية أم إلى كرسي رئاسة الوزراء؟ مرافعة قانونية

عبد الحميد صيام
حجم الخط
3

نيويورك-“القدس العربي”:   السيدة فاتو بنسودة – المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية، نحن ثلة من أبناء الضحايا التي قتلها المرشح للمرة الخامسة لرئاسة الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، عبر تاريخه الطويل من الإجرام ضد أبناء الشعب العربي عامة والشعب الفلسطيني خاصة، جئنا إليك بصفتك الاعتبارية في أعلى منصب في المحكمة الجنائية الدولية مكلفة بالدفاع عن ضحايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية وتقومين بالمرافعة نيابة عنهم وتوجهين التهمة بالقتل الجماعي غير المبرر وغير المقبول ضد الأبرياء من المدنيين، وتصدرين مذكرة اعتقال بحق المذنبين وتضعينهم خلف القضبان بانتظار المحاكمة العادلة.

نحن، أبناء وأقارب وجيران ضحايا هذا الكيان السرطاني من أبناء فلسطين والدول العربية المجاورة وغير المجاورة التي اكتوت بنيران القاذفات والراجمات والغارات والقنابل العنقودية والفراغية والفوسفورية والتي أدت إلى قتل عشرات الآلاف واقتلاع المجتمعات من موائلها الأصلية وانهيار المباني على من فيها وتدمير المساجد والكنائس والمدارس والأسواق والشوارع والمزارع وكروم الزيتون. نحن المواطنون العاديون الذين لا ننتمي إلا للوطن ولا نريد إلا الحرية ولا نقبل إلا العيش بكرامة. جئنا سيدتي لنقدم مرافعة صادرة من جراحنا وآلامنا وذكرياتنا المريرة ونحن نودع أبناءنا وبناتنا وأزواجنا وأحباءنا، جئنا لنحكي لك يا سيدتي نزرا يسيرا من معاناة الملايين وخاصة في أكبر سجن آدمي على وجه الأرض المسمى قطاع غزة.

في البداية أود أن أذكرك يا حضرة السيدة بنسودة، ونحن نتكلم هناك الآن 5700 أسير فلسطيني في سجون نتنياهو من بينهم 700 مريض يموتون ببطء كان آخر الضحايا الشهيد بسام السايح الذي توفي بسبب الإهمال الطبي يوم 9 ايلول/سبتمبر الحالي. ومن بين المعتقلين 230 طفلا و48 سيدة وفتاة، و500 معتقل إداري كما يحتجز نتنياهو 51 جثة لفلسطينيين قتلوا على أيدي قوات الاحتلال. هل سمعت يا سيدتي عبر التاريخ بدولة تحتجز الجثامين؟

أنت يا سيدة بنسودة مكلفة بمراقبة من يرتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، أي بالتقيد الحرفي باتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة. فماذا تسمين هدم البيوت وتشريد أصحابها؟ هل سمعت بوادي الحمص في صور باهر شرقي القدس حيث قامت الجرافات الإسرائيلية بهدم عدة مبان تحوي أكثر من 100 شقة سكنية أدت إلى تشريد أكثر من 500 شخص مرة واحدة؟ إنه تطهير عرقي بدون مواربة. أليست جريمة التطهير العرقي نوعا من الإبادة الجماعية المشمولة في جرائم الحرب؟ أليس نقل أكثر من 800 ألف مستوطن إلى الأرض الواقعة تحت الاحتلال يعتبر جريمة حرب حسب اتفاقية جنيف الرابعة؟

أما عن تهويد القدس فحدث ولا حرج رغم أن مجلس الأمن الذي تقدمين له تقاريرك الدورية أعتمد أكثر من سبعة قرارات حول القدس كان أهمها القرارين 476 و478 عام 1980 بعد إصدار إسرائيل القانون الأساسي لضم المدينة وإعلانها رسميا عاصمة دائمة وموحدة أي “ضم أراض احتلت بالقوة المسلحة” وهذا مخالف للقرار 242 (1967) الذي اعتمد بالإجماع.

في عهد نتنياهو، وحسب تقرير لحركة السلام الإسرائيلية، بنيت 20,000 وحدة سكنية استيطانية في الضفة الغربية وخاصة في محيط القدس. أليست هذه الممارسات جرائم حرب؟ أليس هذا مخالفا نصا وروحا لاتفاقيات جنيف؟ وإذا أعياك الجواب سنساعدك في العودة إلى النص. ألم يصدر مجلس الأمن العديد من القرارات حول لا شرعية الاستيطان كان آخرها القرار 2334 (2016)؟

وكما تعرفين يا سيدة فاتو بنسودة أن إسرائيل شيدت جدار فصل عنصري يزيد طوله عن 480 ميلا خنق العديد من القرى والمدن الفلسطينية وابتلع 15 في المئة من أرض الضفة الغربية. قامت محكمة العدل الدولية، جارة محكمتك في نفس المدينة، بالتداول في شأن الجدار وأصدرت فتواها يوم 9 تموز/يوليو 2004 التي تنص على أن الجدار غير شرعي ويجب أن يفكك وأن يتم التعويض على الفلسطينيين الذين تكبدوا الخسائر من تشييده.  فهل تجرأت يوما ونطقت بكلمة واحدة عن الجدار؟ وما دام الجدار غير شرعي لكنه لم يفكك، فهل من أحد مسؤول عن هذه الجريمة غير نتنياهو؟  لماذا هذه الجريمة لا تعني المحكمة ولا المدعي العام؟

إسرائيل يا سيدتي قد تكون الدولة الوحيدة التي ترفض السماح للجان التحقيق الدخول إليها ناهيك عن التعاون معها بل وتدير ظهرها للعالم ولا تأبه به وتحتقر القانون الدولي وتشتمه علنا وتهزأ بالأمم المتحدة وأجهزتها جميعا، فماذا يكون الرد؟ السكوت أو غض البصر وفي أقصى الحالات التعبير عن القلق.

السيدة بنسودة:

دعيني أقدم لك المجموعة التي حضرت بها إلى مكتبك في لاهاي للإدلاء بشهاداتهم:

أحضرت معي يا سيدتي ممثلا عن عائلات فلسطينية أبيدت بكاملها إلا من كان صدفة خارج البيت. معي الفتاة هدى غالية التي نجت من مجزرة الشاطئ 2006 وقتل أبوها وإخوتها الستة. اسمعي هدى: “نحن يا سيدتي من بقايا عائلات أبيدت كلها أو معظمها: منهم عائلتا غالية والسموني والعثامنة وأبو جزر وبعلوشة وبكر وأبو عيشة والدوابشة وسلمان والشاعر وزعرب والكيلاني وحمد والقصاص وصيام (رفح) وريان وكوارع”. وللعلم معنا الطفل أحمد الدوابشة الذي نجا من مجزرة حرق بيته في دوما. وبالمناسبة معنا أيضا السيدة صابرين أم الممرضة رزان النجار التي قتلها نتنياهو بدم بارد وهي تلبس ثياب الإسعاف.

وهذه مجموعة من أبناء غزة المحاصرين برا وبحرا وجوا والمجوعين والواقعين بين فكي كماشة العدو وذوي القربى. لا ماء ولا كهرباء ولا غذاء ولا دواء ولا معابر مفتوحة ولا فرص عمل ولا بارقة أمل. هؤلاء يا سيدتي أبناء غزة الذين شهدوا أربع حروب في أقل من عشر سنوات – غيوم الخريف 2006، والرصاص المصبوب 2008/2009 وعامود السحاب 2012 والجرف الصامد 2014. وتعرفين كم من الأطفال ذهبوا ضحية حرب صيف 2014؟ على الأقل 551 طفلا. ذهبوا قهرا وظلما على يد هذا المرشح الذي سيشعل حربا أخرى إذا انتخب.

ومعنا يا سيدتي عينة من العرب الذين أيضا وقعوا ضحايا شهوة القتل وهذا قريب الدكتور بشار الحمارنة الذي قتله حارس السفارة الإسرائيلية في عمان المدعو زيف وقريب مهندس الطيار التونسي محمد الزواري وهذا رفيق سمير قنطار اللبناني.

نحن أصلا أولاد وأحفاد من بقي حياً من مجازر دير ياسين والطنطورة والدوايمة وسوق حيفا وبلد الشيخ والقدس والرملة وقبية وكفر قاسم والسموع وبحر البقر والسويس والسلط والكرامة والنبطية ومرجعيون والقنيطرة ودير الزور وجمرايا وقلعة شقيف وحمام الشط.

نحن أصلا من الذين فقدوا أهاليهم في صبرا وشاتيلا ومخيم جنين ونابلس القديمة والشجاعية ورفح وبيت حانون وقلندية والدهيشة والأمعري وجباليا والشاطئ وبلاطة وعين شمس وخانيونس والخليل.

نحن جئنا لنسمع رأي المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية.  جئنا لنوضح الصورة الحقيقية. جئنا نطالب سيدتي بشيء من العدالة باعتقال كل مجرمي الحرب وأولهم هذا المترشح لرئاسة الوزراء. أليس من الأولى أن يكون خلف القضبان؟ أليس من المنطق والقانون والعرف أن يعاقب المجرم وليس الضحية؟

نأمل في النهاية أن يتسع وقتك لمراجعة كافة الوثائق التي نضعها بين يديك وخاصة تقرير ديزموند توتو عن حرب 2006 وتقرير غولدستون عن حرب 2008/2009 وتقرير شباس عن حرب 2014 وتقارير المقررين الخاصين لمجلس حقوق الإنسان وآخرهم مايكل لنك. ونتمنى أن تلقى مرافعتنا هذه اهتمام سيادتك. والسلام على من اتبع الحق.

فاتو بنسودة: أشعر بالقلق.

أعتذر مضطرة أن أخرج فلدي ما أعمله. أريد أن أرسل برقية تهنئة لفوز نتنياهو في الانتخابات التشريعية في إسرائيل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية